الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / وهم دعم إسرائيل للمعارضة السورية

وهم دعم إسرائيل للمعارضة السورية

د.احمد مصطفى

” .. اكتشفت الفصائل المسلحة وهم الدعم الاسرائيلي مؤخرا، بعدما كانت فقدت الكثير من المصداقية التي أسبغها عليها رعاتها في الخارج. ويستغرب المرء كيف أن هؤلاء لم يتوقعوا أنه طالما “عرضوا أنفسهم” أداة بيد من يدفع ألا يلقى بهم في النهاية مع نفاد الغرض منهم. وذلك ما حدث بالضبط من جانب اسرائيل بعد دخول الجيش السوري مناطق الجنوب وفرار المسلحين. فقد اندفع كثيرون للجوء إلى اسرائيل، فلم تلتفت لهم وانهار وهم تصورهم لانسانيتها.”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لم تخف اسرائيل دعمها لفصائل ما تسمى “المعارضة السورية” التي تقاتل ضد حكومة الرئيس بشار الأسد، لكنها روجت لذلك في العام الأخير فقط وعبر بيانات شبه رسمية باللغة العربية على أنه “عمليات انسانية” تتضمن علاج مقاتلين في اسرائيل او توصيل مساعدات للمناطق القريبة من هضبة الجولان المحتلة. واطلقت اسرائيل اسم “الجيران الطيبين” على تلك العملية العلنية التي انتشرت أخبارها في وسائل الإعلام. لكن الدعم الأهم من قبل اسرائيل لفصائل مسلحة تقاتل ضد الحكومة السورية تعود بداياته إلى ما قبل نحو خمس سنوات وبدأ بإيصال أسلحة أميركية الصنع إلى فصائل ما سمي “الجيش السوري الحر”، حسب تقرير هذا الأسبوع لمجلة فورين بوليسي الأميركية. ويعتمد التقرير على حوارات مباشرة مع مقاتلي فصائل مختلفة وما سمي قيادات المعارضة السورية في الجنوب يشكون فيها من توقف الدعم الاسرائيلي ويتهمون اسرائيل بأنها “خدعتهم”.
ويذكر التقرير 12 فصيلا سوريا مسلحا تلقوا دعما مباشرا من اسرائيل في صورة أسلحة ومعدات وأموال، لكنه يركز على فصيلين هما ما يسمى “فرسان الجولان” و”لواء عمر بن الخطاب” مبررا ذلك باعتماد اسرائيل عليهما لمواجهة أي ميليشيات مدعومة من إيران تقترب من اسرائيل. وحسب تفاصيل القصة، لم تعمل اسرائيل على “مأسسة” أو تنظيم دعمها، بل اعتمدت على عناصر في تلك التنظيمات تتواصل معها وتسلمها الأسلحة والعتاد والأموال وتتولى تلك العناصر توزيع الدعم بمعرفتها. وتكثف الدعم العسكري في الفترة ما بين 2013 ومطلع 2018 ليشمل أسلحة خفيفة وآلية وقاذفات مدفعية وعربات مدرعة كان يتم تسليمها في الجولان المحتل وتؤمن اسرائيل عبورها إلى سوريا عبر منفذين محددين. أما الدعم المالي فلم يكن كبيرا، وحسب القوائم التي كان يقدمها هؤلاء “القيادات” في الفصائل الذين تتعامل معهم تل أبيب كانت إسرائيل تدفع مبالغ في حدود 75 دولارا في الشهر للمقاتل. وهو رقم يقل كثيرا عما كان يحصل عليه مقاتلون في فصائل تتلقى الدعم المالي من تركيا وأميركا وبعض دول الخليج.
