Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

أصداف : الخوف من المياه

وليد الزبيدي

منذ عقود وعاصفة المياه لم تهدأ وسرعان ما تتصدر الواجهة بعد غياب أو تراجع لفترة وجيزة، ولأن الأمن الغذائي مرتبط بدرجة كبيرة بقضية المياه ولأن الأمن الغذائي يمثل عصب الحياة للمجتمعات، وبسبب الاضطرابات والتقاطعات السياسية والخلافات التي تتسع دائرتها بين الحكومات، فإن قضايا المياه لن تهدأ، ولا يمكن القول إن نوافذها المشرعة بقوة ستقترب من الاغلاق.
حتى إذا لم تشتعل المياه فإنها لا يمكن أن تنطفئ، لهذا تعمل جهات كثيرة وبسرية تامة على الابقاء على هذه الأمواج دافقة في دنيا السياسة، وتبعث برسائل التخويف والقلق للمجتمعات التي ترى النيران المخبوءة بين مويجات المياه، لكن في بعض الاحيان تدهم حياة الناس اخطار مباشرة اخرى وتعصف بهم الكوارث فتتراجع أزمات المياه.
قد يعتقد البعض أن أزمة المياه حديثة وأنها مرتبطة بالحديث عن ندرة المياه، لكن الحقيقة أن قضايا المياه ابعد من ذلك بكثير، وعندما نعيد قراءة الفكرة الاولى لحفر قناة السويس، نجد أنها كانت لتقديم خدمات للكثير من دول العالم من خلال تسهيل وتسريع التجارة وحركة البواخر، إلا أننا نكتشف أن المطامع الاستعمارية بقيت حاضرة وبقوة في مشروع قناة السويس، فقد اراد نابليون خلال حملته على مصر تنفيذ مشروع قناة السويس منذ العام 1798، إلا أنه لم ينجح في مسعاه، لكن الفرنسيون لم يتركوا الفكرة التي تنطوي على مشروع عملاق، وفي عام 1854 استطاع دي لسبس إقناع محمد سعيد باشا بالمشروع وحصل على موافقة الباب العالي، فقام بموجبه بمنح الشركة الفرنسية برئاسة دي لسبس امتياز حفر وتشغيل القناة لمدة 99 عام. وجرت اتصالات ومفاوضات لبحث هذا المشروع، ولأن هذه الخطوة تقدم فائدة وتسهيلات واسعة، فقد شجع ذلك جميع الاطراف للمضي قدما في المشروع، وقد استغرق بناء القناة 10 سنوات (1859 – 1869)، ولم يكن تنفيذ هذه الفكرة بالأمر اليسير، خاصة أننا نتحدث عن امكانيات بسيطة جدا منتصف القرن التاسع عشر، وقدم الشعب المصري ثمنا باهظا في شق القناة التي تمتد لمسافة 198 كم متر، ويذكر المؤرخون، أنه قد ساهم في عملية الحفر ما يقرب من مليون عامل مصري، مات منهم أكثر من 120 ألفا أثناء عملية الحفر نتيجة الجوع والعطش والأوبئة والمعاملة السيئة. وتم افتتاح القناة عام 1869. وفي وقت مبكر أدرك الفرنسيون اهمية هذه القناة ودورها في اقتصاديات القرن العشرين، وفي العام 1905 حاولت الشركة الفرنسية تمديد حق الامتياز 50 عاما إضافية، بهدف استباق التطورات المتوقعة في العالم وبالأخص ما يتعلق بظهور النفط في المنطقة العربية وازدياد حركة التجارة بين الشرق والغرب، إلا أن تلك المحاولة لم تنجح. وعندما ارادت الحكومة المصرية بزعامة الرئيس جمال عبد الناصر الحصول على حقوقها القانونية في قناة السويس وأعلن تأميمه القناة عام 1956، اندلعت حرب المياه الاوسع والأشرس بعد شن كل من بريطانيا وفرنسا بمشاركة إسرائيل الحرب على مصر ضمن العدوان الثلاثي.
يجب أن لا يغفل المهتمون بقضية المياه تلك الحرب، التي تعرضت لها مصر لمجرد مطالبتها بحقوقها القانونية، وأن ما يجري من صناعة أزمات مياه في المنطقة لا يخرج عن ذات الاهداف التي بدأت فيها حروب المياه الفعلية قبل اكثر من سبعة عقود.
حروب على الممرات المائية واخرى على الأمن الغذائي وحروب سرية لا تستثني بقعة من بلداننا.


تاريخ النشر: 10 سبتمبر,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/282201

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014