الجمعة 16 نوفمبر 2018 م - ٨ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: عندما يبكي القادة!

باختصار: عندما يبكي القادة!

زهير ماجد

لم يسبق أن رأيت زعيما أو قائدا أو مسؤولا أمام الكاميرا أو جمهور والدموع في عينيه .. أقول ربما لم يحصل، لكن المؤكد أن هذا الشخص المميز إنسان من لحم ودم وأعصاب وعواطف وأحاسيس، يتأثر بما يتأثر به الناس، ويتألم مثلهم ولو أنه لا يظهر أحاسيسه .. فهل عندما تغلق الأبواب عليه يملأ الدنيا صراخا ودموعا، وهل يسقط أرضا من الإعياء الشديد الذي يصيبه من شدة الألم؟
لا أعتقد العكس، بل أكاد أجزم أننا جميعا، بصرف الحالة الاجتماعية أو القيادية، نتوحد في مبدأ واحد هو إنسانيتنا وتشابهنا في كل شيء، ولنا جميعا عيون وفي داخلها أوعية الدمع ومآقيها، وهناك غير المنظور كتلة الأعصاب وأجهزته المتربصة بما نمر به، فإما نعجز عن المقاومة، وإما نرضخ للحالة التي نوضع فيها.
بكى الأمين العام حسن نصرالله على الشاشة وأمام جمهوره بل أمام العالم، هي مناسبة جليلة بلا شك تستدعي البكاء لما فيها من ألم ومظالم واعتداء ووحشية على أقرب المقربين إلى الرسول العربي وهو حفيده الإمام الحسين.
لكن هل تكفي هذه الحادثة المفجعة المتكررة أن تدفع قائدا بهذا الحجم إلى أصعب من التحسر والمرارة ببكاء حاد ساده صمت هو في الحقيقة كان صمتا متحدثا حركت فيه مشاعر الجالسين والسامعين ومن شاهدوا من بعيد أو قريب، وحتى الإسرائيلي الذي يتابع أنفاس نصرالله، دعا على عجل كل من له فهم بسيكولوجية الرجل لقراءة اللحظة ومعناها.
حسن نصرالله مثله مثل أبناء الطائفة الشيعية تربوا منذ نعومة أظفارهم على حادثة مصرع الحسين، ومنذ وعيهم شاهدوا مشاعر أهاليهم وردود أفعالهم وطقوسهم، وكل امرئ في النهاية ابن تلك السنوات المؤسسة لشخصه والتي أبرز ما يتجلى فيها مشروع الدمعة وسخائها ومعناها البعيد في المشهد الإنساني.
لكني أعتقد، كي يكبر المشهد أكثر، أن قائدا بهذا الحجم الاستثنائي تصطرع في داخله أحاسيس شتى لتخرج في لحظة تعبير الضرورة، بل لتتحد كلها في تلك اللحظة وتختلط المشاهد القادمة من ذكريات المرارة بحميمية شهداء المتداخلة بروحية رهبة المناسبة. إنها الدمعة التي ولدت من هذا المجموع لتكون أشبه بنشيد تعبيري صامت يقوله لذاته لكنه يمتنع عن إطلاقه لهذا الجمع الذي يحمل كل منهم أيضا مجموعة آلام تختصر كلها بدمعة التحسر على الحسين وهو بالتالي سبب تفجرها وأساسها.
هذا العالم المليء بالمرارة أكثر منه مشروع فرح عابر، هو على حد تعبير الشاعر أبي العلاء “إن حزنا في ساعة الموت أضعاف سرور من ساعة الميلاد” .. جميعنا لا نتكيف مع تلك الساعة وإن كنا نتقبلها على مضض. فكيف إذا كانت حادثة في التاريخ شهداؤها ليسوا أناسا عاديين، بل قيم صنعوا قيما وغيروا مفهوم الإنسانية ووضعوا للبطولة عنوان انتصار الدم على السيف.
لا أعتقد أن القادة لا يبكون، هنالك فروق في نوعية البكاء وأسبابه، أما دمعة نصرالله فهي دمعة بدأت بالدم البريء وظلت شاهدا على ظلم لا حل له وعلى أسئلة أجيب عليها بأكبر وأهم موقف بطولي لا مثيل له في التاريخ الإنساني، كما فعل الحسين.
كل ما لم يرد قوله نصرالله اختصره بكاؤه والباقي من الكلام تفاصيل قالتها المناسبة.

إلى الأعلى