وتقول فورين بوليسي أن اسرائيل عمدت إلى تزويد تلك الفصائل بأسلحة ليست أميركية الصنع بهدف التنويع لإخفاء مصدر الدعم، حتى أنها وزعت عليهم أسلحة إيرانية الصنع من شحنة بحرية صادرتها وهي متوجهة لحزب الله في لبنان. ورغم أن فصيل فرسان الجولان صغير نسبيا، إلا أنه أضاف عدة مئات من المقاتلين مستفيدا من الدعم الاسرائيلي في تجنيد المقاتلين مقابل 75 دولار شهريا. كما عزز الفصيل مكانته بتوزيعه الأسلحة والعتاد على الفصائل الأخرى باعتباره أهم حلقة وصل مع المورد الاسرائيلي. واتسع نطاق الدعم الاسرائيلي ليشمل فصائل تضم آلاف المقاتلين، أغلبها بالطبع في محافظتي القنيطرة ودرعا. وعندما بدأ الجيش السوري حملته في الجنوب قبل أشهر، توقعت تلك الفصائل أن اسرائيل ستزيد دعمها لكن ما حدث أن الدعم توقف تماما، حتى الانساني منه. لذا تجد بعض هؤلاء الذين حاورتهم فورين بوليسي يهدد أن اسرائيل “ستذوق مرارة تخليها” عنهم. وكانت اسرائيل توصلت بالفعل إلى تفاهم مع الروس حول ضمان عدم تعرضها لأي تهديد من الجنوب (وربما كان تخليها عن دعم الفصائل المسلحة جزءا من ذلك التفاهم، وإن لم تشر فورين بوليسي إلى ذلك في تقريرها).
لم تكن اسرائيل إذا تدعم المعارضة المسلحة لنظام الحكم في سوريا لأغراض انسانية كما روجت، أو لمواجهة الإرهاب كما تدعي (وهي النموذج الأشهر في عالم اليوم لإرهاب الدولة) ولا من أجل الديموقراطية وغير ذلك من الشعارات الجوفاء التي يتذرع بها كل من له مصلحة. واكتشفت الفصائل المسلحة وهم الدعم الاسرائيلي مؤخرا، بعدما كانت فقدت الكثير من المصداقية التي أسبغها عليها رعاتها في الخارج. ويستغرب المرء كيف أن هؤلاء لم يتوقعوا أنه طالما “عرضوا أنفسهم” أداة بيد من يدفع ألا يلقى بهم في النهاية مع نفاد الغرض منهم. وذلك ما حدث بالضبط من جانب اسرائيل بعد دخول الجيش السوري مناطق الجنوب وفرار المسلحين. فقد اندفع كثيرون للجوء إلى اسرائيل، فلم تلتفت لهم وانهار وهم تصورهم لإنسانيتها. أما القادة الذين كانت تتعامل معهم فلم تستقبل سوى عدد قليل منهم وتركت البقية لمصيرهم في سوريا. حتى هؤلاء الذي نقلتهم من سوريا لم تسمح لهم بالبقاء في اسرائيل على ما يبدو، إذ يذكر تقرير المجلة أن أحدهم تواصل فيما بعد مع بقية مجموعته من تركيا.
لا عجب في أن تسعى اسرائيل لدعم من يعرض نفسه مقاتلا داخل بلده من أجل هدمها بحجة تغيير النظام، ولا غرابة في أن يفعل أيا كان ـ بما في ذلك اسرائيل ـ كل ما يمكنه لحماية مصالحه. لكن المثير للسخرية أن يبلع البعض مسألة “انسانية” دولة الاحتلال الاستيطاني في فلسطين ودعمها لمن يسمون “مقاتلين من أجل الحرية”!! صحيح أن “أوهام” ما سميت “الثورة السورية” لا تعد ولا تحصى، ولكن يظل أغربها حقا وأصعبها على العقل هو وهم الدعم الاسرائيلي. إذ لم يعرف عن اسرائيل منذ قيامها على أرض فلسطين سوى دعمها لنظام الفصل العنصري في جنوب افريقيا قبل أن يقضي عليه الأفارقة هناك.

إلى الأعلى