الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : القلق الإسرائيلي من العامل الديموجرافي

شراع : القلق الإسرائيلي من العامل الديموجرافي

خميس التوبي

لطالما كان العامل الديموجرافي أحد الاهتمامات التي تصدرت سياسة كيان الاحتلال الإسرائيلي، لكونه منبع القلق لدى الإسرائيليين على بقاء كيانهم المحتل واستمراره، فإن ما يجري على هذا الصعيد من الممارسات والأساليب الإسرائيلية بالتعاون مع الحلفاء الاستراتيجيين لكيانهم المحتل وفي مقدمتهم الولايات المتحدة لم ولن يخرج عن القلق ذاته، إلا أنه قلق غير مبرر ويعكس نزعة التفوق وكراهية أجناس البشر من غير جنسهم والتي تسكن النفس الإسرائيلية.
وليس مبالغة أن القلق من غياب التفوق الديموجرافي الإسرائيلي في المنطقة التي يرى المحتلون الإسرائيليون أنفسهم وسط بحر من الأعداء لم يكن وليد اليوم أو قادت إليه مصادفات التاريخ وتطورات الأحداث، بل هو متأصل ومتجذر في النفس الإسرائيلية، انطلاقًا من قناعة الإسرائيليين بأنهم مجرد محتلين ولصوص في نظر العرب والفلسطينيين وغيرهم، وإن حاولوا التغطية على ذلك بالأساطير التي انتحلوها من وحي خيالهم، بأن أرض فلسطين هي أرض آبائهم وأجدادهم. وبالتالي هم مدركون لحقيقة أبدية الصراع معهم، وملاحقتهم حتى طردهم من فلسطين المحتلة، لذلك ظلوا يمارسون سياساتهم العنصرية وجرائم الحرب والإبادة والتهجير والتشريد، ونشر الفتن والفوضى والاقتتال داخل فلسطين وفي دول المنطقة، وتصنيع أعداء بدلًا عن كيانهم المحتل لإشغال شعوبها في أنفسهم وتغييب فلسطين المحتلة من ذاكرتهم، ولإضعاف مقدرات دول المنطقة وثرواتها البشرية والعلمية والطبيعية على النحو الذي يراه الجميع اليوم، بثوبه الجديد المسمى زورًا بـ”الربيع العربي”.
وإزاء هذا اليقين، هناك الكثير من الشواهد والدلائل تتضافر على أن العامل الديموجرافي كان ولا يزال الهاجس والشغل الشاغل لقادة كيان الاحتلال الإسرائيلي ولواضعي سياساته ومشروعاته بالتعاون اللافت والواضح مع حلفائهم في واشنطن ولندن وباريس وبرلين وغيرها، وحتى منظمة الأمم المتحدة للأسف الشديد، ومن بين هذه الشواهد والدلائل:
أولًا: الحملة الإسرائيلية الممنهجة للقضاء على الوجود الفلسطيني داخل فلسطين المحتلة وذلك بُعيد نكبتها واغتصابها وإقامة الكيان الإسرائيلي الغاصب على أنقاضها، حيث مارست العصابات الصهيونية كعصابة شتيرن والهاجاناه وغيرهما جرائم حرب وإبادة ضد الفلسطينيين، وظل الطفل الفلسطيني في مقدمة عملية التصفية والإبادة من منطلق المنظور الإسرائيلي الاحتلالي بأن هذا الطفل يمثل ليس جيلًا بل أجيالًا تشكل تحديًا خطيرًا لبقاء كيان الاحتلال الإسرائيلي ومستقبله، لذلك لم نندهش ونبدي الاستغراب من الاستهداف الممنهج للأطفال الفلسطينيين في كل عدوان إرهابي يشنه كيان الاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولعل الإحصائيات المثبتة لدى المؤسسات الرسمية الفلسطينية والدولية عن الشهداء والضحايا الفلسطينيين من الأطفال هي خير دليل على ذلك. ألم تقل جولدا مائير رئيسة حكومة الاحتلال الإسرائيلي السابقة “كل صباح أتمنى أن أصحو ولا أجد طفلًا فلسطينيًّا واحدًاعلى قيد الحياة”؟ فقد كانت ترى في الطفل الفلسطيني أنه بذرة الشقاء والنهاية لكيان الاحتلال الإسرائيلي.
ثانيًا: التهجير الممنهج الذي لا يزال مستمرًّا ولا تزال تبعاته حاضرة أمام كل متابع للمشهد في المنطقة وتحديدًا في كل من العراق وليبيا وسوريا واليمن، حيث الهدف واضح وهو إفراغ هذه الدول من ثقلها السكاني، وتجفيفها من ثرواتها البشرية والعلمية والمهنية والفنية. فقد بدأت عملية الإفراغ بدءًا من العقوبات الاقتصادية، ثم الحرب الإرهابية والعدوانية على شعوب هذه الدول، وإجبارها على الهجرة باتجاه أوروبا لتلقى مصيرها إما غرقًا فتكون لقمة سائغة لحيتان البحر، وإما نجاة فتصل إلى حيث وجهتها والهدف من وراء تهجيرها. وما نراه من أساليب ابتزاز وعرقلة لعودة المهجرين السوريين ـ على سبيل المثال ـ لا يخرج عن السياق الديموجرافي الذي نعنيه بالشرح، وكذلك عن الاعتبارات السياسية والاقتصادية وغيرها للدولة السورية.
ثالثا: إلغاء حق العودة للاجئين الفلسطينيين الذي تعمل عليه الولايات المتحدة مع حليفها كيان الاحتلال الإسرائيلي والآخرين والعملاء والأتباع، والذي يعد أحد اللاءات الشهيرة التي أطلقها النتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، والتي كانت بالأساس تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية، والتي جرى تضمينها أميركيًّا وإسرائيليًّا فيما يعرف اليوم باسم “صفقة القرن”. فوفقًا لمقياس المحتل الإسرائيلي، فإن عودة اللاجئين الفلسطينيين ستعني التفوق الديموجرافي الفلسطيني، ما يمثل خطرًا على بقاء كيان الاحتلال الإسرائيلي، ولكي يتم إحكام هذا الأمر جاء القرار الصهيو ـ أميركي بوقف الدعم لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “أونروا”.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى