الأربعاء 14 نوفمبر 2018 م - ٦ ربيع الثاني ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / السياسة / أخصائيون فلسطينيون لـ (الوطن): الحصار والفقر فاقم من سوء التغذية بين الأطفال في غزة
أخصائيون فلسطينيون لـ (الوطن): الحصار والفقر فاقم من سوء التغذية بين الأطفال في غزة

أخصائيون فلسطينيون لـ (الوطن): الحصار والفقر فاقم من سوء التغذية بين الأطفال في غزة

ارتفاع معدلات سوء التغذية المزمن إلى أكثر من 30%

9 من كل 10 أطفال لا يحصلون على المياه النظيفة بشكل مباشر ومنتظم

القدس المحتلة ـ الوطن:
لم تقتصر معاناة الفلسطينيين في قطاع غزة على الارتفاع الخطير في نسبتي الفقر والبطالة لا سيما بين الشباب، بل طالت الأطفال أيضا الذين يعانون من سوء التغذية بشكل يؤثر على حياة الكثيرين منهم. ووفق بيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني يشكل الأطفال ما نسبته 49.6% من سكان قطاع غزة مقابل 43.4% من اجمالي سكان الضفة الغربية. يؤكد العديد من الخبراء والمختصين في أحاديث منفصلة مع “الوطن” أن آلاف الأطفال في قطاع غزة يعانون من فقر الدم وسوء التغذية مما يهدد بتأثيرات خطيرة على هؤلاء الأطفال الذين يصبحون أكثر قابلية للإصابة بالعديد من الأمراض المزمنة بل وتعرضهم للوفاة في بعض الحالات الحادة.

وتشير معظم الإحصاءات في السنوات الثلاث الأخيرة كما يقول الدكتور عدنان الوحيدي المدير التنفيذي لجمعية أرض الإنسان الفلسطينية الخيرية والخبير الفلسطيني في صحة الطفل بغزة في حديث لـ “الوطن” إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية المزمن بين الأطفال (قصر القامة التغذوي ونقص العناصر الغذائية الدقيقة) إلى أكثر من 30%، ونقص عنصر الحديد وفقر الدم (الأنيميا) بمعدلات تزيد على 50% في معظم المجموعات العمرية، كذلك نقص فيتامين (د) بما يزيد على 60%، ومثله عنصر الزنك بمعدلات قاربت 66%، وحالات النحول التي عادت للارتفاع بعد انخفاض ملموس في الماضي بلغ اقل من 1.7% بينما وصلت الان الى ما يزيد على 7% وهي مؤشرات ذات دلالة خطيرة. ويرى الخبير الفلسطيني في صحة الطفل بغزة أن خطورة استمرار ذلك تكمن في زعزعة جهاز المناعة لدى المصاب بسوء التغذية وتركه نهبا للأمراض المعدية المنقولة والأخرى غير المنقولة، وارتفاع معدل أعراض المرض والموت وخاصة لدى الفئات الأكثر هشاشة كالأطفال والنساء الحوامل، يضاف إلى ذلك استفحال ظاهرة انتكاس النمو وقصر القامة والمشاكل الذهنية المتصلة بالأداء المدرسي ومدى ارتباط كل ما سبق بالمشاكل النفسية والمجتمعية المرتبطة بالفقر والإحساس بالعجر عن توفر الغذاء المتنوع والغني لأفراد الاسرة. ويتفق ذلك مع ما ذكرته منظمة “اليونيسيف” الناشطة في مجال حقوق الطفل في تقرير لها حول معاناة أطفال غزة بسبب الحصار من نقص كبير في أربعة عناصر أساسية هي: الحديد، وفيتامين A وفيتامينD ومادة الأيوداي “اليود” مما يفسر ارتفاع نسبة الأطفال المصابين بفقر الدم في القطاع. وتشير المنظمة إلى أن 64% من أطفال القطاع يعانون من نقص في كمية الحديد و 22% يعانون من نقص في فيتامين A و15% يعانون من نقص في مادة اليود ما يؤثر على تفاصيل صحتهم، حيث تتجلى الآثار السلبية لهذه النسب لدى طلاب المدارس اذ يبدون أقل استعدادا وقدرةً على التعلم وفقا لمشاكلهم الصحية. وتزداد الخطورة على مستقبلهم الصحي بضعف قدرتهم على التحدث وتأثر السمع إلى حدٍّ ما بالإضافة إلى ضعف المناعة وزيادة تعرضهم للأمراض وعدم قدرتهم على مواجهتها. وبحسب التقرير فإن فقر الدم الناتج عن نقص الحديد يؤثر على نمو الأطفال فتجدهم يعانون من قصر القامة كما ويضعف أداؤهم في المدرسة فيعانون من ضعف الإدراك والذكاء. وفي السياق، أكد تقرير تحت عنوان “الموت البطيء”، صدر عن الجمعية الطبية الأميركية ونشرت مقتطفات منه مواقع إعلامية والكترونية أن معظم الأفراد الذين يعيشون تحت الحصار، يعانون من حالات متفاوتة من سوء التغذية، نتيجة نقص السعرات الحرارية أو البروتين أو العناصر المغذية الدقيقة منوها الى أن المخاطر الناجمة عن نقص الغذاء تؤثر على كل أعضاء الجسم، كإلحاق الضرر بعمل الأعضاء الحيوية مثل القلب والكبد والكلى والرئتين، وتسبب أعراضا كالتعب والدوار وفقدان الوزن وفقر الدم والضعف الشديد وانخفاض ضغط الدم ونقص السكر في الدم.
الفلسطينية أم طارق 39 عاما من خان يونس جنوب قطاع غزة تشكو لـ “الوطن” من أن طفلها عادل الذي لم يتجاوز عامه الأول يواجه صعوبة شديدة في تحريك أطرافه جراء إصابته بفقر الدم الناجم عن سوء التغذية، اذ إن العائلة تعاني من الفقر الشديد وتعتمد بشكل مباشر على بعض المساعدات التي تتلقاها من بعض الجمعيات ومؤسسات الإغاثة بغزة.
كما تشير الفلسطينية ايمان 25 عاما من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة في حديث لـ مراسلنا في قطاع غزة الى أن طفلتها شذى التي تبلغ الخامسة من عمرها تبدو أصغر من سنها الحقيقي، كما تميل إلى الوحدة والانطواء، وتواجه صعوبات في حياتها اليومية، مثل: عدم الاعتماد على نفسها في تناول الطعام أو اللعب مع قريناتها وذلك بسبب اصابتها بسوء التغذية الذي سبب لها نقصا كبيرا في الوزن وكذلك تراجع في معدل النمو إضافة الى تأخرها في اكتساب المهارات الحركية. ويرى المواطن الفلسطيني أبو إيهاب 36 عاما من مدينة غزة في لقاء مع الوطن والذي يعاني طفله جميل 4 سنوات من سوء التغذية أن صعوبة الأوضاع الاقتصادية في قطاع غزة، واستمرار الحصار الإسرائيلي المشدد على قطاع غزة، وزيادة حالات الفقر بشكل خطير من الأسباب الرئيسية لهذه الظاهرة.
وبحسب تقارير دولية يعتمد نصف أطفال قطاع غزة على المساعدات الإنسانية، كما يحتاج واحد من كل أربعة أطفال إلى رعاية نفسية واجتماعية، كما تحصل عائلات هؤلاء الأطفال على الكهرباء من 4-5 ساعات يوميا، و9 من كل 10 أفراد لا يحصلون على المياه النظيفة بشكل مباشر ومنتظم.
أخصائي التغذية محمود عطية يذكر في حديث لـ “الوطن” أن الفقر والحصار والجهل وسوء تغذية الأم الحامل وتراجع الخدمات الصحية وعدم الاهتمام بالرضاعة الطبيعية للطفل، وتغيير العادات الغذائية من الأسباب الرئيسية لسوء التغذية في قطاع غزة مشيرا إلى أن هناك زيادة ملحوظة في أعداد الأطفال المواليد الذين يكون وزنهم أقل من الوزن الطبيعي، إضافة الى النقص في بعض العناصر الضرورية اللازمة للنمو. ويضيف أن انعدام فرص العمل وما تبعه من ارتفاع نسبة البطالة وزيادة حالات الفقر بشكل كبير، ساهمت في إحداث تغييرات في بعض العادات الغذائية، فاللحمة بأنواعها تكاد تختفي عن موائد كثير من الأسر الفقيرة والمعوزة، وكذلك الفاكهة وغير ذلك من أصناف الغذاء مما ينعكس بشكل سلبي على صحة الإنسان خاصة من الأطفال.
أسرة المواطن الفلسطيني أبو إيهاب كغيرها من الأسر الفقيرة، تعتمد في غذائها بشكل رئيسي على ما تقدمه الجمعيات ومؤسسات الإغاثة من مساعدات غذائية محدودة، معظمها ينضم الى قوائم الدهون والنشويات والسكريات، حيث يتساءل المواطن أبو إيهاب هل من الممكن أن يكون الأطفال بصحة وعافية بعد أكثر من عشر سنوات من الحصار. ويضيف المدير التنفيذي لجمعية أرض الانسان الفلسطينية الخيرية أنه مما لا شك فيه ان أي حصار في الدنيا لأي منظومة بشرية يؤدي الى ارباك كل مكونات الحياة واضعاف قدرة المجتمع على التكيف الإيجابي والحرمان المستمر من الأغذية أو الطعام الغني بالموارد وانعدام فرصة التنوع الغذائي وهبوط مستوى الامن الغذائي ومن ثم الصيرورة الحتمية لسوء التغذية في كافة الأعمار بالمجتمع الفلسطيني القابع تحت وطأة وشدة الحصار الذي شمل حتى الثروة السمكية في بحر غزة، والقدرة على استثمار الثروة الحيوانية كمصدر أساسي للحوم والدواجن والبيض والحليب والخضراوات والفواكه مما يعطب الهرم الغذائي بشكل مؤثر تبرز اثاره بوضوح جسديا وإكلينيكيا ونفسيا وسلوكيا كما يؤدي ارتفاع الأسعار وتضاعفها كنتيجة للحصار ولو حتى بشكل متقطع الى حرمان معظم الاسر الفقيرة من الغذاء من حيث النوع والكفاية المتواصلة.
وحول كيفية مواجهة سوء التغذية في القطاع يقول الوحيدي إنه تتوافر منظومة متكاملة الأركان لتقديم الخدمات النوعية متعددة المناهج وقائيا وعلاجيا بحيث تتضافر جهود كافة مقدمي الخدمات في مواجهة هذه المشكلة، إضافة الى تعبئة وتهيئة الكوادر المتخصصة في تلك الجهات مع تفعيل الدور المجتمعي من اجل مواجهة هذه المشكلة يقف على نفس الدرجة من الأهمية دور السلطة الوطنية الفلسطينية بوزارة الصحة والاقتصار الوطني في الزراعة في جلب الاستثمارات الخصيصة لمكافحة سوء التغذية بأساليب وطرق هادفة وقادرة على إيجاد الحلول على المدى البعيد وبالتعاون مع المجتمع الدولي بكل هيئاته منوهاً الى أن جمعية أرض الانسان تقدم خدمات وقائية متمثلة في التوعية المجتمعية في الميدان وبالتعاون مع المؤسسات المجتمعية القاعدية والمدارس ورياض الأطفال والتجمعات السكانية المختلفة، كما تقوم الجمعية بعمل أبحاث عملية تخصيصية تخص الصحة والتغذية ومشاكل سوء التغذية إضافة الى قيامها بتدريب الكوادر الفنية المختلفة لمقدمي الخدمات الأخرى في مجال صحة وتغذية الطفل واكتشاف حالات التأخر في النمو والتطور بأنواعه المختلفة في الأطفال وعمل التدخل الضروري ادا كانت التغذية سببا لذلك أو احالته لجهات الاختصاص خارج الجمعية.
ويرى أن دعم وتشجيع الرضاعة الطبيعية منذ فترة حمل الأم وحتى عمر عاملين كاملين للطفل والتأكيد على البدء الفوري للرضاعة الطبيعية بمجرد الولادة واستمرارها حصريا حتى عمر 6 شهور يعقبها ادخال الأغذية التكميلية للأطفال سيساهم بالتأكيد في الحد من سوء التغذية بين الأطفال.

إلى الأعلى