السبت 17 نوفمبر 2018 م - ٩ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / تذكارات أيلول

تذكارات أيلول

د.احمد مصطفى

”.. بغض النظر عن نظريات المؤامرة والشكوك والتحقيقات التي لا يثق بها كثيرون، فإن هذا اليوم أصبح يوما أميركيا لتذكر الضحايا والهجوم ويوما عالميا لتذكر الإرهاب الذي بدأت نواة مجموعته الأكبر الحديثة من أفغانستان حيث تداعى شباب الجماعات الإسلامية بدعم أميركي قوي ومباشر لمحاربة السوفييت هناك. وبدا الأمر شبيها بما حدث في مصر في السبعينيات،،،”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لكل الأمم أيام في العام تحمل ذكرى تاريخية يحتفى بها كل عام، سواء كانت ذكرى مبهجة يدعو الناس لبعضهم البهض فيها بأن “تنعاد عليكم” أو مؤلمة تكون مناسبة للتدبر وتكرار تعلم الدروس. مثلما يحدث مع الأعياد الوطنية للدول والمناسبات القومية والدينية في كل بلد. ومن بين تلك التواريخ، يحتل شهر سبتمبر (أيلول كما يسميه أهل الشام) موقعا في الذاكرة العربية لما به من أحداث، تبدأ بالفاتح من سبتمبر في ليبيا ولا تنتهي بأيلول الأسود في الأردن. لكن العام الأول من هذا القرن أضاف إلى أيلول تذكارا جديدا، أميركيا بالأساس لكنه يكاد يكون عالميا، ذلك هو الحادي عشر من سبتمبر يوم تفجير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك. وكأن منطقتنا تأبى إلا أن يصيبها من كل تذكار جانب، فإلى جانب الانهيار الكبير ووقوع آلاف الضحايا حسم الأميركيون الأمر بأن منفذي الهجوم بالطائرات عرب مسلمون.
اتذكر لحظة بث الخبر كنت في مدينة عربية، أعمل في مكان به عرب من مختلف الجنسيات وأجانب أيضا من جنسيات مختلفة بعضهم أميركيون. في البداية، ومن هول الصدمة، تصور البعض أن الأمر ليس حقيقيا (وكانت هناك نماذج غرافيكس لانهيار البرجين باصطدام طائرات بهما، استخدم بعضها في مقدمة برامج تلفزيونية قبل عام 2001. وما ان أيقن الجميع أن ما يشاهدونه على شاشات التلفزيون حقيقة، تنوعت ردود الفعل ما بين شامت صامت في أميركا وما بين منهار باكي وقليل جدا ممن أظهروا لا مبالاة واضحة. واتذكر شابا من اميركا اللاتينية كان منفعلا جدا حتى ظننت أن له أقارب في نيويورك لكنه كان يردد أسفه على أن من نفذوا الهجوم ليسوا من أبناء بلده!! منذ تلك الحظة وحتى الآن لم يجزم أحد تماما بحقيقة الأمر، انما الأكيد أن عدة آلاف ماتوا في الانهيار وأن العرب والمسلمين لصقت بهم تهمة الإرهاب بسبب المجموعة التي قيل إنها اختطفت الطائرات المدنية وهاجمت بها نيويورك.
وبغض النظر عن نظريات المؤامرة والشكوك والتحقيقات التي لا يثق بها كثيرون، فإن هذا اليوم أصبح يوما أميركيا لتذكر الضحايا والهجوم ويوما عالميا لتذكر الإرهاب الذي بدأت نواة مجموعته الأكبر الحديثة من أفغانستان حيث تداعى شباب الجماعات الإسلامية بدعم أميركي قوي ومباشر لمحاربة السوفييت هناك. وبدا الأمر شبيها بما حدث في مصر في السبعينيات حين أخرج الرئيس الراحل أنور السادات جماعة الإخوان من السجون وشجع الجماعات الإسلامية التابعة لها في الجامعات لمواجهة الشباب اليساريين المزعجين الذين عارضوا اتفاقات السادات مع الصهاينة. وانتهى الأمر باغتيال تلك الجماعات “الجهادية” السادات عام 1981 – أيضا حسب الرواية الرسمية كما حدث مع لجنة التحقيق الاميركية في اجداث الحادي عشر من سبتمبر بعد سنوات.
بالنسبة لي، أهم تذكارات أيلول هي يوم التاسع من سبتمبر، عيد الفلاح في مصر، وإن كان كثيرون ما عادوا يتذكرونه ولا يحتفل به رسميا منذ زمن. في ذلك اليوم قبل أكثر من نصف قرن صدر قانون الإصلاح الزراعي ووزع الرئيس الراحل جمال عبد الناصر أراضي الاقطاعيين على صغار الفلاحين. مع ذلك، طغى الحادي عشر من سبتمر على كل تذكارات أيلول بالنسبة لي ولكثيرين أمثالي ولأمم ودول العالم ـ إما لتأثرها بالحدث، أو خوفها من تكراره أو مجاملة للقوة العظمى الأولى والوحيدة في عالم اليوم. ومما يعزز تذكر العالم بأسره لهذا اليوم هو أن الحرب الأميركية/العالمية على الإرهاب التي بدأت منذ ذلك التاريخ قبل 17 عاما لم تقض على الإرهاب، بل على العكس زادت وتيرة ورقعة الإرهاب في العالم منذئذ. وطبيعي أن يكون نصيب منطقتنا هو الأكبر نتيجة ما حدث في نيويورك يوم الحادي عشر من سبتمبر، ليس فقط لأن الإرهابيين من عندنا ولكن أيضا لأننا الأسهل في ضرب المثل وصناعة النموذج بالحديد والنار.
ففي منطقتنا تم تجريب مدخل جديد لتغيير بعض قواعد العلاقات الدولية، وتحديدا عبر ما سمي “التدخل الخارجي المتجاوز للسيادة الوطنية” لغرض مواجهة الإرهاب أو حتى تفويت أي فرصة لظهوره. ودمرت أفغانستان، والعراق، وسوريا، وليبيا (هل نسيت أحدا؟ ربما). وبعد نحو عشر سنوات من تاريخ تفجيرات نيويورك وصلت جماعة الإخوان التي نبتت منها غالبية التنظيمات والجماعات الإرهابية للسلطة في أكبر دول المنطقة: مصر، وكذلك في تونس وكادت في دول أخرى لولا انكشاف الجماهير على الكارثة والتصدي لها بالاحتجاجات في الشوارع. وليس من قبيل المبالغة استخلاص أن بلادنا تضررت من الحادي عشر من سبتمبر بقدر ما تضررت أميركا أو ربما أكثر. وليس القصد هنا اعتبار ذلك الحادث شماعة نعلق عليها كثيرا من خيباتنا الذاتية، لكن الأكيد أنه ساهم في مضاعفة خيباتنا وتعظيم خساراتنا المتتالية. لذلك، قد نكون أحق من بقية العالم في احياء ذكرى هذا اليوم من سبتمبر ربما ليس فقط من باب مشاركة البشر في أميركا الجزع الإنساني الطبيعي من تفجير كهذا وإزهاق أرواح بريئة بهذا العدد. وإنما أيضا لنتدبر ونستخلص الدروس ونحن ما زلنا نعيش تأثير ذلك الحدث على بلادنا.

إلى الأعلى