السبت 22 سبتمبر 2018 م - ١٢ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دردشة صيفية من قرية عمانية 3/5

دردشة صيفية من قرية عمانية 3/5

سعود بن علي الحارثي

”لماذا تلهيني تساؤلات القرية والاجازة عن أصوات البنادق والمدافع المرعبة وانفجارات القنابل المدمرة التي تحيل الأجساد إلى أشلاء، وتحجب عني عجيج الغبار الذي تثيره حوافر الخيول وعجلات العربات وصليل السيوف في قلب أوروبا حيث تدور المعارك الطاحنة بين الروس من جهة والألمان والنمساويين من جهة أخرى والتي تكاد تقفز من صفحات (درب الآلام)، وهي تطحن عشرات الملايين من البشر… ”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ما بال تساؤلات الاجازة الصيفية والضغوطات المتعددة التي تمارس على رب الأسرة وماضي وشئون القرية وأوضاعها ومستقبل ما تمتلكه من إرث وتاريخ وموارد … تنتزعني هذا الانتزاع المزعج من ساحات المعارك الدامية وتصرفني عن أوجاع وأحزان وآلام الملايين من العمال والمزارعين والجنود الذين يسحبون ويجرجرون من المزارع والمصانع ومن أسرة نومهم وأحضان زوجاتهم ودفء أبنائهم وأحبائهم وحياتهم الريفية البسيطة لتزهق أرواحهم وتسحق أجسامهم وتمرغ انسانيتهم في ساحات الوغى وأعماق الخنادق والحفر الثلجية الممتدة في السهوب والقرى والمدن والغابات الكثيفة وهم يحاربون بالنيابة عن القياصرة الذين يشعلون الحروب لأسباب يجهلونها، وما يعرفونه حق المعرفة أنهم حطبها وأن القياصرة والتجار وكبار الضباط والأثرياء من (البرجوازيين) و(الرأسماليين الاقطاعيين) يعيشون في القصور والمنازل الفارهة، في لهوهم ومجونهم وحياة رخاء وازدهار، وما أشعلوا الحروب الواحدة تلو الأخرى إلا تحقيقا لمصالحهم ومآربهم، (لقد خرج الجميع إلى الحرب، من الأطفال حتى الشيوخ – الشعب بأسره. فقد كان في هذه الحرب شيء فوق الإدراك الانساني. كان يبدو وكأن العدو على وشك أن يدحر وقد استنزف دمه، وما هو الا جهد آخر، ويهل النصر الحاسم. ويبذل الجهد ولكن كانت تطلع مكان جيوش العدو المتفتتة جيوش جديدة كانت تسير للقاء الموت في جموح قانط، وتهلك. لم تكن لا جحافل التتار ولا كراديس الفرس تقاتل بتلك القسوة، وتموت بالسهولة التي كان يموت فيها الاوروبيون الضعاف الاجسام المدللون، أو الفلاحون الروس الماكرون، الذين رأوا أنهم ليسوا إلا ماشية عجماء – لحوما في هذه المجزرة التي دبرها السادة). لماذا تلهيني تساؤلات القرية والإجازة عن أصوات البنادق والمدافع المرعبة وانفجارات القنابل المدمرة التي تحيل الأجساد إلى أشلاء، وتحجب عني عجيج الغبار الذي تثيره حوافر الخيول وعجلات العربات وصليل السيوف في قلب أوروبا حيث تدور المعارك الطاحنة بين الروس من جهة والألمان والنمساويين من جهة أخرى والتي تكاد تقفز من صفحات (درب الآلام)، وهي تطحن عشرات الملايين من البشر وتفتك بهم وتحولهم الى أشلاء ومعاقين وعالة، لقد أفقرت هذه الحروب المدمرة التي شهدتها أوروبا منذ نهاية القرن الثامن عشر وحتى منتصف القرن العشرين خاصة الشعوب والمزارع والمصانع وحولتها إلى عالة وأصابت الحياة العامة بالشلل، لقد صور الكاتب الكبير الكسي تولستوي الذي (كتب في العديد من الموضوعات والأنواع الفنية، ولكنه تميز بروايات الخيال العلمي والروايات التاريخية)، في روايته الملحمية (درب الآلام) تلك الحرب المشوهة للأخلاق والقيم الإنسانية والتي انتزعت الرحمة من قلوب صانعيها ومشعليها أفضل تصوير وكشفت الرواية عن الثورة البلشفية التي قادها العمال لمواجهة البرجوازيين والرأسماليين والتي ولدت من رحم هذه الحروب وما أعقبها من حروب أهلية بين (البيض) الوطنيين المدافعين عن البرجوازيين والامتيازات القديمة وقيم المسيحية وبين (الحمر) الجيش البلشفي والتي عمقت من متاعب وآلام الروس، (وكان العمال يقرأون الصحف، ويلعنون الحرب، والقيصر، والقيصرة، وراسبوتين، والجنرالات، وكانوا ساخطين، وواثقين جميعا من ان الثورة ستندلع بعد الحرب)، وحدث ما توقعه العمال ومعظم فئات الشعب الروسي، وهب العمال والفلاحين لنصرة ثورتهم وحماية روسيا من الأعداء ومن خراب الحروب الأهلية التي لا يبين في الأفق ما يؤكد على نهايتها ولبناء مستقبل يقوم على عدالة قضاياهم وتحريرهم من الظلم والتسلط (الذين لا يزالون يحكون الحكايات، وعمال المعامل نصف المتهدمة التي همدت مداخنها منذ زمان، من خلال تغلبهم على المجاعة والتيفوس والخراب الاقتصادي التام يدحرون ويطاردون جيش دينيكن، وهو جيش من الدرجة الأولى، وقد أوقفوا عند مشارف بيتروغراد جيش يودنيتش الصدامي ودفعوه إلى استونيا، وحطموا وشتتوا في ثلوج سيبيريا جيش كولتشاك الكبير العدد، وقبضوا على حاكم عموم روسيا هذا، وأعدموه رميا بالرصاص، وهم الآن يدحرون ويطاردون اليابانيين في الشرق الأقصى. انهم، الملهمون بأفكار لينين – بالأفكار فقط لأن في روسيا لا شيء يؤكل ولا شيء يلبس – يؤمنون بأنهم أقوى من جميع من في العالم، وانهم سيبنون على خرائب دولتهم المعدمة، وفي أقرب وقت مجتمعا شيوعيا عادلا)، فماذا حدث بعد ذلك؟ لقد (كانت روسيا من بحر البلطيق حتى المحيط الهادئ ومن البحر الأبيض حتى البحر الأسود في غليان كدر حانق)، وقياصرة اليوم الذين يشعلون الحروب لا يقرأون التاريخ للأسف ولا يستفيدون من دروسه العميقة معتقدين بأنها مجرد فسحة ونزهة وأنه بمجرد غارة أو غارتين ومعارك محدودة سوف تنتهي الجولة. لقد نجحت الثورة البلشفية وقضت على معارضيها بالنار والحديد وممارسة (الارهاب الجماعي ضد ممثلي الفئات الغنية والمتوسطة والمثقفين ورجال الدين)، ولكن شعاراتها الجميلة خفت وتلاشت وفشلت (ان جسد روسيا يتحطم الى آلاف القطع. فإن العقد الوحيد الذي كان يغطي الامبراطورية قد انهار مزقا. ويصبح الشعب كالقطيع. ويختفي التاريخ المجيد، مثل الاغشية الضبابية الموضوعة على ديكور. ويتكشف خواء أجرد محروق .. قبور، وقبور … تلك نهاية روسيا). وئدت أحلام وتطلعات الملايين من العمال والمزارعين والفقراء المحطمين وأثبتت الثورة التي قامت على مبدأ (تحقيق المساواة بين فئات الشعب كافة من جميع النواحي والقضاء على الرأسمالية الاقطاعية وتحقيق الاشتراكية والعمل الاشتراكي الموحد)، أنها كانت مجرد هراء وشعارات لم تخلف إلا المزيد من الوبال وسفك دماء الشعوب التي اعتنقتها وأعلنت بعد عقود من الزمن عن استسلامها وفشلها وتخليها عن مبادئها التي طالما دغدغت بها المشاعر والاحاسيس والعواطف. (وأول ما فعله الشيوعيون هو أن قذفوا ببراميل المثالية الروسية القديمة خارج سفينتنا)، ولم يتبق أمام الحالمين الذين خانتهم الشعارات والمبادئ وكشفت لهم الوقائع والحقائق أنهم لم يكونوا إلا أسرى لحلم جميل، الا الحب (وحتى حين انهارت الجدران الصلبة للإمبراطورية، واختلط كل شيء، وجأر من الحنق والألم شعب تعداده مائة وخمسون مليون انسان بقي ايفان ايلتش موقنا بأن العاصفة ستمر، وأن المرجة عند بيت داشا ستزهر عامرة بالسلام بعد المطر). فلا يخلف القيصر إلا قيصر آخر أشد منه قسوة وغطرسة وديكتاتورية وظلما، لقد دمرت الشيوعية ثقافات وعقائد وحضارات مزدهرة ومكتبات عامرة بالعلم والمعرفة وذاكرة الشعوب و(وثقت الأدلة على الإبادات الجماعية الشيوعية التي دبرها ستالين …). لا شك بأنها رواية ملحمية رائعة وممتعة ومشوقة، قدمت تصويرا دقيقا ينم عن عبقرية وفرادة الأدب الروسي الراقي وعمالقته الكبار في تلك المرحلة الذهبية من تاريخ الأدب من أمثال ليو تولستوي ورائعته الفريدة (الحرب والسلام)، ميخائيل شولوخوف وملحمته (الدون الهادئ) التي أهلته لنوبل، الكسندر فادييف صاحب رواية (الحرس الفتى)، نيقولاي اوسترومنسكي، مكسيم غوركي، وغيرهم الكثير ممن قدموا تاريخ وأحداث المنطقة في القرنين التاسع عشر والعشرين في عشرات الروايات العالمية المشهورة وفي تصوير رائع وعرض مشوق ينم عن قدرات فائقة في كتابة الرواية. (يتبع).

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى