Alwatan Newspaper

اضغط '.$print_text.'هنا للطباعة

“اجتماع طهران” لقاء المواجهة والمصالحة

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. يمكن التأكيد على ان اجتماع طهران يكتسب اهميته البالغة من خلال الزمان والمكان والقوى المجتمعة. فأما من ناحية الزمان فيكفي ان هذه الدول ذات المصالح المتضاربة في هذه القضية ” قضية ادلب” وفي قضايا اخرى كان يمكن ان لا تلتقي بهذه القوة لولا الظروف والضغوط الاميركية التي حفزت هذا الاجتماع المتزامن مع اجتماع في مجلس الامن الدولي, وكما يقال “رب ضارة نافعة”,”
ــــــــــــــــــــــــــ

كما توقعنا في مقالات سابقة. ادت الظروف والتصرفات الاميركية في عهد الرئيس ترامب إلى الدفع بكل من روسيا وايران وتركيا وبكل تأكيد تتشارك معهم الصين في ذلك الموقف والظرف إلى الاتجاه نحو تنسيق وتوحيد التوجهات والسياسات والمواقف المتعلقة بمصالح تلك الدول تجاه العديد من القضايا الدولية ولو بشكل مؤقت, خصوصا تلك التي تتداخل ومصالح الولايات المتحدة الاميركية على رقعة الشطرنج الدولية عموما, وفي منطقة الشرق الاوسط خصوصا.
على ضوء ذلك وبالتزامن مع جلسة مجلس الأمن الطارئة بخصوص الوضع في ادلب السورية بتاريخ 7 سبتمبر التقى في طهران وفي ذات الوقت كل من الرئيس بوتين والرئيس اردوغان والرئيس الايراني روحاني لمناقشة نفس القضية المحورية, بهدف توحيد الآراء ووجهات النظر, بالإضافة إلى قضايا اخرى ذات اهمية بالغة لجميع الاطراف , كقضية الحرب الاقتصادية التي اعلنتها الولايات المتحدة الاميركية عليها.
بالتالي من المنطقي والضروري ان يكون لهذه الدول, خصوصا انها من الدول المحورية والقوى ذات الطبيعة الجيوسياسية الفاعلة على رقعة الشطرنج الدولية رؤية مشتركة حيال تلك القضايا ذات المصالح والعلاقة المتداخلة ولو بشكل مؤقت كما هو الحال مع الوضع في سوريا والملف النووي الايراني على سبيل المثال لا الحصر, بالإضافة إلى القضية الأهم من وجهة نظري الشخصية, وهي مواجهة تغيير السياسة الخارجية الاميركية, خصوصا تلك السياسات المتعلقة بجانب العقوبات الاقتصادية التي شملت معظم هذه القوى الدولية والإقليمية.
اذا التقت هذه الدول في ايران وهي تهدف كما يفترض إلى الوصول إلى خيارات استراتيجية تتيح لها مواجهة تلك الخلافات السياسية وتضارب المصالح الجيوسياسية لبعض اهم ملفات القضايا الدولية المشتركة, وذلك للخروج بحلول ومرئيات يمكن القول عنها انها تواكب مصالح تلك الدول وحلفائها من جهة كما هو الحال في ادلب السورية, وفي ذات الوقت تأخذ في الحسبان تداخل تلك المصالح مع المصالح الاميركية من جهة اخرى, وما يمكن ان يترتب على هذه التفاهمات, وتنسيق الردود الواجب اتخاذها في حال واجهت مخرجات هذا الاجتماع أي معارضة او عوائق من قبل الولايات المتحدة الاميركية او اطراف دولية اخرى.
بالتالي يمكن التأكيد على ان اجتماع طهران يكتسب اهميته البالغة من خلال الزمان والمكان والقوى المجتمعة. فأما من ناحية الزمان فيكفي ان هذه الدول ذات المصالح المتضاربة في هذه القضية “قضية ادلب” وفي قضايا اخرى كان يمكن ان لا تلتقي بهذه القوة لولا الظروف والضغوط الاميركية التي حفزت هذا الاجتماع المتزامن مع اجتماع في مجلس الامن الدولي, وكما يقال “رب ضارة نافعة” في وقت يعيش فيه الشرق الاوسط اكثر سنواته اضطرابا وفوضى, وتعيش هذه الدول كذلك خصوصا تركيا وايران اكثر ايامها خلافا وصراعا مع الولايات المتحدة الاميركية.
اما من حيث المكان فإنه يمكن القول ان اجتماع هذه القوى الدولية في طهران يمثل بحد ذاته رسالة للولايات المتحدة الاميركية, تؤكد اهمية الحليف الايراني بالنسبة لهذه الدول من جهة, كما انه مؤشر مهم على اتفاق هذه القوى الدولية حيال بعض الملفات التي تواجه فيها الجمهورية الايرانية الولايات المتحدة الاميركية كالملف النووي الايراني.
واخيرا فإن اجتماع طهران يكتسب اهميته كذلك من اجتماع وتنسيق وجهات النظر والافكار والسياسات والمواقف بين هذه القوى المؤثرة والفاعلة حيال العديد من القضايا ذات العلاقة والمصالح المشتركة على رقعة الشطرنج الشرق اوسطية بوجه عام وملف الصراع في سوريا على وجه التحديد ولو بشكل مؤقت, خصوصا اننا نتحدث عن القوة النووية الثانية في العالم, بالإضافة الى فاعلين كبار لهم دورهم الجيوسياسي المهام والمحوري في الشرق الاوسط وفي الملف السوري. وان تواجدهم معا بحد ذاته رغم تضارب المصالح وتباينها خصوصا حيال القضية السورية يعد رسالة قوية للولايات المتحدة الاميركية على امكانية قيام شراكة ذات صبغة محورية بين هذه الدول الثلاث .
وبتصوري الشخصي ان هذا الاجتماع لا يخلو من تنسيق مسبق وتشاور مع الجانب الصيني, خصوصا ان الصين هي الاخرى من الدول التي تواجه العقوبات الاميركية, ويمكن لها ان تدخل في تحالف رباعي مع كل من روسيا وتركيا وايران, وهو ما اشرنا اليه والى اهميته المحورية والجيوسياسية في دراسات سابقة, يضاف الى ذلك تلك الاهمية السياسية والاقتصادية التي تمثلها الصين عالميا, وتعد مكسبا كبيرا جدا للقوى الثلاث سالفة الذكر في حال تمكنت من تنسيق الجهود في مواجهة الولايات المتحدة الاميركية, كما ان الصوت الصيني في الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي يمثل ورقة رابحة جدا لهذه الدول, خصوصا ان للصين الحق في الاعتراض مع كل من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
يضاف الى ذلك ان رؤية الصين حيال ملف الصراع في سوريا اقرب إلى رؤية الدول الثلاث منها الى الولايات المتحدة الاميركية من ناحية عامة, فهي ترفض عسكرة المواقف السياسية, والدخول في صراع مباشر بين تلك القوى على الساحة السورية, وطالما اكدت على ضرورة احترام سيادة سوريا ووحدة وسلامة أراضيها بالكامل، مشيرة فى الوقت نفسه إلى ضرورة إخضاع جميع حوادث الأسلحة الكيمائية المزعومة لتحقيقات شاملة وموضوعية ونزيهة.
وباختصار فإن اجتماع طهران هو اجتماع مواجهة ومصالحة. مواجهة القوة الاميركية عبر تنسيق الجهود والمواقف بين روسيا وتركيا وايران من جهة برغم وجود خلافات وتباين في وجهات النظر, وشخصيا اتوقع ان اجتماع اخر سيعقد في القريب العاجل ستدخل فيه الصين مع هذه الدول. ولا يستبعد كذلك دخول بعض القوى الاقليمية العربية في هذا التحالف كسوريا والعراق على سبيل المثال لا الحصر, كما انه اجتماع مصالحة وتنازلات ولو “مؤقتة” من جهة اخرى, خصوصا ان المواقف بين الدول الثلاث متباينة, ومن الضرورة ان تتقارب ولو بشكل مؤقت عبر تنازلات وتفاهمات تأخذ في الحسبان مصالح كل دولة من تلك الدول, وهو ما يمكن ان ينعكس ايجابا على تلك القضايا. وسيتضح خلال الفترة القريبة القادمة على ارض الواقع مؤكدا نجاح هذا الاجتماع او فشله من الناحية العملية.


تاريخ النشر: 10 سبتمبر,2018

المقالة مطبوعة من جريدة الوطن : http://alwatan.com

رابط المقالة الأصلية: http://alwatan.com/details/282209

جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الوطن © 2014