الثلاثاء 11 ديسمبر 2018 م - ٣ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (18)

شـذرات مـن هـدي القـرآن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (18)

ناصر بن محمد الزيدي
الحـمد لله رب العـالـمين والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنـفـس، وقـوله:(إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) تقـرأ قـرأتـين قـراءة بـضـم الـتاء وقـراءة بفـتـح الـتـاء، فـفي الـقـراءة الأولى بالـضـم أي: أنـنا نـجـبر عـلى الـرجـوع إلى الله تعالى، فـلا يـكـون رجـوعـنا إلى الله طـوعـية بإرادتـنا، وهـذا يـنـطـبـق عـلى الـكـفـار والعـصاة والـمـنافـقـين، الــذين لا يـتـمـنـون الـرجـوع إلى الله، خـوفاً مما ينتـظـرهـم مـن الحـساب والعـقـاب.
وأمـا الـقـراءة الـثـانية الـتي هـي بـفـتـح الـتـاء، فـهــذا رجـوع بإرادة، وهـي الـتي تـنـطـبـق عـلى الـمـؤمـنـين لأنـهـم يحـبـون الـرجـوع إلى الله، ويـتـمنـون لـقـاء الله والـرجـوع إلـيه، وهـو يحـب لـقـاءهـم، قال الله تعالى:(يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الـفـجـر 27 ـ 30).
وقـد امتنَّ الله عـلى خـلـقـه بـما، أودع في الأرض مـن الـكـنـوز والأرزاق قـبـل أن يخـلـقهـم، فـهـيـأ لـهـم الأرض لـتـكـون لهـم مهـداً وذلـولاً، قـبـل أن يخـلـق الـسمـاوات، قال تعالى:(قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ، ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فـصـلت 9 ـ 11)، ثـم قال تعالى:(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الـبقـرة ـ 29).
فـهـنا يـذكـرنا الله تعالى بنـعـمه عـليـنا ومـنـها ما خـلـق الله ما في الأرض مـن الخـيرات، لـو أن لـنا قـلـوباً تـدرك قـيمة تلـك الخـيرات، فـهـو يـلـفـتـنا في هـذه الآيـة، أنه هـو الـذي خـلـق ما في الأرض جـمـيعـاً، وقـد جـاءت هـذه الآيـة بـعـد قـوله تعالى:(.. فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ)، لـتـلـفـتـنا إلى أن ما في الأرض كلـه ملك لله عـز وجـل، لـه ملـك الـسمـاوات والأرض وما فـيهـن، وأنـنا لا نملك شـيئاً إلا مـلكـية مـوقـتـة، وأن مالـنا في الـدنيا سـيـصير لـغـيرنا، وهـكـذا تسـير الأمـور عـلى ما قـضاه الله في أزلـه.
والله سـبحانه وتعالى حـين خـلـق الحـياة، وقال:(.. وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ..) لأنـنا نحـاج إلى إمـداد دائـما مـن الخـالـق للـمخـلـوق، حتى يـمكـن أن تستـمـر حـياتـنا، إذن: فـلا بــد لـكـي تـسـتـمـر الحـياة أن يـستـمـر الامــداد بالـنعـم، ولـو انـقـطـع الامـداد، فـمـن الـذي يـمـدنا بـما نـحـتاج إلـيه، لـتستـمـر حـياتـنا فـلـذلك الله طـمـأنـنا، بـقـوله:(وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّـهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (هـود ـ 6).
ولـذلك فإن الـنـعـم تـظـل طـوال فـترة الحـياة، وعـنـد الـمـوت تنتهـي عـلاقـة الإنسان بنـعـم الـدنـيـا، ولـذلك لا بــد مـن أن يتـنـبه الإنـسان إلى أن الأشـيـاء التي هـي مسـخـرة لـه في الــدنيا لـتـخـدمـه، وأن هـذا التـسير لـيس بـقـدرات أحـد مـن الـمخـلـوقـين، ولـكـن بقــدرة الله تعالى.
والإنـسان لايــدري كـيـف يـتـم الخـلـق، ولا مـاهي مـراحـله إلا أن يـخـبـرنـا الله تعالى بـذلك، فـهـو الـذي يـقـول:(مَّا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) (الكـهـف ـ 51).
ومـا دامـوا لـم يـشـهـدوا خـلـق الـسمـوات والأرض ولا خـلـق أنـفـسـهـم فـلا بــد أن نـأخـذ ذلك عـن الله لا عـن غــيره، فـهـو سـبحانه وتعالى يـنبئـنا عـن خـلـق الـسـمـوات، وعـن خـلـق الأرض وعـن خـلـق أنـفـسـنا، فـهـو الحـقـيـقـة التي لا مـيرة فـيهـا، وما يأتـيـنا عـن الله حـقـيـقـة، وما يأتـيـنا عـن غـيره فـهـو ضـلال وباطـل وزيـف وكــذب وافـتراء عـلى الله.
ونحـن نجــد بـحـوثا كـثـيرة عـن كـيـفـية الـسـمـوات والأرض وخـلـق الإنسان، وكلها لـن تـصـل إلى حـقـيقـة مـرضية، لأنـه لا يـوجـد دلـيل عـلى ذلك بـل سـتـظـل نظـريات بـلا دلـيـل ولا بـرهـان، ولــذلك قال الله تعالى:(.. وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا) أي أن هـناك مـن سـيأتي ويضـل ويضلل غـيره، ويـقـول: هـكـذا تـم خـلـق الـسـمـوات والأرض، وهـكــذا تم خـلـق الإنـسان بـلا شـك فهـؤلاء الـمـضـلـون الـذين جـاءوا بأشـياء مـن عـنـدهـم، وهـي مـن عـلـم الله وحـده فـهـو الـمـتـفـرد بـهـا دون غـيره.
جـاءوا تـثـبـيتاً لـمنهـج الإيـمان، فـلـو لـم يأتي أولـئك الـمـضـلـون ولـو لـم يـقـولـوا: خـلـقـت الأرض بطـريـقـة كـذا، والـسماء خـلـقـت بـطـريـقة كــذا، لـقـنا أن الله عـز وجـل قـد أخـبرنا في كـتـابه الـعــزيـر أن هـنـاك مـن سـيأتي ويـضل في خـلـق الـكـون وخـلـق الإنـسان، يـفـترون عـلى الكــذب، ولـكـن كـونهـم أتـوا فـهـذا دلـيـل واضـح عـلى صـدق الـقـرآن الكـريـم، الــذي انـبـأنا بمجـيئـهـم قـبـل أن يأتـوا بـقــرون كـثـيرة.
والاسـتـفـادة مـن الـشئ لا تـقـتـضي مـعـرفـة أسـراره، فـنحـن مـثـلا نستخـدم الـكـهـرباء مـع أنـنـا لا نـعـرف ما هـي الـكـهـربـاء؟، وكـذلك نـعـيـش عـلى الأرض ونسـتـفـيـد بكل ظـواهـرهـا وبكل مـا سـخـره الله لـنا، وعــدم عـلـمـنا بـسـر الخـلـق والايجـاد، لا يحـرمـنا تـلك الـفـائــدة، فـهـو عـلـم لا ينـفـع أي لا يـزيـد في إيـمان الـمـؤمـن، وجـهـل لا يـضـر بـعـدم الـعـلـم بـه.
والكـون كـله مـسخـر لـخــدمة الإنـسان، والـتسخـير معـناه الـتـذلـيـل، ومعـناه عـدم الـتــمـرد لـظـواهـــر الكـون عـلى الإنـسان، وإذا كانـت هـنـاك ظـواهـر في الـكـون تـتـمـرد بـقــدر الله، مـثـل الـفـيضـانات والـبـراكـين والـكـوارث الـطـبـيعـية، نـقـول أن ذلك يحــدث لـيـفـتـنا الله تـبارك وتعالى إلى أن، ما في الـكـون لا يخــدمنا لــذاتـنا، ولا بسيـطـرتـنا عـلـيه.
.. وللحـديث بـقـية.

إلى الأعلى