الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الهجرة في حياتنا (2)

الهجرة في حياتنا (2)

محمود عدلي الشريف:
تكلمنا في اللقاء الماضي عن (الهجرة في حياتنا)، وأنها ليست منوطة بالأنبياء ولا المرسلين في الماضي فقط، بل أمر الله تعالى بها سيدنا محمد (عليه الصلاة والسلام) فلبى أمر ربه وأطاعه، ليحذو حذو من سبقه من إخوانه من النبيين والمرسلين، بل والمتدبر في الكون من حوله يدرك أن الهجرة ليست هروباً كما يدعي أعداء الإسلام، فالهجرة من أساسيات حياتنا، تنطق بلسان حال المخلوقات التي نراها في عوالم الجبال والغابات وعوالم البحار والمحيطات وعوالم الكواكب والمجرات وعوالم الطيور والحيوانات .. إلى غير ذلك مما نراه بأم أعيننا كل يوم يحدث في هذا الكون من الهجرات، بل ولم يكن الأمر بعيداً عنا نحن البشر بشكل عام، فهناك هجرات أساسية في حياتنا سنتناولها فيما يأتي إن شاء الله تعالى، وهناك هجرات للأماكن وقد أشرنا إليها وهناك هجرة للأشخاص وقد تناولناها في المقال السابق، وعرفنا من خلاله أن الهجرة بمعناها العام ترك الشئ سواءً أكان من الأماكن أم من الأشخاص أم من الأشياء، وتكملة لهجرة الأشخاص، أنت يامن تصاحب واحداً من البشر إذا بدى لك أنه ليس بأهل لهذه الصحبة، ولا يستحق تلك الصداقة لسلوك أو لخلق أو غير ذلك أليس، فإنك على الفور تهجره أليست هذه هجرة ،بل ولم يتوقف الأمر على الصاحب البعيد أو الصديق القريب، بل قد يفعل الإنسان الهجر في غرفة نومه، يقول الله تعالى:(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) روى ابن جرير والبيهقي عن أبى هريرة ـ رضي الله عنه ـ قال:(خير النساء التي إذا نظرت إليها سرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها .. وقرأ الآية) وهذا القسم من النساء ليس للرجال عليهن سلطان التأديب، إذ لا يوجد ما يدعو إليه وإنما سلطانهم على القسم الثاني الذي ذكره الله وذكر حكمهبقوله:(وَاللَّاتِي تَخافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ) أي: واللاتي تأنسون منهن الترفع وتخافون ألا يقمن بحقوق الزوجية على الوجه الذي ترضونه فعليكم أن تعاملوهن على النهج الآتي: أولاً ـ أن تبدأوا بالوعظ الذي ترون أنه يؤثر في نفوسهن، فمن النساء من يكفيها التذكير بعقاب الله وغضبه، ومنهن من يؤثر في أنفسهن التهديد والتحذير من سوء العاقبة في الدنيا كشماتة الأعداء، ومنعها بعض رغباتها كالثياب والحلي ونحو ذلك، وعلى الجملة فاللبيب لا تخفى عليه العظات التي لها المحل الأرفع في قلب امرأته.فإن لم يجد ذلك فله أن يجرّب، وثانياً ـ الهجر والإعراض في المضجع، ويتحقق ذلك بهجرها فى الفراش مع الإعراض والصدّ، وقد جرت العادة بأن الاجتماع فى المضجع يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول ما كان فى نفوسهما من اضطراب أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هو فعل ذلك دعاها هذا إلى السؤال عن أسباب الهجر والهبوط بها من نشز المخالفة إلى مستوى الموافقة (تفسير المراغي ج5، ص: 28)، والمضجع موضع الإغراء والجاذبية، التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها، فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء، فقد أسقط من يد المرأة الناشز أمضى أسلحتها التي تعتز بها، وكانت ـ في الغالب ـ أميل إلى التراجع والملاينة، أمام هذا الصمود من رجلها، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه، في أحرج مواضعها! .. على أن هناك أدباً معيناً في هذا الإجراء .. إجراء الهجر في المضاجع .. وهو ألا يكون هجراً ظاهراً في غير مكان خلوة الزوجين .. لا يكون هجراً أمام الأطفال، يورث نفوسهم شراً وفساداً .. ولا هجراً أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزًا. فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة ولا إفساد الأطفال! .. وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء (في ظلال القرآن ج2، ص: 654).
والهجر والإعراض عنها فلا يضاجعها حتى تتبصر في أمرها وتفكر في فعلها فربما رجعت عن نشوزها، انظر (التفسير الواضح لمحمود حجازي ج1، ص: 371)، وبعدم استرسال في هذه النقطة يتبين لنا أنه في حال عصت المرأة زوجها ونشزت عنه، من تعاليم الله تعالى أن يهجرها ويتركها كما جاء في المعاني السابقة، أليس هذا من الهجرة، وثالثاً: هجرة الأشياء: وهنا المعنى عام في كل شيء ، سواءً أكان ذلك الشيء معنوياً أم حسياً، ومن تلك الأشياء الحسية، إذن مسألة الهجرة تشمل أشياء كثيرة في حياتنا، ومن ذلك هجر المحرمات من المطعومات والمشروبات، عَنْ عَبْدِاللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) قَالَ:(المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ)، ومعنى المسلم: أي الكامل الإسلام، ومعنى المهاجر: أي الحقيقي اسم فاعل من الهجرة، انظر (صحيح البخاري ج1، ص:11)، وأخرجه مسلم في (الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل ج1، ص: 13 برقم 40)، وقد يهجر الإنسان شيئاً من الحلال لمرض أو لعدم استساغ، فلك أن تمنع نفسك عن طعام معين، وتهجره فلا تقربه وإن وضع أمامك لسنين، والعجيب أن هذا الهجر لبعض الأطعمة ليس منم الإنسان فقط بل قد يكون ذلك من بعض المخلوقات، قَالَ أَبُو حنيفَة:(القضب: شجر سهلي ينْبت فِي مجامع الشّجر، لَهُ ورق كورق الكمثرى إِلَّا انه ارق وانعم، وشجره كشجره، وترعى الْإِبِل ورقه واطرافه، فَإِذا شبع مِنْهُ الْبَعِير هجره حيناً). انظر (المحكم والمحيط الأعظم ج6، ص: 181)، كما يمكن لك أن تهجر شراباً معيناً ولا تقربه وإن وضع أمامك كثيراً، وحول هذا المعنى يقول ابن سيده في كتابه:(المحكم والمحيط الأعظم ج4، ص: 155)، هجَرَهَ يَهْجُرُه هَجْراً وهِجْراناً: صرمه، وهما يتَهجِرانِ ويتهاجران، وَالِاسْم (الهِجرَة) وهَجَرَ فلَان الشّرك هَجْرا وهِجْرانا وهِجْرَةً حَسَنَة، حَكَاهُ عَن اللحياني.وهجَر الشَّيْء، وأهجَرَه: تَركه، وهَجَر فِي الصَّوْم يَهجُر هِجْرانا: اعتزل فِيهِ النِّكَاح.ومن هجر الأشياء ما جاء في (النهاية في غريب الحديث والأثر ج5، ص: 245) وَمِنْهُ ما أثر عن أَبِي الدَّرْدَاءِ (وَلَا يَسْمَعون القُرآنَ إِلَّا هَجْراً) يريدُ التَّرْكَ لَهُ والإعْراضَ عَنْهُ، يُقَالُ: هَجَرْتُ الشَّيءَ هَجْراً إِذَا تَرَكْتَه وأغْفَلْتَه، ومن ذلك ما جاء في الحديث:ومن الناس من لا يذكر الله إلا مهاجراً يريد هجران القلب وترك الإخلاص في الذكر فكأن قلبه مهاجر للسانه غير مواصل له، وقال عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه:(هاجروا ولا تهجروا ..).

*ma.alsharif78@gmail.com

إلى الأعلى