الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / احذروا غضب العراقيين !

احذروا غضب العراقيين !

كاظم الموسوي

” في كل عام وموسم واحتجاجات وشعارات واضحة بمطالب مشروعة تعمد بدم وأرواح ابرياء، تضحيات لا مبرر لها، وستبقى تلطخ وجوه كل من ادى اليها ودفع باتجاهها او وفر التصادم العنفي، سواء بين القوات الأمنية والمتظاهرين أو بين المتظاهرين انفسهم، أو ما يراد له أن يكون ويحصل لأهداف ومصالح بعيدة كل البعد عن شعارات الاحتجاجات العفوية الأساسية. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في محافظة البصرة، جنوب العراق، تظاهرات سلمية تتحول الى دموية.. احتجاجات مدنية ومطالب مشروعة تفضح فشل الادارات المركزية والمحلية في ايجاد الحلول المناسبة للأسباب والمشاكل التي دفعت الاهالي الى الخروج الى الشوارع والمطالبة بها. وهو أمر يقره الجميع، المتظاهرون والمسؤولون في الحكم والإدارة والأحزاب والإعلاميون ايضا. كما وضحت الاحتجاجات المستمرة منذ سنوات تفاقم حجم الفساد الاداري والمالي والاهمال والتقصير في اداء اهم وظيفة للحكومات المركزية الاتحادية والمحلية، وربما سقوطها في اختبار التحكم والتخطيط والاعمال، لاسيما في المحافظات الساخنة الان. هذه الصورة الحالية لما يجري في البصرة، أو في العراق عموما..
تطورات الاحتجاجات في البصرة والممارسات العنفية تعلن نفاد الصبر من جهة وزخم الاندفاع الشعبي من جهة اخرى، مع الغضب المتراكم من سوء الإدارات والخدمات وشيوع الفساد المالي والإداري وفقدان الروح الوطنية الجياشة لدى اغلب من تولى مسؤولية في الادارة او في التنفيذ للاعمال المخططة او المطلوبة للمحافظة. وبالتأكيد تستغل قوى أو أفراد النتائج التي وصلت إليها الاحتجاجات، أو الصور السلبية التي انتشرت في حرق المؤسسات الحكومية أو الأحزاب أو المدارس أو مقرات الأحزاب السياسية وغيرها، مما يعطي انطباعات واضحة لمحاولات حرف مسار الاحتجاجات والمطالب المشروعة وخدمة اهداف لا علاقة لها باسباب الاحتجاج والانتفاض الشعبي.
لا يصدق احد ان اكثر من عقد ونصف من الزمان انقضى ومازالت المحافظة وغيرها دون اعمار وتحديث وتجديد لمؤسساتها الفنية والاساسية لتوفير الكهرباء والمياه الصالحة للشرب والاستخدام البشري، كما هي الاوضاع في المستشفيات والمدارس والتوظيف وغيرها.. ولا يمكن ان يبرر احد او يتلطى خلف اية مشاغل او ظروف مرت وحالت دون ذلك، فهذه الخدمات الاساسية لا يمكن الاستهانة بها او الاعتذار من التقصير فيها، وتركها كل هذه الفترة والتحرك الان بتخصيص أموال إضافية وتشكيل لجان فورية وغيرها من الإجراءات التي تفضح ما كان سببا لكل ما يجري الآن ولا يعوض أو يرد على التضحيات.
لماذا كل هذا الاهمال ولماذا التستر عليه وتمرير الخراب والدمار للوطن وتحميل الاهالي كل هذه المصاعب والمتاعب؟! من المسؤول عن كل ما حصل؟!، ومن يجب ان يتحمل هذه المسؤولية؟!. اين الادارة المركزية والنزاهة والشفافية وقيادات الاحزاب والنقابات والجمعيات كل هذه السنوات؟!. اسئلة اولية ولها تداعياتها وصرختها وضرورة التكرار فيها، عسى ولعل تدق ناقوسا او تفتح ابوابا لعقل مسؤول او ادارة حريصة..
أشارت جلسة البرلمان الاستثنائية المخصصة لأوضاع المحافظة الى التباين الصريح بين الجهات المسؤولة من جهة، والى عجز مكشوف عن أداء المهمات الرئيسية المطلوبة من جهة اخرى، والى تهرب صارخ من تحمل المسؤوليات بشجاعة واتخاذ ما يلزم بشؤون ما جرى الحديث عنه، من جهة ثالثة، مما يعني أن الجلسة الخاصة كانت كشف حساب علني لابد من أخذ طريق المحاسبة والاجراءات الرسمية لإصلاح ما فات من تخريب وتدمير وفساد صارخ. ان صورة الكارثة في المحافظات وتراكمها لا يولد الا ما يرد عليها، اذ ان طول الصبر لم يعد مجديا كل هذه الفترة، ويؤكد دوما ان الجهات التي تسابقت على الظهور في المشهد السياسي، تكليفا او تزويرا او التباسا او غفلة من زمن مركب، لم تعتبر او تحفظ درسا من صفحات التاريخ. حيث أن الشعوب تمهل دائما ولا تهمل، ولابد من يوم أو صفحة من تاريخ. وهذا ما يجب أن يكون أمام كل من يضع نفسه في موقع المسؤولية وواجهة المشهد السياسي.
في كل عام وموسم واحتجاجات وشعارات واضحة بمطالب مشروعة تعمد بدم وأرواح ابرياء، تضحيات لا مبرر لها، وستبقى تلطخ وجوه كل من ادى اليها ودفع باتجاهها او وفر التصادم العنفي، سواء بين القوات الأمنية والمتظاهرين أو بين المتظاهرين انفسهم، أو ما يراد له أن يكون ويحصل لأهداف ومصالح بعيدة كل البعد عن شعارات الاحتجاجات العفوية الأساسية.
روى الدم العراقي هذه المرة ايضا شوارع المحافظة، وكلما تزداد التضحيات تزداد روح الغضب وتزداد الاحتجاجات. فتشييع جثامين القتلى والوقوف على تضحياتهم والحزن عليهم يصاعد من مسيرات الغضب وتطوراتها وخطط الاعتصام والانتفاضة العامة، ويحفز روح التضامن والتفاعل والمشاركة في الهموم والمعاناة والمحنة الكارثية.
كما يجب هنا الاحتراس من التدخلات المعادية والمحاولات التآمرية التي تتربص من كل الاتجاهات بكل حراك شعبي ومساعي الاستغلال حتى للمطالب الشعبية المشروعة، وهذه أمور معروفة علنا، فكيف بما يخطط سرا أو يعمل بالخفاء ويغتنم إمكاناته المالية وبعض الجهات التي لا تمانع من التورط بما لا يخدم المصالح الوطنية ولا الوحدة الوطنية ولا الاستقرار والأمن في الوطن والمنطقة .. أن الاحتجاجات المدنية السلمية مشروعة ومطالبها الأساسية عنوانها واتجاهها الوطني، واي انحراف أو تشويه لسيرها يصب حتما في خدمة مصالح واهداف معادية للشعب والوطن. ولهذا يصبح القول عاليا مطلوبا وحاسما لكل القوى والأحزاب والمنظمات والهيئات والمؤسسات وحتى للأفراد:
اوقفوا خراب الوطن ودمار مؤسساته ومعالمه وحضارته ومستقبله..
لا وقت للصمت او الانتظار..
لات حين تساوم وتلفيق وعود..
“ذاب الثلج وبان المرج”!
احذروا دم العراقيين وغضبهم!..

إلى الأعلى