الثلاثاء 24 أكتوبر 2017 م - ٤ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : الاستعمار والبحث الدائم عن عوامل تثبيت محركاته

شراع : الاستعمار والبحث الدائم عن عوامل تثبيت محركاته

خميس التوبي

إن القادر على صناعة الحروب وحبك المؤامرات، قادر على صناعة ما هو أقذر منها، وتتجلى هذه الحقيقة في أنصع صورها، لا يشوبها أدنى شائبة، من خلال ما نراه الآن، من قيام القوى الامبريالية الاستعمارية الغربية بتغيير نمط تدخلها في الشأن الداخلي لدول المنطقة عبر وسائل وحروب غير عسكرية مباشرة، باتت تعرف بحروب الجيل الرابع، وذلك وفقًا لما تحتاجه محركات استعمارها من أسباب وعوامل تمكنها من المناورة والتحليق والهبوط في المكان والزمان اللذين تريدهما بالمنطقة.
لقد شكلت حربا أفغانستان والعراق انتكاسة حقيقية للقوة العسكرية الغاشمة التي قامت عليها القوى الإمبريالية الاستعمارية لمد نفوذها وتكريس هيمنتها خارج حدودها، فلم يعد بمقدور اقتصاداتها تحمل النفقات المالية الباهظة وتبعاتها، ولم يعد بمقدور مجتمعات تلك القوى الاستعمارية تحمل رؤية نعوش جنودها وسقالات الجنود الجرحى، رغم تكفل قوى عميلة وتابعة لقوى الاستعمار بمهمات الإسناد اللوجستي والدعم المالي، ولهذا كانت حاجة إدامة الهيمنة على مقدرات الشعوب هي الباعث على أهمية البحث عن وسائل بديلة تقوم مقام العمل العسكري المباشر، وتنوب عن الجندي المنفق على إعداده آلاف الدولارات إلى جانب عتاده.
لا يخفى أن غزو العراق أوحى إلى القوى الغازية بالكثير من الوسائل والبدائل، وذلك حين خرجت المقاومة العراقية من رحم الاحتلال، ولمواجهة هذا الخطر الذي شكلته المقاومة على القوات الغازية من خسائر بشرية ومادية واستنزاف طويل، لجأ المستعمِرون إلى تباينات المجتمع العراقي والعبث بعصب تناقضاته واختلافاته وتنوعه الديني والطائفي، لضرب مكونات المجتمع وإشغالها في أنفسها ببث بذور الفرقة الطائفية والمذهبية وتقسيم المجتمع العراقي إلى كيانات طائفية، وعزل كل كيان عن الآخر بدس سموم العداء والفرقة. ولكي تتبادل هذه الكيانات الطائفية الأشلاء، كان المستعمِرون قد جهزوا مناجل الإرهاب وناقلي الموت المجاني ليقوموا بالنيابة بتمزيق أواصر المجتمع العراقي وتقطيع كتل اللحم البشري في الشوارع والأزقة والمنازل، وعلى وقع احتدام التناحر الطائفي أعلن المستعمِرون عن جيشهم الوكيل المسمى بـ”الدولة الإٍسلامية في العراق” (قبل أن يتم مد ساحة نفوذها إلى سوريا) بقيادة الإرهابي الأردني أبو مصعب الزرقاوي، حيث برع هذا الجيش في مهمته الجديدة بتفجيراته الإرهابية، وتفجير مسجد للشيعة ليتهموا به السنة، وتفجير مسجد للسنة ليتهموا به الشيعة.
إذًا، ووفق هذا التقدير، كانت دوامة القتل ونزيف الدماء في العراق إعدادًا بالنسبة للقوى الاستعمارية الإمبريالية وإرهاصًا بالنسبة لدول المنطقة لما تخضع له رقابها الآن من فوضى مركبة من إرهاب وتكفير في ثوب “الربيع العربي”، تكون بديلة عن الحروب العسكرية المباشرة التي تأكدت خسارتها، وبالتالي ما قُدِّم من دعم مالي وتسليحي وجلب للإرهابيين والمرتزقة والتكفيريين من أصقاع العالم يأتي في إطار الاستعاضة عن الجيوش العسكرية، وما تمليه أهمية إعادة السيطرة على المنطقة وثرواتها، وفي سياق أهمية إيجاد المسوغات والمبررات للتدخل.
لذلك لا غرو أن تجاهر القوى الاستعمارية بدعمها للإرهاب ما دامت هناك مصلحة كبرى تتوقف عليه، ومثلما كان شعار تحرك محركات الاستعمار هو “نشر الديمقراطية والحرية وحماية المدنيين وحقوق الإنسان”، تتحرك اليوم تحت شعار “محاربة الإرهاب” في العراق وسوريا، حيث أجمعت أمرها على أمرين لافتين: الأول: الاتفاق على تسليح الأكراد في مواجهة تنظيم ما يسمى “داعش” صنيعة الاستعمار الجديد، الأمر الذي يطرح سؤالًا مهمًّا: لماذا الأكراد؟ ولماذا هذا التضخيم الإعلامي؟ ولماذا رقعة التدخل العسكري الأميركي ـ الكردي من أربيل وحتى الموصل وسدها المائي؟ وهل هذا يعد مؤشرا لقيام دويلة كردستان، حيث أكد عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني أن الملفات العالقة بين حزبه وتركيا على وشك إغلاقها، في وقت عبر وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير عن رفض بلاده قيام دولة في إقليم كردستان؟
والثاني: استصدار القرار رقم (2170) من مجلس الأمن الدولي تحت الفصل السابع لقطع التمويل عن ما يسمى “داعش” و”جبهة النصرة” ومعاقبة من يدعمهما. وطبعًا دوافع هذين الأمرين واضحة ومكشوفة، بل ومفضوحة وهي تأمين المصالح الغربية بعد ما رأت قوى الاستعمار تهديدًا واضحًا عليها، ربما لتجاوز صنيعتها الخطوط الحمراء، أو الإيعاز إليها للقيام بذلك أو إطلاق الحرية لها لتتمادى في أفعالها بهدف إيجاد مسوغات قوية للتدخل، وبالتالي ليس قرار تسليح الأكراد والقرار الأممي من أجل عيون الشعب العراقي أو الأكراد خصوصًا، أو من أجل عيون الشعب السوري وبقية الشعوب العربية، وإنما لتأمين مصادر الطاقة وحماية الشركات التابعة لقوى الاستعمار. كما أن خطورة القرار الأممي تكمن في أنه صك شرعي لعودة قوى الاستعمار القديم والجديد بأساطيلها وسياساتها ودبلوماسياتها والبقاء طويلًا في المنطقة تحت عنوان “محاربة الإرهاب” الذي تحاربه علنًا، وتدعمه سرًّا، وربما توظيف القرار في تلفيق تهم دعم الإرهاب لخصوم قوى الاستعمار في المنطقة، وهذا ما ستفصح عنه الأيام القادمة.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى