السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / أشرعة / النقد الثقافي

النقد الثقافي

شفاهيات شعرية مَحكيّ النصوص وقاموس الكلام
الفنون الشعبية العمانية القديمة، في الحيزين الزمني والمكاني، لا يمكن النظر إليهما في دائرة الفلكرة، التي تحبس الروح التي – على أقل تقدير- كانت جزءا من هوية وحراك وامتداد نسج خيوط مرجعية قابلة للتعاطي معها، وبخاصة العناصر التي شكلت تفاصيلها بنية في الطقس الفنوني الذي ران على المرحلة القديمة من عمر المكان العماني.
ما لا نفهمه، هو جدلية الامتداد الوجداني لتلك الفنون، في الوقت الذي لا نشهد مقاربات تعكس ذلك الدفق، فتكاملهما الظاهر لا يعكس التكامل الجوهري الذي يحتاج إلى مرونة في الاستجلاء، وفهم يتعامل بحذر مع المرحلة ذاتها، ومن تلك المقاربات تجيء النصوص الشعرية، نصوص الفنون الشعبية، فهي ليست مجرد نصوص عابرة، ولم تتم كتابتها حين تم إشهارها، بل قولها، وهذا يعني أن تلك النصوص تنطوي على سمات مختلفة، بوصفها ظاهرة غير مقروءة بوعي معبّر عن الذي تنتمي إليه، ولكنها مفهومة بحسب سياق من كانوا يعيشون آنذاك، في حين أن زمننا المعاصر يفترض وجود أشكال أخرى لتلك القراءات.

وجوه المكان
لا نقصد – من هذا التعبير هنا – الوجوه التي تحيل إلى الأفراد الذين يقطنون المكان، وفقا لما هو رائج، بل نقصد المكان ذاته، وجوهه المرتبطة بجغرافياه، شخصيته اللفظية، مناخاته الاجتماعية، وفنونه المرتبطة به، فهذه العناصر تعطينا مساحة كافية لفهم المُخرَجات التي أتت منه عبر عقود طويلة، مما يجعل إعادة قراءة المراحل أكثر عمقا من كونها ذات رأي عمومي، بالكاد يرى المشتركات ويغفل عن الخصائص التي تجعله منفردا عن غيره بها.
في المكان العماني، هناك وجوه جغرافية، إذا اعتمدنا سماتها (صحراوية – ساحلية – جبلية) سيمكننا فهم العناصر الأخرى التي تشكل عالم النصوص الشعرية الآتية منها، بوصفها انعكاسا هويّاتيا يساعد على النبش في التفاصيل الصغيرة التي تفيد في تأصيل خصوصيات النصوص بحسب وجهها الذي تنتمي إليه.
تقود هذه الرؤية المبدئية إلى تحريك سكون الفكرة البسيطة حول نصوص الفنون الشعبية العمانية بكونها ذات مغنى وطرب، لنذهب إلى مستوى آخر من الرؤية، وهي أنها ذات بناء ونسق، بل إلى كونها مسهمة في تأسيس مرجعيتها الخاصة، وهي المساحة التي نأمل في زمننا المعاصر مقاربتها.

شفاهيّات عابرة
على الرغم مما تكتنزه الشفاهيات من أهمية على مستويات مختلفة، إلا أنها لم تحظ بما تستحقه من اهتمام نقدي، بوصفها نصوصا أدبية شفاهية ، أو بوصفها قاموسا متعدد الأغراض والبُنيات الصوتية، وما بين لفظ قديم وآخر متجدد، بحسب ما تحيل إليه مرحلة اللفظ والمكان الذي ينتمي إليه، يبقى المعنى الجوهري والتركيب الحروفي وإحالاته الدلالية خارج المنظور المدروس على المستويين الإبداعي والثقافي، وهذا ما ينطبق على النصوص الشعرية للفنون الشعبية.
إذا كانت النصوص وارثة تركة الشفاهيات التي تبدأ مع الفرد منذ تعلم الحروف الأولى بطريقة تلقينية صوتية، لتمتد معه منتهية إلى الممات، فإن تكاثر الألفاظ في الوجه المكاني الواحد، بإضافة التشظيات الصوتية وتحريف مخارج الحروف في تلك الجغرافيات، بقيت مسألة فهم النمو الشفاهي اللفظي غائبة عن الفهم، ومقصية عن التعاطي معها خارج سياق الوظيفة النفعية الاجتماعية، التي تكون جسر فهم وإفهام لمغازي الكلام ورسائل الألفاظ، مما يجعلها محجّمة ومقزّمة بشكل لافت، لكون ذلك المنظور من اللفظ الجمعي، طوّر وسائله الواضحة أو المخفية، الواعية أو التلقائية التراكمية، مما جعلها بعيدة عن المجهر الاستقرائي والاستقصائي.
ما نقترحه هو الذهاب نحو الشفاهي، إلى حيث هو، إلى مكان ولادته، لمعرفة بيانات عنه، عن مراحل نموه، عن أشكال تواجده في الحياة اليومية، ومن ثم التوقف عند النصوص الشعرية، لمقارنة الشكل والجوهر فيه، لملامسة الشخوص التي تعاملت مع تلك المفردات، للإنصات إلى حروف المفردة من ناخية، والمفردة المستقلة من ناحية ثانية، والجملة الشعرية الواحدة من ناحية ثالثة، ثم النص بأكمله، لنفهم أين يكمن الفرق بين شفاهي نفعي بوظيفته الثقافية من ناحية، وشفاهي إبداعي تكويني تجديدي من زاوية نقدية، لأن هذه الوسيلة هي ما سيعيدنا إلى أزمنة الشفاهيات والنصوص، كي نفهمها ونعي تطورها.

المحكيّ والنصوص
إذا كان لدينا مَحكِيّنا في زمننا الراهن، فقد كانت البيئة العمانية القديمة على صلة وطيدة بمَحكيّها، وهو الشفاهي الذي صبغ كل زاوية جغرافية بخصوصية واضحة، يستبين فرقها من خلال علاماتها الصوتية في اللفظ المفرد والجملة الواحدة، في تلوين العلامات حِدّة وغلظة، إجهارا وإسكاتا، تفخيما وترقيقا، بحسب الوظيفة الإخبارية لنسق التعبير، فإذا كان المحكيّ في سياقه اليومي النفعي، يمتلك المعنى المباشر والدلالة الإيحائية، فإن شفاهية الشعر تمتلك ما هو أكثر من ذلك.
غير أن المفهوم هنا هو النسق الذي من خلاله انعكس المكان على اللفظ حتى بات على ما هو عليه شفاهيا في المكان، مع أن التعدد أغناه جوهرا ودلالة، ولكن في نطاق ضيق نفعيا، في إطار لم تذهب إليه الفكرة لكي تستفهم منه تكوينه، مما أدى إلى نموه وامتداده، أو انحساره وموته، وهي فكرة لا تزال قائمة حتى الآن، مع التقدير للجهود التي يتم بذلها لأغراض توثيقية.
النصوص الشعرية للفنون الشعبية معنية بهذا المحكيّ، معنية به لأن قائليها وقائلاتها تقاسموا المنبع ذاته، وإن كان المصبّ اتجه وجهة مختلفة، وهي الشعر، هذا المعنى الذي يحيل إلى كون القصيدة معنية من زاوية انتمائية بالمحكيّ، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة عدم تمردها عليه، ولا يعني توقفها عند المألوف وتكرار اللفظ بما يجذر الشكل والمعنى على حساب المجازفة بخلق مستوى آخر من الشفاهية، وهو القائم على نية التجريب والتجديد، مع الحفاظ على النسق في إطار فكرته، ولكن بتحقيق مستوى إبهار وجِدّة، مما يجعل قصيدة الفنون أكثر استقلالية عن النفعي القائم على الترداد المألوف.
ما نعنيه، النصوص الشعرية، التي كرّست إيمانها برسالة الفنون الشعبية، شكلت مستوى عاليا من الشفاهيات، مما جعلها تحلق بعيدا، في الوقت الذي أدرك فيه متلقوها ومتلقياتها، أن تلك اللغة تحمل في داخلها سحرا مختلفا.

قاموس متنام
هل يمكن – على وجه الحقيقة- التفكير في الكم الهائل من الألفاظ العامية التي تشكل بنية الشفاهية العمانية فيما إن تم التعاطي معها بشكل نقدي ثقافي؟
بالتأكيد، هي ثروة لفظية شفاهية ضخمة، قاموس كبير يعرض اللفظ ومعناه، يفتح الباب على ما يحمله اللفظ من وشايات ظاهرة وباطنة بالدلالات التي تعتمد على طبيعة التعاطي مع اللفظ مفردا أو في سياق تركيب جُمَليّ، ولكن، هل هذا هو المقصود من كون القاموس اللفظي متنامٍ؟
في سياق الشفاهية الشعرية، ومن واقع التراكم اللفظي الذي استقى منه الشعراء والشاعرات على مستوى الفنون الشعبية قاموسهم المبدئي، سنجده يتسم بصفة التنامي، وهذه الصفة لم تأت من فراغ، بل لها أسبابها، أحدها التجريب، وليس آخرها المغامرة، وبينهما يمكن وضع عدد من المؤشرات التي تحيل إلى فهم هذا الاختلاف الشفاهي الذي حظي به الشعر مقارنة بغيره من النصوص الشفاهية ذوات الإحالات، ومنها : الأسفار بما توفره من اختلاط بمعارف لفظية جديدة، الخبرة في التعامل مع اللفظ والتلاعب بتراكيبه، الرغبة في اختبار أشكال تركيبية غير مألوفة في المكان لمعرفة مدى تقبلها أو رفضها.
هذا النوع من التعاطي مع ما هو شعري شفاهي، هو ما جعل المنتمين إلى المكان يدركون أن التركيب اللفظي، وإن كان يستقي علاماته الصوتية من المكان، إلا أن ثمة شيء مختلف، وهو توظيف اللفظ، وابتكار صورة تواكب اللفظ في حضوره، جعل من النصوص تثير أسئلة ضمنية انعكست على الدهشة المعبّرة عن الرضا بالمقول، لكن فهم الكيفية ظل بعيدا عن الطرح والنقاش، فـ (المعنى) – بدلالته – تقاسم الدهشة مع (المغنى)، واكتفى بالدهشة الصموتة.

خاتمة
وجه آخر من النقد الثقافي الغائب نظن بضرورة الاعتناء به، وهو الشفاهية الشعرية، التي ما كان لها أن تظل مثيرة أسئلتها وجدلها لولا الفنون الشعبية التي نقلتها وجعلتها جزءا ركينا في الوجدان الشعبي العماني.

عبدالله الشعيبي

إلى الأعلى