الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م - ١٦ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / السياسة / أضواء كاشفة : الهجرة .. بداية تأسيس الأمة الإسلامية

أضواء كاشفة : الهجرة .. بداية تأسيس الأمة الإسلامية

ناصر اليحمدي

نعيش هذه الأيام ذكرى الهجرة النبوية الشريفة التي تذكرنا بهجرة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم من مكة أرض البعثة للمدينة أرض النصرة والتي تعد المرحلة المفصلية الأهم في حياة أمتنا الإسلامية لأنها لم تكن تغييرا للمواقف والأهداف بل للموقع والمكان حيث أراد الله جل شأنه أن يغرس الدعوة المحمدية في بيئة صالحة ومناخ مناسب وتمكين الدولة الإسلامية الوليدة لتنال مكانتها اللائقة على المستوى الدولي وتصبح قادرة على مواجهة التحديات وتوجيه المسلمين إلى الطريق الصحيح.
إن من يتأمل الرحلة النبوية يجد أنها تفيض بالكثير من القيم النبيلة والعبر التي لو استخلصها المسلمون وساروا عليها لحصلوا على مجتمع آمن يتحلى بمكارم الأخلاق .. ففيها صدق الإيمان بالله والتضحية والصبر والإيثار الذي قدمه الأنصار لإخوانهم المهاجرين والأخوة الحقة التي جمعت بين المسلمين والتي تؤسس مجتمعا متحابا مترابطا بالإضافة إلى حسن التدبير والتخطيط السليم والعمل بروح الفريق الواحد من أجل الوصول للهدف المنشود وتحمل المشقة لتحقيق المصلحة الكبرى التي تدفع بالأمة نحو مستقبل أفضل.
وما إن نجح المسلمون في الوصول إلى المدينة حتى بادر رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع دستور الدولة الجديدة والذي عرف باسم “وثيقة المدينة” والتي حققت بنودها العدل والمواطنة والمساواة وكفلت حقوق المسلمين وغير المسلمين لتتحول الهجرة هنا من انتقال للمكان إلى انتقال للقلوب والعقول للوصول بها إلى مدارج الكمال والعزة .. فبنود هذا الدستور استطاعت القضاء على العصبية القبلية والطائفية واحتواء التنوع الفكري والديني والسياسي والاجتماعي الذي كان عليه مجتمع المدينة فتم تأسيس مجتمع مدني تتحقق فيه المواطنة الكاملة ويسوده السلام الاجتماعي والتعايش السلمي بين أفراده.
لا شك أن أمتنا المعاصرة في حاجة ماسة لتطبيق مثل هذه المبادئ التي تحقق لها التوافق الاجتماعي والأمن المجتمعي والعيش الكريم وتعيد لها مكانتها المفقودة .. فهذه القيم العظيمة كانت السبب الرئيسي في تفوق المسلمين الأوائل لذلك فإن علينا الوقوف عندها وتطبيقها في حياتنا الراهنة حتى نستعيد المجد الذي كان.
يجب على المسلمين أن يتخذوا من رسولهم وأسلافهم قدوة ولا تمر عليهم ذكرى المناسبة العظيمة مرور الكرام كعادتهم كل عام .. فالتحديات التي تحيط بهم وما تعانيه أمتهم من هوان وتشرذم وضعف تفرض عليهم تطبيق دروس الهجرة على حياتهم حتى ينعموا بالنصر ويعبروا إلى بر الأمان وتظل أمتهم قوية متماسكة.. ندعو الله أن يكون العام الجديد سعيدا على وطننا الحبيب وشعبنا الأبي وأمتنا العربية والإسلامية .. وكل عام والجميع بخير.
* * *
ذياب العامري .. فارس الكلمة ورائد الشعر الأصيل
عندما يصدح في الآفاق اسم شاعرنا المخضرم الكبير ذياب بن صخر العامري يتبادر إلى الذهن فورا ذلك الصوت الشجي الذي أمتع الملايين في الإعلام المسموع عندما عمل مذيعا في إعلامنا العماني والذي يعتبر من أحب الأصوات لقلوب الجماهير العمانية والعربية .. ولكن بفضل الصداقة التي تجمعني مع الأستاذ المعلم والتي أتشرف وأفخر بها فإنني كلما جال على خاطري أو سمعت أو قرأت عنه تأخذني الذكريات الجميلة التي تجمعني به وأشعاره العذبة إلى عالم آخر ساحر ويدفعني الشوق للتجول بين دواوينه الممتعة ذات الإحساس المرهف مثل “قصائد من الزمن البعيد” و”مرفأ الحب” و”عودة الحب قديمه وجديده” وكتاب “ومضات من دروب الأيام” بالإضافة إلى الدواوين النثرية والقصائد المتفرقة والمقالات الأدبية المتنوعة والقصص المترجمة والمخطوطات التي أثرى بها الساحة الفكرية ورسمت بصمات واضحة في الساحة الثقافية العربية إن لم تكن العالمية .. حيث إن هذه الإبداعات عبارة عن لوحات فنية راقية تثبت عن جدارة أنه حقا فارس الكلمة ورائد من رواد الشعر الأصيل.
ومؤخرا وأنا أقلب بين دفتي ديوانه الرائع “عودة الحب قديمه وجديده” والذي أعشق كل قصيدة فيه استوقفتني الأبيات الرقيقة الشفافة في قصيدة “باتريشيا” التي تظهر مدى ما يتمتع به العامري من عذوبة قلب ورقة مشاعر ودقة في الوصف تجعلك ترى أبياتها وكأنها مجسمة أمامك تتحرك وتنبض وتصرخ بكل معنى فيها .. فهذه القصيدة تصف “باتريشيا” تلك الحسناء ذات الواحد وعشرين عاما التي لفتت الأنظار وأسرت القلوب وهي تعمل نادلة في أحد المطاعم وقد نالت إعجاب أحد أصدقاء العامري فسطر له هذه القصيدة من قبيل الدعابة الأخوية ويقول في ذلك في بداية ديوانه “باتريشيا الحسناءُ ذاتُ الواحد والعشرين ربيعا، ما إنْ تَمُرّ على طاولات مُرتادي مَطعمها وناديها اللّيلي حيث تعملُ نادلةً، حتّى تتلقّفها الأعينُ وتَجِب لها القلوب…
أمّا هي فتمرُقُ بينهم كفراشةٍ حالمةٍ، وتمضي متنقّلةً في خُيَـلاء الحسان الغانيات، وفي زهْوِ وعُنْفُوان الشّباب البهيج، غيرَ آبِهَةٍ بما يدور في زوايا المكان… ولقد أعْجِبَ بها صديقٌ لي أيّما إعجاب، فبعثتُ إليه من قَبيل الدُعابَةِ الأخويّةِ بهذه القصيدة” .. ثم بدأ العامري في سرد قصيدته الرائعة التي أخذ يصف فيها تأثير النادلة على كل من يراها بأنه يشعر كأن الربيع تفتحت أزهاره وأن الليل البهيم تحول إلى نهار وكيف أن العيون تتبعها أينما ذهبت لأنها خطفت الأنظار بجمالها الصارخ فيقول :
بَـدَأ الرّبـيعُ يُفــتّـحُ الأزهارا ويُحرّكُ الإحسـاسَ والأفكــارا
وبَدَتْ (تَريشُ) تَجولُ في خُيَلائهـا فـتُحَـوِّلُ اللّيـلَ الـبَهيمَ نَهارا
هِيَ إنْ مَشَـتْ تَمْشي القلوبُ وراءَهـا وَلْهانةً تُـفْشِـي لها الأسْـرارا
وإذا جَرتْ تَجْري عُيونٌ خَلْفـَها لِـتَرى الجَمالَ الصّـارِخَ الجَبّارا
تخْتالُ (باتريشيـا) فَـتُحْدِثُ بَهْجَةً بيْنَ القُـلوبِ تُـداعبُ الأوتـارا
وتَمُرُّ (باتريشيـا) على جُلاّسها مَرَّ الكرامِ فتخطَـف الأنظـارا
كمْ تَـيَّمَـتْ منْ حالِمينَ تَعَلَّقوا في حُبّهـا ولَـكَمْ كَوَتْ سُـمّـارا
إلى آخر هذه الأبيات الرائعة التي لا يسع المقال لذكرها جميعا والتي ينهيها بنصيحة لباتريشيا بألا تغتر بشبابها لأنه آيل إلى زوال وهذه حكمة عظيمة تنم عن تفكير عميق وحكيم فيقول:
(باتريـشَ) يا ذاتَ الجَمالِ تَرّفَّقي مُـرّي عَـليْـنـا دائـمــاً ومِرارا
لا يَخْدَعَنْـكِ قَـوامُـكِ الغضُّ الّذي تُبْـدينَ فـيهِ الزّهْـوَ والإصرارا
إنّ الشَّـبابَ إذا تَقـادَمَ عَـهْـدُهُ يَـوْمـاً، سيبدو زائِـفـاً غَدّارا !!
إلا أن من أكثر الأبيات التي أثرت في نفسي وتأملتها كثيرا في هذه القصيدة الساحرة قول العامري :
بالشِّعرِ أرحَـلُ للكـواكـبِ كَـيْ أرى سِـرّ الحـيـاةِ وأبْلـُغَ الأقمـارا
فهذا البيت يلخص الحالة التي يكون فيها الشاعر وهو ينظم قصيدته التي يسمو من خلالها ليس بعقله وقلبه فقط بل بعقول وقلوب كل القراء.
إن شاعرنا العبقري ذياب العامري استطاع بإبداعاته المتفردة وروحه الشفافة وأشعاره الرقراقة أن يحفر حروف اسمه في تاريخ الأدب العماني والعربي بأحرف من نور ليس بإسهاماته الأدبية فقط بل الإنسانية والاجتماعية أيضا فقد نجح في كل مجال ارتاده حيث كان معلما قديرا حينما عمل بالتدريس في المدرسة السعيدية بمطرح ليغرس في نفوس الناشئة أهمية لغة الضاد .. وكان مذيعا رائدا بالإذاعة والتليفزيون العماني ولا ننسى لقاءاته برؤساء الدول والحكومات والشخصيات المرموقة التي تدل على تمكنه من أساسيات المهنة وأيضا التغطية الإعلامية المميزة للعديد من المؤتمرات السياسية التي أظهرت مدى ما يتمتع به من ثقافة عميقة وعقلية مستنيرة .. كما أنه أيضا شاعر عظيم استطاع بأشعاره الفريدة والمميزة أن يخطو نحو العالمية لما تتميز به من قوة وجمال حتى إن بعضها تحول إلى أغان لتدخل قلوب المواطنين من باب آخر .. ناهيك عما يتمتع به من أخلاق دمثة وتواضع وطيبة قلب تجعله قريبا جدا لكل من يتعرف عليه عن قرب.
ندعو الله أن يمد في عمر شاعرنا الكبير ذياب بن صخر العامري وأن يسبغ عليه من نعمائه ويمتعه بموفور الصحة والعافية ونتمنى له تحقيق المزيد من التقدم والنجاح.

* * *

حروف جريئة
• صدق معالي يوسف بن علوي الوزير المسئول عن الشئون الخارجية حينما صرح مؤخرا بأنه “بالرغم من حالة التباين والخلاف السياسي التي يمر بها مجلس التعاون في المرحلة الراهنة إلا أننا نرى بأنه مهما حصل من خلافات وتباينات بين الأشقاء فإن مآلها إلى الزوال” .. فالأخوة ووحدة المشتركات والأهداف تنتصر في النهاية وتظل تلك الخلافات زوبعة في فنجان لا تؤثر على الوشائج القوية التي تجمع الشعوب الخليجية.

• التوصيات التي خرج بها “إعلان صلالة” المنبثق عن الاجتماع الوزاري “الطريق إلى التغطية الصحية الشاملة في إقليم شرق المتوسط” الذي استضافته السلطنة مؤخرا مهمة جدا ونتمنى أن تطبق على أرض الواقع ولا تظل حبرا على ورق فمطالبة المجتمع الدولي بمساندة “الأنروا” مطلب مشروع للحفاظ على حقوق المستضعفين الفلسطينيين .. كما أن توسيع نطاق التغطية الصحية الشاملة للمواطنين وغير المواطنين خطوة في طريق التنمية المستدامة.

• شاركت السلطنة مؤخرا احتفال العالم باليوم العالمي لمحو الأمية وحمل هذا العام شعار “تطوير محو الأمية والمهارات” وسط تفاؤل بالجهود المبذولة في هذا المجال وأمنيات باختفاء الأمية من بلادنا وأمتنا والعالم أجمع.

• 200 شخصية علمية وفنية دولية وجهت نداء عاجلا لإنقاذ الأرض مما أطلقوا عليه “أكبر تحد في تاريخ البشرية” مشيرين إلى أننا نعيش كارثة عالمية مع التغير المناخي وتراجع التنوع الحيوي ويرون أنه حان وقت التحلي بالجدية .. فهل يستجيب السياسيون لهذه النداءات وينقذون الأرض قبل فوات الأوان ؟.

• التسهيلات الاقتصادية والتجارية التي منحتها الصين لدول أفريقية خلال القمة الصينية الأفريقية وتخصيص 60 مليار دولار للاستثمار في تلك الدول دليل على أن التنين الصيني يسعى لتوسيع نفوذه حول العالم وينافس بقوة على كرسي الزعامة والهيمنة.

* * *

مسك الختام
قال تعالى “وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور”.

إلى الأعلى