الخميس 15 نوفمبر 2018 م - ٧ ربيع الاول ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دردشة صيفية من قرية عمانية 4/5

دردشة صيفية من قرية عمانية 4/5

سعود بن علي الحارثي

” هل سنواصل ارتكاب الأخطاء والإسهام في تدمير القرى بدلا من تصحيح الأوضاع؟ أليس من الأفضل توجيه الأموال إلى تنمية القرى وتحسين وتجويد النخيل القائمة ودعم ملاكها وإصلاح الأفلاج وإنشاء المصانع الحديثة لتصنيع التمور بمواصفات مطلوبة عالميا وتنشيط حياة القرية بشكل عام بدلا من زراعة الصحراء من جديد والتي ستكون بلا شك على حساب المزارع في القرى؟ ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أستعيد جولتي في دروب وأزقة وبساتين المضيرب القرية الجميلة الهادئة التي يفوح من أزقتها شذى (البل)، ضمن برنامجي اليومي على مدى أسبوعين قضيتهما هناك، وما أثارته في نفسي من تساؤلات وأفكار واسقاطات فرضتها ذكريات الماضي وصوره على الحاضر وواقعه، وقد أبانت المشاهدات عن الهوة السحيقة بينهما، فأترك رواية الكسي تولستوي ثلاثية (درب الآلام) جانبا متأسفا على تنحيتي لها في سويعات كانت تتنازعني فيها أحداثها التاريخية المشوقة حيث تتساءل شخصية من شخصياتها في خضم حرب أهلية طاحنة (أمن العدل ألا تتاح للإنسان حياة هادئة مفرحة؟)، وصورة القرية وماضيها الجميل الذي على وشك أن نفقد معالمه وآثاره دون أن يحرك أحد ساكنا وكأن الأمر لا يعنينا في شيء … في جولتي بين المزارع والبساتين الآسرة وسواقي الفلج الذي ما زالت مياهه صامدة تنازع الجفاف والإهمال والتخلي تتدفق لتسقي النخيل والأشجار والبشر والحيوان والطير … كنت أتساءل وأنا أتطلع إلى مشاهد النخيل المثقلة بالثمار، هل يعقل أن تصبح النخلة التي طالما كانت عماد الاقتصاد العماني ومورد الأسر على مدى قرون من الزمن عالة على ملاكها تستهلك مالهم ووقتهم فيناصبها الأبناء الإهمال والقطيعة ويسلمونها لليد العاملة الأجنبية أو يحولون الأرض لأغراض أخرى تجارية وسكنية، بعد ما كان شأنها عاليا ومنزلتها رفيعة في قلوب الآباء تتجاوز حتى مكانة الولد؟ هل فشلت كل اهتماماتنا وإمكاناتنا ودراساتنا وجهود مؤسساتنا المختصة وقطاعاتنا الاقتصادية في الاستثمار في النخلة التي نسمع ونقرأ من التقارير العلمية والطبية وما وثقته المصادر الإسلامية والعربية ما يكفي عن فوائد ثمارها وأهمية رطبها وتمرها على صحة الإنسان، واعتبارها غذاء أساسيا غنيا بكل أنواع الفيتامينات ومكونا مهما لصناعات غذائية عديدة خاصة في مجال الحلويات والبسكويت وغير ذلك الكثير؟ ألم تستورد وزارة الزراعة الأميركية فسائل النخيل من السلطنة (فطورتها في معمل الأبحاث في كاليفورنيا ثم وزرعتها على المزارع فأصبحت أميركا في مقدمة الدول في إنتاج التمور) ؟ كما ذكر سعادة الشيخ أحمد بن سعود السيابي في إحدى تغريداته على حسابه في التويتر، كيف استطاع العمانيون بإمكانياتهم البسيطة ووسائلهم البدائية أن يتعرفوا على نوع واحتياجات واستخدامات الأمة الهندية من التمور فركزوا على غرس الفسلات من نوع (المبسلي) الذي يصلح للطبخ وأنشأوا نظام (التركبة) لطبخ بسورها وتجفيفه وتسويقه بكميات كبيرة جدا عدت لمراحل طويلة قوام الاقتصاد الوطني؟ هل بذلت وزارة الزراعة ووزارة التجارة وغرفة تجارة وصناعة عمان والمؤسسات المختصة ما تتطلبه المسئولية الوطنية وتوجيهات سلطان البلاد بالتعرف على احتياجات دول وشعوب العالم من التمور خاصة تلك التي عقدت بين عمان وبينها تعاون تجاري واتفاقيات اقتصادية مثل الصين والهند وكوريا وغيرها من الأسواق؟ هل قدمت للمزارعين والتجار ورجال الأعمال أفكارا قيمة لصناعة التمور والأنواع الرائجة والمطلوبة عالميا؟ كيف نحتفل هذا الاحتفال البهيج بـ (تأسيس شركة تنمية نخيل عمان بالتعاون بين تنمية ومشروع المليون نخلة)، فيما تركنا وأهملنا القرية العمانية ببساتينها ومقاصيرها ومزارعها الخضراء ونخيلها الباسقة المثمرة والتي تعد متنفسا طبيعيا ومقوما سياحيا متكاملا وموردا ماليا غنيا بالتنوع … ففيها مياه الأفلاج وقنواتها ونظمها والتربة الصالحة ويمكن الاستثمار في القرية بكل اطمئنان في قطاعات ومجالات متعددة، هذا فضلا عما تمثله من امتداد حضاري وإرث تاريخي تتطلب المسئولية الوطنية الحفاظ عليها وحماية هويتها؟ هل سوف يكون هذا المشروع ذا التكلفة المالية الباهظة بديلا لنخيل القرية وبساتينها التي طالما حققت للعمانيين الاكتفاء الغذائي من طعام وفاكهة ولحوم ومال وتشبعت الأسواق المحلية بمنتجاتها الوفيرة ؟ هل ستنجح (تنمية) و(مشروع المليون نخلة) فيما فشلنا فيه طوال عقود من تنمية القطاع الزراعي وتصنيع وتسويق التمور ؟ لماذا ظلت أسواقنا تستقبل التمور من تونس والجزائر والإمارات والسعودية وغيرها من الدول فيما لم نتمكن من تصدير تمورنا، وبلادنا بلاد التمور والنخيل وتاريخها مرتبط ارتباطا وثيقا وعميقا بالعمانيين ؟ ألا يمكن التفكير مليا في استثمار مقومات القرية العمانية التي تمتلك المزارع والنخيل والأشجار المتعددة والأفلاج والتربة الصالحة والطبيعة الجميلة الهادئة والأسواق والقلاع والحصون والأسوار والبوابات والحارات القديمة وكوادر وطنية شابة في تطوير قطاعات الزراعة والتجارة والصناعة والسياحة والثقافة وصناعة وتصوير الأفلام ؟ ألا يمكن أن تتضافر جهود أبناء القرى ومؤسسات الدولة في الولايات والمحافظات ورجال الأعمال والقطاع الخاص والمؤسسات الأهلية والفاعلين لتنشيط وتحفيز الأعمال والابتكارات وتطوير الأفكار المطروحة وتنمية المجالات والقطاعات والنشاطات التي تمتلكها القرى العمانية؟ ألا نشعر بالقلق والخوف من ضياع هذا الإرث الوطني الغالي على قلوبنا؟ ألم يؤد التخطيط الذي قامت به وزارة الإسكان الى تهجير سكان القرى الى خارجها فتحولت الحارات القديمة والبساتين الى أماكن خاوية وسلمت الى الجالية الأجنبية في مشهد يخلو من الغيرة والحس الوطني؟ هل سنواصل ارتكاب الأخطاء والاسهام في تدمير القرى بدلا من تصحيح الأوضاع؟ أليس من الأفضل توجيه الأموال إلى تنمية القرى وتحسين وتجويد النخيل القائمة ودعم ملاكها وإصلاح الأفلاج وإنشاء المصانع الحديثة لتصنيع التمور بمواصفات مطلوبة عالميا وتنشيط حياة القرية بشكل عام بدلا من زراعة الصحراء من جديد والتي ستكون بلا شك على حساب المزارع في القرى؟ هل أقيم مشروع المليون نخلة على بصيرة ووعي ودراسات علمية وجدوى اقتصادية أخذت في الاعتبار التسويق والتصنيع وتعزيز الموارد ضمن سياسات التنويع ؟ وإذا كان ذلك كذلك، فلماذا إذن لم نوجه تلك الجهود والدراسات والجدوى وعمليات التسويق والتصنيع نحو نخيل القرى القائمة أصلا من عهود سابقة خاصة وأن القرية تتمتع بمقومات عديدة كما ذكرنا ؟ واذا كان المشروع الحديث سيقوم على تحسين وتطوير الفسلات كما يقال فلماذا لا يدعم ملاك النخيل القائمة للقيام بذلك تحت إشراف (تنمية) ؟ … تناوشني الأسئلة التي تأبى أن تتوقف فلا أجد لها في حقيقة الأمر إجابات مقنعة. في دروب وأزقة المضيرب، وبين البساتين الخضراء المنعشة بروائح الثمار والأشجار والزراعات المرتوية من مياه الفلج المتدفق كنت أتساءل على وقع معرفتي ومشاهداتي لأفواج السياح الذين يتوافدون على القرية باعتبارها محطة أساسية للمتجهين الى رمال الشرقية وشواطئ بحر العرب وولايات وادي بني خالد والكامل وبدية وجعلان ورأس الحد وصور … فيما لو أن بعض الشباب اتفقوا على استثمار عربة أو عربتين صغيرتين يعملان بالطاقة الكهربائية على غرار تجربة المجمعات التجارية والسكنية الكبيرة، أو خيل لنقل السياح ومن يرغب من أبناء القرية لأخذ جولة في أرجائها وتخصيص أحد دكاكين السوق القديم لإنشاء مقهى يقدم الشاي والقهوة والتمر والحلوى العمانية والمأكولات الشعبية وتطويره لتنظيم فعاليات ثقافية وأنشطة اجتماعية ورمسات ليلية يجمع شباب القرية … ألن تنجح مثل هذه الأفكار وغيرها لتوفير فرص عمل للشباب؟. بعض المبادرات المجتمعية الناجحة في القرية مثل: تفعيل نشاط السوق القديم يوم الجمعة من كل أسبوع وتحويل بعض البساتين الى منتجعات سياحية وإحياء وتطوير جداد المبسلي … تسعد القلب وتشعرنا بشيء من الاطمئنان، ولكن الوضع الراهن لأحوال القرى يتطلب جهودا كبيرة وواسعة ودعما من الحكومة والقطاع الخاص ورجال الأعمال، فقد آن الأوان لإنقاذ القرى وحمايتها وإعادة الاعتبار لها بمفاهيم ورؤى وأفكار حديثة.

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى