الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : مؤشرات إحصائية تدق ناقوس الخطر.. ماذا نفعل؟

في العمق : مؤشرات إحصائية تدق ناقوس الخطر.. ماذا نفعل؟

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية وجود آلية وطنية في التعامل مع مؤشرات الإحصائيات والأرقام العددية التي يقدمها مشكورا المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في قطاعات التنمية المختلفة، وإيجاد آليات واضحة ملزمة في التعامل معها من قبل المؤسسات والقطاعات ذات العلاقة خاصة تلك المتعلقة بالمنظومة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والأخلاقية المجتمعية أو تلك المرتبطة بالاستقرار المعيشي وتحقيق الحياة الكريمة للمواطن العماني ، وبالتالي ما يمكن أن يطرحه من تساؤلات حول ماذا بعد نشر المركز لهذه الاحصائيات ، وكيف يمكن توظيف هذه التقارير الإحصائية والجهود النوعية المبذولة من المركز في سبيل خلق تحول نوعي في عمل المؤسسات عبر وجود آليات عمل واستراتيجيات أداء وخطط تنفيذ وبرنامج متابعة وغيرها؟، في ظل اعتمادها على منهج إحصائي رصين يتسم بالشفافية والوضوح مبنيا على تعدد أدوات التقصي والبحث والرصد في الحصول على المعرفة والمعلومة الصحيحة، والمتوزعة بين النشرات الإحصائية الشهرية والإحصائيات التخصصية، والمسوحات الالكترونية الدورية، واستطلاعات الرأي، وغيرها، لتشكل في مجملها رصيدا معرفيا وانتاجا فكريا يوثق البيانات بطريقة منهجية ويفرعها وفق متغيرات واسعة ليستفيد منها الباحثون والأكاديميون والطلبة والمؤسسات، فإن الخطوات النوعية والمبادرات الجادة التي يقدمها المركز في نقل هذه البوابة المعلوماتية الواسعة عبر شبكات التواصل الاجتماعي جميعها والواتس اب أضافت لها بعدا مهنيا وقيمة مضافة في الواقع الاجتماعي والمؤسسي.
ونعتقد أن من بين المؤشرات الاحصائية التي باتت تدق ناقوس الخطر وتستدعي وقفة وطنية تتكاتف القطاعات في سد ثغراتها أو إعادة هندسة عملها في الواقع، بحيث تضعها القطاعات المعنية أمام حراك وطني يشارك فيه المواطن ومؤسسات الدولة الاعلامية والتشريعية والقضائية والرقابية والقانونية والامنية والتعليمية، للحيلولة دون تعاظمها أو اتساع نطاقها، عبر بناء مسار واضح تتجه إليه خطوات الإنجاز خاصة في ظل ما يلاحظ من استمرار الارتفاع السلبي في جوانب يفترض فيها الانخفاض أو الانخفاض السلبي في جوانب أخرى يفترض فيها الارتفاع، نذكر على سبيل المثال لا الحصر، ما ورد في مجال الحالة السكانية للسلطنة التي بلا شك تبني عليها موازنات الدولة وخططها التنموية، حيث تشير الإحصائيات إلى أن عدد العمانيين بلغ 2.594.17 ويشكل ما نسبته 55.90% من عدد السكان بالسلطنة، في حين شكل إجمالي عدد الوافدين بنهاية أغسطس من عام 2018م (2.049.954 ) وافد بنسبة 44.10% من جميع السكان، في حين شهد عام 2016 أعلى زيادة لها حيث بلغت (2.081.000)، كماشهدت أعداد الأيدي العاملة الوافدة تزايدا مستمرا لها في الأعوام السابقة حيث بلغت في عام 2014( 1.732.000 مليون وافد)، وفي عام 2015(1.814.000) مليون وافد، وهم يشكلون ما نسبته (87%- 89%) من العاملين في القطاع الخاص، مقابل (13%- 11%) عماني.
وفي مجال السلوك الاجتماعي والاجرام والجناة فقد أشارت الاحصائيات إلى أنه تقع حوالي 3 جرائم لكل 1000 من السكان في السلطنة، وقد بلغ التوزيع النسبي للجناة العمانيين في عام 2017 ( 47 %) عمانيا، وفي عام 2016( 50%) عمانيا، وفي عام 2015 (48%)، كما أن التطور العددي للجرائم للأعوام 2013- 2017 مرتبة للعمانيين وغير العمانيين كالتالي: ( 26602/ 2013 و22624/2014 و18860/2015 و14136 / 2016 و14826/ 2017 ، مع أن مؤشرات إحصائيات أعداد الجرائم التي أصدرها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أشارت إلى زيادة نسبة الجرائم في عام 2017 عما هو عليه في عام 2016 بزيادة بلغت نسبتها 4.8%، حيث أظهرت الاحصائيات انخفاضا في عددها بنسبة 25% خلال العام 2016، مقارنة بالعام الذي قبله، ليسجل عام 2016، أقل الأعوام في عدد الجرائم.
كما أشارت الاحصاءات في المجال الاقتصادي إلى زيادة حجم التحويلات المالية للأيدي العاملة الوافدة خارج السلطنة، حيث بلغت 7.5 مليار ريال عماني في العامين 2016 و2017 بزيادة عما كانت عليه في الاعوام السابقة لها ( 2015 ( 4.226 مليار ريال عماني)، وعام 2014( 3.961 مليار ريالا عمانيا )،
وفي مجال الضمان الاجتماعي، فقد بلغ عدد الحالات المستحقة في عام 2017 (79.487) حالة بمبلغ وقدره (122.946) مليون ريال عماني بالرغم من الجهود الوطنية التي للجهات المختصة في الحد من زيادة عدد حالات الضمان وتبني برامج التمكين الاقتصادي لأسر الضمان الاجتماعي للخروج من مظلة الضمان، ومع أن عدد الحالات قد اتجه إلى الانخفاض عن عام 2016 إذ بلغ ( 81.942 ) حالة إلا أن المصروفات المالية كانت أعلى عنه، حيث بلغت في 2016 (119.129) مليون ريا ل عماني.
وفي مجال الاستقرار الزواجي، تشير الاحصائيات إلى استمرار تراجع حالات الزواج في السنوات الخمس حيث بلغت في عام 2013 (28.515)، وعام 2014(28.153)، وعام2015(25.659)، وفي عام 2016(24.014)، في حين شهد عام 2017 تراجعا أكبر في تسجيل وثائق الزواج حيث وصلت (22.284)، وبشأن حالات الطلاق شهدت زيادة في السنوات الخمس الاخيرة مقارنة بالانخفاض السلبي في حالات الزواج، حيث بلغت في عام 2013(3.5550) وعام 2014(3.622)، وعام 2015(3.619)، وعام 2016(3.736)، وحصل عام 2017 على الأعلى في عدد شهادات الطلاق حيث بلغت (3.867).
وفي مجال تشغيل الأيدي العاملة الوطنية فقد أشارت الاحصائيات إلى أن اجمالي عدد العمانيين المشتغلين في عام 2017( 434) ألف مشتغل، في حين يشهد عدد الوافدين المشتغلين بالسلطنة زيادة مستمرة في كل السنوات حيث بلغت في عام 2016 ( 1.825.603) وافدين، بزيادة عنها في عام 2017، حيث بلغ عدد الوافدين المشتغلين (1.832.072)، وبلغت نسبة التعمين في القطاع الحكومي للعمانيين (83.5%) عام 2016 مقارنة بنحو (11.6%) فقط من العمانيين في القطاع الخاص، حيث بلغ عدد الوافدين المشتغلين في القطاع الخاص (90%)، مقابل (10%) منهم في القطاع الحكومي، هذا بالاضافة إلى أن (32.7%) من العمانيين المشتغلين في القطاع الخاص يعملون في المهن الكتابية، بينما (46.1%) من الوافدين المشتغلين في القطاع الخاص يعملون في المهن الهندسية الأساسية والمساعدة.
وفي المقابل تشير الاحصائيات إلى أن أعدد الباحثين عن عمل بلغ (43.8) ألف باحث عن عمل في السلطنة عام 2016، وأن (77%) من الباحثين عن عمل في سن الشباب دون سن 30 عاما، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 82% بين الذكور مقابل 74% بين الإناث، كما أشارت إلى أن نسبة حملة شهادة الدبلوم العام من الباحثين عن عمل شكلت (31%)، في حين بلغت الإناث الباحثات عن عمل من حملة مؤهل جامعي فأعلى (47%).
وعليه فإن هذه المجالات التي أشرنا إلى بعض الوقفات الاحصائية حولها تبرز حجم التحولات التي يمكن أن تعكسها على الواقع الاجتماعي والتأثير على مسألتي الهوية والأمن، فإن استمرار مؤشرات الزيادة او النقص في احد هذه المجالات يترك بصماته على فقه الأجيال وثقافة المواطن وقناعاته وانعكاسات ذلك على الممارسة الشبابية المجتمعية، خاصة في ظل العلاقة الحاصلة بين هذه الملفات كالباحثين عن عمل والجرائم والجنح والاستقرار الاسري والاجتماعي وتركيبة الاسرة العمانية وما يتركه الزيادة المستمرة في اعداد الوافدين واستئثارهم بالتخصصات الهندسية في القطاع الخاص، والتحويلات الكبيرة لليد العاملة الوافدة من عبء اجتماعي واقتصادي على المواطن، وما يتركه زيادة مؤشر الباحثين عن عمل وبخاصة من حملة المؤهلات الجامعية فأعلى من استحقاقات قادمة على مسار التعمين والتشغيل للشباب ، وأثر مؤشر حالات الضمان الاجتماعي على مفهوم التمكين الاقتصادي والاجتماعي للمرأة العمانية في ظل ما تشير إليه الاحصائيات من أن المرأة تشكل ما نسبته (53%) من مستحقي الضمان، على أن وعي المواطن نفسه وجاهزيته في التعاطي مع التبعات الناتجة عن هذه الإحصائيات، وامتلاكه لأدوات التعامل مع البيانات وكيفية إدارتها والاستفادة منها في واقع حياته اليومية، فمؤشرات الاستهلاك اليومي والصحة الجسمية والرياضة وغيرها مجالات مهمة ترتبط بوعي المواطن وقدرته على استيعابها بكفاءة عالية.
من هنا تأتي أهمية بناء مسارات عمل قادمة تتيح مزيد من البحث والتحليل والتشخيص والحوارات واللقاءات والندوات وحلقات العملفي قراءة نواتج هذه المؤشرات على الواقع، ونعتقد بأن إيجاد مؤسسة وطنية عليا ترعى هذا الجانب أو تفعيل المؤسسات القائمة وتعزيزها بالتشريعات الداعمة وأدوات المتابعة والتقييم والضبطية والتصحيح لتحقيق مفهوم المسؤولية المشتركة وبناء الفرص في سبيل دعم مسارات المحاسبية والالزام التي تقدمها هذه المؤشرات وتفصح عنها في الواقع، لجعلها أرقاما صعبة لها موقعها وحضورها في ثقافة العمل الوطني وخطط المؤسسات واستراتيجيات ادائها،وتقديم حلول واقعية في التعامل مع تجلياتهافي المشهد العماني.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى