السبت 15 ديسمبر 2018 م - ٧ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : لنصنع السلام في عامنا الهجري الجديد

في العمق : لنصنع السلام في عامنا الهجري الجديد

د. رجب بن علي العويسي

أيام قلائل وتطوى صفحة العام الهجري 1439، بما تركه في واقع الأمة العربية والاسلامية من مآس وأحداث وتحديات وعقبات اكتسبتها أيدي من تعاظمت فيهم سلطة السياسة والمال، وعسى أن ترحل معه أوجاع المرضى وأنين الجرحى وحنين المشردين وصراخ الثكالى، وصراخ الاطفال، وعسى أن تتوقف معه أصوات الرصاص وقاذفات القنابل في صورتها الوحشية وهي تزهق حياة الطفولة والأبرياء من الرجال والنساء والكبار والصغار، لن تكون ذكرياتنا فيه إلا بقدر ما تركه لنا وللأجيال من مآثر طيبة وذكريات حسنة ومحطات مبهرة، وتبقى الذكريات الأليمة غائمة بسوادها وظلامها وظلالها لن يكون لها نصيب من محاسن الذكر، وقد وضع عقلاء الأمة وقياداتها أمام مسؤوليتهم في طي صفحات الشؤم وبدء صفحة التفاؤل والسلام لعام جديد يحمل معه طموحات أبناء هذه الأمة وأحلامهم وآمالهم، وما أحوج الأمة لأن تعيد فيه صياغة أهدافها وبناء مسيرتها وتنقية سيرتها وتحسين صورتها أمام أجيالها، في مواجهة حالة التشويه التي باتت تلقي بظلالها على المنظور الحضاري للتعايش والتكامل الذي جاء به الاسلام.
على إنفي انقضاء الشهور والأعوام، وتحول الأزمنة وتغير الأحوال حكمة كونية وسنة ربانية، وفرصة لبني الإنسان في استدراك فرص التغيير وقراءة أساسيات ومعطيات التحول في السلوك، وإعادة قراءة الحياة في ثوب جديد، وهي اليوم إيذان بتغير الحال وفرصة لإعادة النظر في المسار، وبناء محطات أكبر للسلام، وتضييق كل الفرص المؤدية إلى الخصام والفرقة، واشراقة جديدة تعكس حب التغيير وشغف التوجه إلى السلام العادل الذي يحفظ للجميع حقوقهم ويسمح لهم بممارسة أدوارهم في إطار الفضيلة والاخلاق والمسؤولية التي تعكس روح الأخوة الإنسانية، ومنهج التعارف الذي هو نتاج هذا الاختلاف الحاصل بين البشر، وروح التقوى التي هي المنتج الذي يعكس صفاء النفس وطيب الخاطر وحسن التقرب إلى الله في كل العبادات التي كلف الله بها عباده وهي الطريق لحياة سعيدة ومنهج يتسامى فوق كل منغصات الخلاف ومرهقات الاختلاف، فإن ما شرعه الله من عبادات الصلاة والصيام والزكاة والحج وما فضله لعباده من شعائر ونسك، انما يستهدف بناء التقوى التي هي الاطار الجامع لكل خير والطريق الأسمى لنهضة الأمة وقوتها وتمكنها من القيام باستحقاقات التكريم والتشريف والوسطية والشهادة على الناس.
وعليه فإن صناعة السلام في صورة التزام يعكس رقي التعامل مع الأزمات والأحداث الخارجية للأمة، ليس ضربا من الخيال، ففرصة وجوده كبيرة ونطاق العمل بها يمكن أن يمتد لكل جوانب الحياة اليومية، لعالم ممتدة نجاحاته، شامخة مبادئه، مشتركة قضاياه، بها يبني مجد الحياة، وفي ظلها يطور أساليب العيش، ومن خلالها يتفاعل مع نمط التحدي ويؤمن بالمبادرة، ويقيس الأمور في ظل اتزان والتزام وفهم لمقتضيات الحال، ليتحول السلام إلى سلوك إنسان يتعايش مع الاختلاف ويتسامى فوق الخلاف، فتقرأ في منظور السلام العادل القائم على مرتكزات الفضيلة والأخلاق وأطر القوة والنفاذ ومبادئ الحق والعدل والمساواة، طريقها لسلام داخلي ينهض بالضمير البشري ويعلي من شأن الاخلاق والقيم السامية ويمتطي صهوة العطاء والانجاز ليسير على الارض سلام القوة والحكمة والارادة والبصيرة والتنمية والانتاجية والأمن والعطاء، والتزاما يؤسس لروح الحب والتعاون والتعايش والتآلف والتكامل الإنساني، فيصنع بذلك مسارات تحول في مسيرة الأجيال ونقلها من حالة التأزم التي سيطرت على قنوات الحوار والتواصل الانساني وبثت نوازع عدم الثقة ورسخت لسلوك الفتنة بين أبناء الأمة، ليكون هذا العام الهجري الجديد نافذة أمل تغلق به كل مسببات الفتنة ومنغصات السلام ليعيش العالم حياة القوة والأمن ويتفوق على كل مسببات الهزيمة النفسية والضعف والانكسار، ويصبح السلام مسار التغيير النابع من صدق الضمير وصفاء النفس ونقاء الروح وجودة الفكر، لتعيش الأمة حياة متجددة في موازين الايمان ومنابع اليقين وموجبات القوة والثقة ومراجعة كل الاختلالات الحاصلة في الفكر والسياسة والادارة والاعلام والاقتصاد والتعليم.
ومعنى ذلك كله أن أولوية صناعة السلام يجب أن تتجه اليوم إلى العمق الإنساني والسلام الداخلي في المجتمع العربي والمسلم في فكره وقناعته ورغباته ومشاعره وتهذيب عاطفته وترقية أذواقه وتحديد اولوياته واهتماماته ومسار تفكيره، لتصبح موجهات لبناء الإنسان الواعي القادر على الاسهام الفاعل في عالم سريع التغير والمشاركة الهادفة في توجيه البشرية نحو التماس الحق والعدل والمساواة والقيم في كل توجهاتها، وبالتالي اضفاء روح التغيير في هذه الابعاد لتسهم في انتاج انسان مسلم آخر قادر على خلق التحول في عالمه وإعادة صياغة قالب التفكير الذي يعيشه، بما يستدعيه من انتفاضة في الفكر والضمير ونهضة في القلب والعقل تتدارك الأمور قبل فواتها وتستثمر الفرص التي يعيشها العالم من حولها، وهو يسرد في كل لحظة تاريخية حكايات انجاز وبصمة تطوير وتجديد ونهضة وتقدم في مجالات البحث العلمي والاقتصاد والطب والفلسفة والتعليم والفضاء والطاقة المتجددة والصناعة والاختراع والابتكار، في حين ما زالت أمة الاسلام تعيش حالة الوهن والضعف والبحث في قضايا جدلية خلافية، وتعيش دوامة التأطير المذهبي والترويج الفكري، فلم تستفد من أحداث هذا العالم ومواقفه، وحالة الانكفاء على نفسها الانكسار والبكاء على ماضيها.
وتبقى الأحداث التي شكلت المشهد العام للعام الهجري المنصرم، والمآسي التي عايشتها الأمة بما فيها من انتهاك صارخ لحقوق الانسان وسيادة الأوطان وانتهاجها سياسة فرض سلطة الأمر الواقع عليها بالحصار أو العدوان، وحالة التشريد التي تعيشها بعض شعوب المنطقة، وحالة الانفلات السياسي والاعلامي وضعف الارادة في الاصلاح وتدخل السياسة الغوغائية والاندفاعية، شاهدة على ما أسسته من منابع الخلاف وغرسته من بذور الشقاق، وما أوجدته من تباينات وتناقضات أضعفت قيمة السلام والتنمية، وأسست لسلوك العداوة والتهديد والحصار، واتجهت بها نحو خلق الازمات وتعميق فجوة التباعد الفكري والنمطية في إدارة قضايا الاختلاف الحاصلة حول بعض الملفات التي ما كان لها أن تستمر لولا ضعف الارادة في احتوائها واسلوب التشدد في التعامل معها وضعف مساحات الرأي والرأي الآخر في تفتيت بواعثها وسبر أعماقها وتشخيص اسبابها، بما انعكس سلبا على مسار السلام وضعف فرص صناعته في ظل تدخلات لصغار الساسة باتت تشوّه واقعه وتبرزه في ثوب الهزيمة والانقياد.
وعليه فإن مسؤولية الأمة اليوم في امتلاكها مشروعا حضاريا متكاملا، يؤسس لمرحلة سلام مستدام ونهج اتصال وتواصل يتناغم مع سقف التوقعات المطلوب أن تكون عليه، وإعادة هيكلة واقعها السياسي والاقتصادي والأمني من جديد وموقعها في المنظومة الدولية وإسهاماتها في الرصيد التنموي والأخلاقي والقيمي والفكري، وتأصيل فقه المشتركات الإنسانية لإعادة التوازنات الاقليمية والدولية وتوجيه بوصلة السياسة في المنطقة العربية والاسلامية لصالح الإنسان والتنمية، ويبقى دور المخلصين من قياداتها وما تحمله رسالة الاسلام من قيم السلام والأمن والاستقرار نافذة أمل تشرق لتغير وجه الأرض السلبي وتوجيهها إلى إصلاح ذات إنسانها ونزع فتيل الفتنة بين الأشقاء والأصدقاء والأخوة وتفنيد كل المسوغات التي باتت تنتزع الثقة وتشوه صورة المنافسة وتبرز العلاقات بين الدول العربية والاسلامية في شكل سلبي يؤصل للسخرية، فإن في حكمة السياسة ودبلوماسيتها ومصداقية المبادئ وثباتها وصدق الإرادة وقوة العزيمة وحس الإصرار على بناء عالم يسوده السلام وتعيش شعوبه حياة الأمن والأمان والتعايش والوئام وليترك لأحلام الطفولة ثمرات إنجاز تستحق الإشادة والتقدير والذكر الحسن لها، لتعكس صورة جديدة من التلاحم والتناغم في اهدافها ومصيرها ومشتركاتها وقواسم العمل بينها في تجاوز النكبات وإدارة الملفات والأجندة السياسية والاقتصادية والامنية وفق موازين العدالة ومعايير التميز، موجهات قادمة يمكن أن تصنع الأمة منها نقطة تحول لسلام الثقة والود والتصالح الذاتي مع النفس والآخر في العام الجديد 1440هـ.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى