السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / عَبْرَ الدُّون وأوكرانيا .. إلى موسكو

عَبْرَ الدُّون وأوكرانيا .. إلى موسكو

علي عقلة عرسان

في ثنايا الحوار حول مشكلة جواز سفري والتأشيرة، تدفقت شحنات انفعالية جديدة من قضية أخرى ثارت في العربة ذاتها، ففي إحدى المقصورات، وجد رجال الأمن الأوكرانيون مسدسا مع شخص، يبدو أنه رجل أمن روسي كان في مهمة، فجردوه من مسدسه، رغم شرحه لهم أنه في مهمة، وبعد ذلك اقتادوه معهم.. وشكل هذا نوعا من صدمة لأولئك الذين يرون أن ما يجري رؤى سيريالية قاسية في كابوس طويل طويل.. وذكرني ذلك بثورة فينوجرادوف.

انتشلني من صمتي واستغراقي في موضوع فينوجرادوف وروسيا، صوت بافيكين يقول لي: لقد اقتربنا من روستوف، تعال انظر.. وشدَّني النداء، بل شدتني الكلمة التي كانت شمعة الجملة التي نقلت النداء، روستوف.. معنى هذا أننا على الدون ومرابع الكاتب الكبير شولوخوف.. أسرعت إلى أقرب نافذة في العربة، لا أريد أن تفوتني رؤية الدون الهادئ. كانت الساعة تشير إلى الثامنة مساءً الاثنين 16/أيلول/1996، عربتنا هي الثانية بين عربات القطار عند بداية الجسر، والشمس بين جَفنين من غيوم، وبؤبؤها غارق في حمرة مضيئة كأنها الوَسَن المُخامِر في الضحى.. كان ماء النهر رماديا مائلا إلى الزرقة، ينساب في منحى لا يكاد يظهر لاتساعه، وقد أحاطت الأشجار بالمَجرى فضاعفت ظلالُها من قتامة الماء الساحر الذي ينساب بهدوء مخيف، ولم يكن على ذلك السطح سوى مركب صغير لصياد يستغرق في البحث عن رزقه. بدا لي الجسر حديثا، لأن جدارين ضخمين للجسر القديم شكلا مع المركب والماء والشمس المحتضرة والأشجار الباسقة، لوحة مؤثرة.. آه لو أن القطار يخفف سرعته أكثر، لو أنه يتوقف، لو أن الزمن يراوح في مكانه، لأستمتع أكثر بشيء أشتاق لرؤيته، لكنه يمرُّ خطفا.. عبثا تحيا عندي الأمنيات، وعبثا أردد “لو أن.. لو أن.. لو أن”.. كل شيء رغبت فيه أسرع قبل أن أمسكه، وكل شخص رغبت في الاستئناس به والاطمئنان إليه، فجعني بخنجره ينغرسه في القلب.. أكاد أقطع بأنه لا يوجد استثناء.. لم أعرف استثناءً. ومر الدون هادئا عبر القاعدة ذاتها، فأنا الذي كان يسرع بي القطار هذه المرة حتى لا يحقق استثناءً ما.
كانت أضواء بيوت روستوف تتراقص في عيني من جرَّاء حركة القطار الأعرج “تراك.. تراك.. تراك”… ودخلنا المحطة التي لا تقل كآبة عن المحطات الأخرى، وهرول الباعة، شأنهم في المحطات الأخرى، يقدمون ما يحملون، لِمَن يريد شراء شيء مما يحملون. كانت حاجياتهم خفيفة: “خبز وتفاح وبندورة وذرة صفراء وزجاجات لبن وسمك مجفف، مدخّن وغير مدخّن، أو لحوم مصنَّعة على طريقتهم”، وهو ما شاهدته في معظم المحطات التي مر بها القطار.
تمشّيت قليلا.. كانت للهواء البارد لذعةٌ خفيفة خشيتها، لكنني كنت أحتاج إلى المشي في الهواء الطلق.. لوحة الغروب أخذت بالزوال، والليل يشد زورقه الهائل ويبحر في سكون الكون.
عدت إلى القطار، ووقفت في الممر قرب النافذة أمام مقصورتي، وسرَّحت نظري في السماء. لحظات وأيقظني شيءٌ من شرودي، شيءٌ شد عيني إلى الأفق الغربي، ها هو الهلال ابن يومين فقط.. قطعة من النور الباهت على أرضية زرقاء، تتزاحف ظلالها لتخنق بقايا الأشعة الهاربة.. قرأت الفاتحة، ودعوت دعائي المعتاد عندما أرى الهلال، وهو ما علمني إياه والدي رحمه الله: “اللهم أهللته علينا بخير فأتممه علينا بخير”، وواصلت تأملي في منظر كان يستغرقني، إلى أن ارتجفت الأرض تحت قدمي، فالقطار بدأ يعرُج ويهتز، وروستوف غدت وراء ظهري، والساعة تشير إلى الثامنة والنصف مساءً.
انضم ركاب جدد إلى مقطورتنا، فالجلبة آخذة بالتصاعد، عدت إلى مقعدي وأخذت أنظر من النافذة.. لا أدري ما الذي أعادني إلى الوطن والبيت والقرية وتداخلات الحوادث والأفكار والأشخاص.. في أثناء السفر تحتشد في فضاء ذاكرتي أشياء كثيرة، ويسبب لي هذا في كثير من الأحيان ألما وأرقا، ويجعلني أشعر بالغربة شعورا مضاعفا.. في غربتي عن الوطن أكتشف أنني أكثر توقا إليه، وفيه أشعر بالغربة عن كثيرين فيه..؟! وشبح الغربة، مُحمَّلٌ بألم مُمضّ، يتشظى في مكان ما تحت القلب، ويخترق الرئتين، ولا تلبث أشعته أن تتصاعد إلى الدماغ، ناشرة في عروقي نارا تحرق ببطء ويَعسّ دخانها بين الأوردة والشرايين، بين الخلايا والعظام.
يا أنت…
يا زمن الناس الأفاعي.
ما الذي سلطك على قلبي مذ كان طفلا.
وأباح لك أن تفلَحه المواسمَ الأربعة،
وترشه بالكبريت وأنواع الحموض الفتاكة..؟!
يا أنت.. يا زمن الأفاعي..
لكل شخص عمر..
ولكل لحظة عمر..
ولكل حي عمر…
فلماذا تغتصب مني عمري، وتتركني مشردا في زوارق الغربة، تطوف بي من ليل إلى ليل، وتلطُمني سيوف شقوق صخورها السوداء بلا انقطاع؟!”..
أخرجني من قوقعتي الرمادية الباردة ضحك بافيكين، وهو يدخل دامع العينين محمر الوجه يقهقه، ثم جلس قبالتي على المقعد واستغرق في الضحك، محاولا أن يتمالك نفسه ليحكي لي عما يضحكه.. كانت كلماته تتقطّع إبان ظهورها بين ضحك ودموع.. أخيرا نظر إليَّ بتركيز، بعد أن مسح عينيه، والضحكة تحتل فضاء فمه وقال: ما هير.. ما هير.. ثم ضرب يده على ركبته واستغرق ثانية في الضحك.
- مالك يا أوليج..؟! ما لـه “ماهير”؟!
وماهير أي ماهر هذا.. شاعر من أذربيجان، شاب أسمر بشاربين أسودين وطبع ألوف، شارك معنا في احتفال ليرمنتوف وعاد معنا في القطار، وكان يشاركنا في حديثنا وجلوسنا معا، وكثيرا ما جمعتنا المقصورة ستة أشخاص من قوميات مختلفة: العربي والروسي/ والفرنسي أو الإسباني الروسي/ والأذربيجاني والبيلوروسي. قال بافيكين من دون أن يفارقه الضحك: كادت تقع أزمة سياسية بين أذربيجان وأوكرانيا.
قلت: ولكن ليس في الوفد أحد من أوكرانيا!!
تمالك بافيكين نفسه قليلا وقال: حُلت دون وقوع الأزمة. لقد انضمت إلى العربة.. إلى المقصورة المجاورة فتاتان من أوكرانيا، وطلبتا أن تأخذا مكانين في المقصورة التي فيها ماهر وساشا، فقال لهن ماهر، وأنت تعرف أنه أذربيجاني: “بعد قليل سيأتي ساشا ونعرف “من سينام على من”!! ثم استغرق بافيكين في الضحك.. وشهق وهو يعبر بقسمات وجهه وعينيه ورأسه ويديه ورجليه قال: ونظرت الفتاتان إلينا بدهشة وخوف.. وهمّتا بأن تقفا.. وكاد الموقف يتوتر، فتدخلت وصححت كلام ماهر الذي يبدو أنه لا يتقن الروسية لتأخذ العبارة مجراها السليم في توزّع المَقاعد “الأسرّة” التي هي أربعة في المقصورة كل سريرين يقع أحدهما فوق الآخر.. وماهر يعني من ينام في السرير الأعلى ومن ينام في السرير الأسفل.
شاركته الضحك بقلب بارد وعقل مشوش، ثم انضم إلينا الآخرون، وبدأ الحديث الذي انطلق من سوء التفاهم ذاك يتشعب، وأنا أتنقل بين تركيز على ذاتي يجعلني أستغرق في شرودي، وتركيز على الحديث الذي يدور بين الموجودين في المقصورة. كان بافيكين يترجم ما يدور، ونبهني من شرود لي قولـه “تاجولوك” بلد تشيخوف.. التفتّ إلى النافذة.. كان القطار ينساب في الليل بين أشجار ومبانٍ وبعض الأضواء الخافتة.. وكان ما يمت لتشيخوف بصلة يتساقط في الذاكرة ومنها، أكثر مما ينقله إليّ البصر.. كان ذلك ثمر المعرفة وليس ثمر الأرض والبصر.
بدأ الحديث الذي كان حارا يتراخى، ودخل مساحة وادعة يروي فيها الأشخاص النُّكات.. فجأة وجدتني أمام ما يُركز نظري على أندريه “الشاعر من بيلاروسيا”، وكان قد لفت انتباهي في الاحتفال بشِعره الذي يمثل موقفا للجيل الجديد، فيه نقد وتجديد ولذع سياسي، وقد صفق لـه الناس طويلا عندما ألقاه في “جلزنوفودسك”.. أندريه يروي نكتة عن اليهود. ويربطها على طريقته بالوضع الحالي في ما كان الاتحاد السوفييتي سابقا، وأصغيت إليه باهتمام:
“دخل مجموعة من اللصوص على بيت يهودي يعمل صائغا، اسم امرأته سارة، كانوا قد رصدوه جيدا ـ كما يفعل اللصوص اليوم ـ وأشهروا عليه السلاح، فقال لهم بخوف وخبث: ماذا تريدون.. خذوا ما تريدون؟!
قالوا: نريد مئة كيلوجرام من الذهب، ما نطلبه موجود عندك.
قال اليهودي، وقد لمعت عيناه: لماذا لا تأخذون مئة وخمسة كيلوجرامات؟!
قال اللصوص: نأخذ.. هات.. فنادى اليهودي: سارة.. تعالي.. وكان وزنها مئة وخمسة كيلوجرامات.. و”سارة بالروسية: تعني أو تُلفظ: “مذهبة.. أو ذهبة”.
ضحك الجميع.. ونظر أندريه بطفولة إلى الآخرين، وهو يبتسم ابتسامة عريضة، يلفها شيء ما يصعب تفسيره، ثم أخذ الكلام ليروي نكتة ثانية، وكانت عن اليهود أيضا، لكنها ذات مغزى مغاير لمغزى للأولى، قال:
“التقى يهوديان فوق مركبين في عرض البحر، أحدهما قادم من أوديسا باتجاه فلسطين، والآخر من فلسطين باتجاه أوديسا؟ وعندما تحاذيا تماما نظر كل منهما طويلا في الآخر حتى كاد أن يتجاوزه، والاستغراب الذاهل على وجه كل منهما، وقد وضع كل منهما اصبعه على صدغه في حركة لولبية، وكأنه يقول عن الآخر: أمجنون هذا؟!” وضحك الجميع لمَغزى النّكتة.
قلت في داخلي هذا الشاب ما شأنه؟! يبدو جادا وبسيطا، صلب الروح وطري الجسم، حين دخلنا القطار قال: لقد تناولت في الأيام الماضية وجبات دسمة وسأغسل معدتي على مدى اليومين القادمين بالتفاح، فظننت أنه سيبدأ بتناوله في أول محطة بعد أن يشتريه منها.. في المحطة التالية نزلنا لنشتري الطعام وبينه التفاح، وقلت لـه: تعال لنشتري شيئا فقال: لقد اتفقت مع الله على ألا آكل شيئا اليوم، قلت لـه بابتسامة واحترام، اتفق معنا على الطعام، واترك اتفاقك مع الله الآن، لا بد أن تأكل: ابتسم ولم يفعل. عندما عدنا بالطعام دعوناه ليتناول شيئا منه فرفض، حتى التفاح الذي كان معنا لم يأخذ منه شيئا.. وبقي على هذه الحال أربعا وعشرين ساعة، بعدها أخذ يتناول الطعام ولم يفارقه الجد، وكانت لـه هيبة المريض الصابر وسماته.
علق زميلنا الفرنسي أو بافيكين، لم أعد أذكر، على ذلك بأنه يريد أن ينفصل. وسيلفت النظر إليه بنوع من تعذيب الذات على مرأى من الآخرين. ربما كان في ذلك شيء من الصحة، ولكن طريق المعاناة والصراع مع النفس وحتى محاولة الانفصال عن الآخرين، وتعذيب الذات للفت النظر، كل ذلك قد يكون طريق الشاعر أحيانا إلى نوع من التفرد في مذاق الإبداع على وقع الألم.
اقتربنا من حدود أوكرانيا، كان الليل يتجلى مُغشِّيا الأرض بردائه القاتم، بدأ القطار يزحف بطيئا كسلحفاة، ثم توقف وصعد مسؤولو الأمن الأوكرانيون ورجال الجمارك، يدققون في الوجوه والأشياء، مأخوذون بحماسة خاصة، تمليها ظروف الجمهورية الوليدة “جمهورية أوكرانيا”.. وجاء دور مقصورتنا، دخل ملازم أول يصحبه صف ضابط وقال: جوازات: ومد كل منا وثيقة سفره، جاء دوري دقق الضابط في الجواز ثم أعطاه للملازم أول، وأخذ يدقق هو في الأشياء الموجودة في المقصورة.. ثم طلب منا أن نخرج من المقصورة ليفتش سيدة أوكرانية في ممر العربة.
بدأت مشكلة تتعلق بجواز سفري، فأنا كما قال الضابط دخلت الأراضي الأوكرانية دون تأشيرة.. بدأ تهامس الروس من حولي وتشنج وجوههم، وأخذ ينظر بعضهم إلى بعض، ومنهم من كان يدير ظهره ويتمتم باشمئزاز: ما هذه أوكرانيا، ما معنى الحدود هنا؟! وهتف أحد غير مصدق: حدود وجمارك هنا؟! لم يعتد أحد منهم على أن تكون أوكرانيا دولة، ولم يعتد أحد على حدود، ولا على تأشيرات، وعلق بعضهم ساخرا: هذا وضع “بريستورويكي” جديد. في عيونهم كان غضب مستسلم، واستهجان يفوق حدود التصديق.. أمَّا أنا فاستعدت حالتي يوم كنت أحدث بعضهم في العهد السوفييتي عن الحدود التي خلقتها معاهدة/ سايكس ـ بيكو/ في بلادنا، ونظرتنا نحن القوميين من العرب إلى معنى إقامة حدود بين سوريا والأردن ولبنان وفلسطين، البلد الواحد، “سوريا الطبيعية = بلاد الشام”، أو حتى بين أقطار المَغرب العربي وغيرها من الأقطار العربية التي كانت على مدى قرون، مساحة جغرافية وسياسية واجتماعية واقتصادية واحدة، داخل حدود سيادة الدولة في إطار الخلافة أو السلطنة “أرض العرب وأرض الإسلام”، وكيف تحولت الآن إلى فسيفساء من الدول المتناقضة التي تحتمي بالاستعمار عند اللزوم، للحفاظ على سيادتها وحدودها وسلطة الحاكمين فيها؟!
وقد كانوا ينظرون إلى حديثي باستغراب، وأنظر إلى مواقفهم باستهجان يقيمه جهل بالموضوع، ونوع من التواطؤ الصامت الذي فرضته نتائج التحالفات والحروب والعداوات والمصالح المشتركة “للغرب ـ شرق”، في إطار أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
لم تأخذني حالة من الشماتة في موضوع النظر الآن، ولكنني حاولت أن أكون أكثر تفهما لموقف الطّرفين، وأكثر إصرارا على تقديم موقفي للأوكرانيين الذين بدت قضية التأشيرة والتدقيق في الجوازات والتفتيش الجمركي قضية تتصل بتثبيت السيادة، وحدود الدولة وفرض دستورها وقوانينها، وهم غير مصدقين في أعماقهم ما يحققونه من نتائج، لا سيما حين يدققون في وثائق سفر الروس، وهم بطبيعة الحال لا يحملون تأشيرة.
وفي ثنايا الحوار حول مشكلة جواز سفري والتأشيرة، تدفقت شحنات انفعالية جديدة من قضية أخرى ثارت في العربة ذاتها، ففي إحدى المقصورات، وجد رجال الأمن الأوكرانيون مسدسا مع شخص، يبدو أنه رجل أمن روسي كان في مهمة، فجردوه من مسدسه، رغم شرحه لهم أنه في مهمة، وبعد ذلك اقتادوه معهم.. وشكل هذا نوعا من صدمة لأولئك الذين يرون أن ما يجري رؤى سيريالية قاسية في كابوس طويل طويل.. وذكرني ذلك بثورة فينوجرادوف.
بعد قليل دخل مقصورتنا نقيب مع الملازم وجلس في المقعد المقابل لي، وبدأ باحترام يلقي درسا قصيرا، قال لي: “أنت تخالف الدستور الأوكراني بدخولك البلاد من دون تأشيرة، ونحن نستطيع أن نسفرك مباشرة.. في المرة القادمة عليك أن تحصل على تأشيرة، ثم مد لي يده بالجواز، متجاوزا عن المُخالفة”، وجدت من واجبي ألا أترك هذا الموضوع دون توضيح، فطلبت إلى المترجم أن يكون دقيقا، وبدأت بالكلمة التي تهم محدثي بالدرجة الأولى: “أنا أحترم القوانين ولا أريد أن أخالفها، وأحترم أوكرانيا، لقد جئت من موسكو إلى جلنزوفودسك بالطائرة، ولم أعرف أنني سأمر ببلادكم.. المسؤولون الذين نظموا الاحتفال قرروا العودة بالقطار الذي يمر عبر أوكرانيا.. وهم يتحملون مسؤولية، إذا كانت هناك مسؤولية”.. ارتاح الرجل، ووجد أن “سيادة” أوكرانيا متوافرة في ذهني على الأقل، ونهض وهو يستشعر أنه أدى أداءً حسنا لمهمته بين عناصره. وعندما بدأ القطار يتحرك، أعلمونا أن إحدى الفتاتين اللتين انضمتا إلى العربة، أخذوا منها خمسمئة ألف روبل، ما يعادله مئة دولار أميركي، من دون أن يعطوها إيصالا بذلك، لأن حمل العملة الروسية لدى الأوكرانيين، من دون تصريح، أمر غير مسموح به، وهكذا انتهت الصورة التي رُسِمت خطوطُها العريضة على الحدود إلى وضوح مفاده: “الإقرار بمعالم دولة مستقلة، تفرض على مواطنيها قانونا صارما تجاه دولة روسيا الاتحادية التي كانت الاتحاد السوفييتي كله قبل ست سنوات، ولم يكن أحد من أبناء هذه الدول “القوميات” أن يرفع نظره وصوته أمام الروسي السيد.
محطتنا القادمة كانت خاركوف بعد ستافروبل وروستوف، ويقدَّر أن نصل إليها مع الفجر أو قبل طلوع الشمس.. تجمع عدد كبير في المقصورة يتحدثون عن الأوضاع الجديدة والتوقعات والاحتمالات، ونزل أندري من سريره الذي كان فوق سريري، ليجلس ويناقش ويبدي رأيا. لم يكن ذلك “المسيح الجديد؟!” وتلميذ المرحلة العليا في معهد جوركي للآداب، انعزاليا في تلك اللحظة، وأخذ يشارك في الحوار بمسؤولية وتشاؤم غاضب، وكان يجيد الإصغاء أيضا: إن الأوضاع السائدة الآن هي تلك التي تفرِّخ فيها الجريمة، وتكثر الرشوة، ويستشري الفساد.. ولا يوجد في موسكو مكان إلا لانتشار التجارة والدعارة والمافيا، عشرون ألفا على الأقل من مليونيرية الدولارات موجودون في موسكو وحدها، وهي تُقبل على مرحلة الخصخصة التي شملت روسيا كلها باستثناء موسكو، والمستقبل غير واضح تماما.
قال أندريه: أنا إذا بمقياس الأوكرانيين لست من بيلاروسيا فقط وإنما بولوني كاثوليكي في روسيا الأرثوذكسية.. ماذا تفعل كل هذه القوميات والدعوات القائمة، في ظل فراغ أيديولوجي واضح، وفساد منتشر، وتركيز أميركي على روسيا؟!
أحسست بالمرارة تفيض من عيون ووجوه، وأحسست أيضا أن لدى كل شخص مستودعا خاصا للأسرار والرغبات والانفعالات، تكاد تنفتح أبوابه على مصاريعها. انضمت الفتاتان الأوكرانيتان إلى حلقة الحوار، بعد أن مسحت الفتاة التي “سَرقت” الشرطة نقودها دموعها وتمالكت نفسها، وبدا مطلب تغيير الجو الذي لا يقود الحوار فيه إلى نتيجة واضحا، وكانت مبادرة الخروج اللطيف منه بتركيز كثيف عليه، من بافيكين الذي طلب أن يسمعنا أندريه إحدى قصائده.
ولمَعت عينا الشاعر، ووجد الفرصة مواتية ليقدم قصيدة مختارة، تكثِّف النقد، وتركز الموضوع.. وعندما ترجم لي بافيكين ملخَّصا لها قلت إنها قصيدة ملائمة تكمل الصورة العامة أو تركِّزها، هل تسمح لي يا أندري بالاستفادة منها؟! قال نعم، وأخذتنا الحماسة نحن الثلاثة لترجمتها فورا ترجمة أولية، وكانت بعنوان:
الهجوم الأخير:
“الروسي الجديد في مرسيدس جديدة
يمشي بسرعة إلى المَصرف
وتشده “مأمونة” إلهة الثروة!؟
الروسي القديم، لديه أفكار عن الغابَة،
وهو يركب سيارة “بوبيدا” ويجري وراءهم ببطء..
“الروسي الجديد” يسمع شريطا موسيقيا،
وعيناه مغطاتان بلون البرد الضبابي، باردتان..
ينظر بتعال، ويدخن سيجارة ولاياتية “أميركية”.
الروسي القديم “يلوك” سيجارة قديمة من دون فلتر، مجعدة مثل عجوز، ويغني: “السيدة براسكوفيا المسكينة ” ـ سيدة أحرق الألمان بيتها، والأغنية باسمها ـ
وعبر تجاعيد وجهه تسيل دمعة في أخاديد الوجه.
إشارة المرور ممتلئة بالدم..
“الروسي الجديد” يضغط على مكابح السيارة
والعجوز المستغرق في تفكير عميق،
تخيل “ظن” هذا اللون الأحمر مثل العلم الأحمر الذي خرج تحته من دَرج بيته باتجاه الرايخستاج الألماني.
فأسرع.. وضرب “نقرة” المرسيدس.
خرخرت سيارة المرسيدس..
بينما رن صوت “البوبيدا” مثل جرس نحاسي،
ثم خرخر الأنف الطويل للبوبيدا،
وأصبح “الروسي الجديد” أكثر من شيطان أحمر
أما الروسي القديم فأصبح أشد بياضا من المسيح”.
كانت فكرة أندريه واضحة، وفي سياق تصويره للوضع الحالي ونقده لـه، كان يرى ألا بد من التصادم، بين الروسي الأصيل والروسي المُزيف، بين “القديم” و”الجديد”، بين الشيطان والأحمر والكادح الذي يملك نقاءً ويعود الآن إلى روحانيته. بينما يستغرق ذاك في شرور المادية.
ترى أهو الخروج من شرنقة صراع الماديتين الغربية والماركسية إلى صفاء الاعتقاد وآلامه، وبروسيا التي تذكر بما قبل ثورة 1917 ولكنها تصطدم مع “الإله الرأسمالي الجديد” لتعود لعبادة الرّب؟!
بدا لي، وأنا أرى بعض الكنائس تجدد من خلال نافذة القطار في الريف، والصلبان المستندة إلى صدور النساء وبعض الرجال، أن روسيا تأخذ تلك الطريق ليعود الصراع بين الله والشيطان، الإيمان والإلحاد، العدل والظلم، الفقر والغنى المتغطرس.. في معادلة الثنائيات القديمة المتجددة.

إلى الأعلى