الإثنين 24 سبتمبر 2018 م - ١٤ محرم ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : ربع قرن من الخداع

رأي الوطن : ربع قرن من الخداع

ربع قرن مضى على توقيع منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو والذي صادف الـ13 من سبتمبر عام 1993م، والذي نص على الاعتراف المتبادل، وتطبيع العلاقات بين الجانبين، وإجراء مباحثات لمدة خمس سنوات تنتهي بإقامة دولة فلسطينية، إلى جانب دولة الاحتلال الإسرائيلي، وحشد التأييد الدولي لهذه الخطوة.‏
لقد كان ينظر الفلسطينيون الموقِّعون إلى هذه الاتفاقية على أنها بوابة الأمل في الحصول على حقوق الشعب الفلسطيني، اعتقادًا منهم أن ما لم يحصلوا عليه بالسلاح والمقاومة سيحصلون عليه بالسياسة والتفاوض. إلا أن الصورة الحقيقية التي كان يختبئ فيها المحتل الإسرائيلي وأهدافه ومشروعاته الاحتلالية والاستعمارية والتصفوية للقضية الفلسطينية، التي لم يتبنها الطرف الفلسطيني، بدأت تفاصيلها تظهر شيئًا فشيئًا مع مرور السنين، ومع كل حدث مفصلي تمر به القضية الفلسطينية، حيث كانت اتفاقية أوسلو خلال تلك السنين بمثابة قطار ينتقل من محطة إلى أخرى، يتم مع كل محطة تجديد الأمل في أنفس الموقعين على الاتفاقية بالوعود البراقة الجوفاء، كان بعض الحضور العربي ـ للأسف الشديد ـ بمثابة شاهد زور، وفي أحيان أخرى ظهر فيها بلباس المتاجر الباحث عن الحظوة لدى السيد الصهيو ـ أميركي، ليصل قطار أوسلو بعد رحلة دامت خمسًا وعشرين سنة، تعرض فيها الفلسطينيون الموقِّعون لأكبر خديعة في التاريخ الاستعماري الحديث، ولأبشع أساليب الابتزاز، إلى محطته الأخيرة تقريبًا التي تمكن الصهيو ـ أميركي من ترتيب الرحلة وأجوائها وظروفها وفق ما خططا له قبل بدء التفاوض على الاتفاقية والتوقيع عليها.
بعد مرور ربع قرن على الاتفاقية، لا يزال الفلسطينيون منقسمين عليها، فهناك من يراها أنها خديعة تاريخية، وأبشع ظلم يُرتكب بحق الشعب الفلسطيني وقضيته، وهناك من لا يزال يُمني النفس، ويملؤها بآمال وأحلام غير قابلة للتحقق من خلال الاتفاقية ذاتها. فالاتفاقية ـ في تقديرنا ـ كانت بمثابة توقيع على بياض للعدو الإسرائيلي تمكن العدو عبرها من مصادرة خيار المقاومة وإضعاف النَّفَس المقاوم لدى المواطن الفلسطيني، وتقسيم الشعب الفلسطيني إلى أقسام وأشتات على النحو الماثل اليوم في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، مكنت الاتفاقية العدو الإسرائيلي بصورة أكبر من أن يرسي قواعد جديدة للتعامل مع الواقع الجديد، بقضم الحقوق الفلسطينية، وتغيير الجغرافيا، وتهويد الأرض وتسريع وتيرة الاستيطان الاستعماري، ومواصلة دس سموم التنافر والفرقة والتشاحن بين الفلسطينيين المنقسمين، ونعني بهم حركتي فتح وحماس.
وبعيدًا عن المبالغة، ومن خلال النسبة والتناسب بين ما تحقق للمحتل الإسرائيلي، وما تحقق للجانب الفلسطيني من خلال الاتفاقية، فإن الاتفاقية أعطت كيان الاحتلال الإسرائيلي ما لم يستحقه، وطوال عمر الاتفاقية البالغ ربع القرن، عملت حكومات الاحتلال الإسرائيلي المتعاقبة على ممارسة شتى أساليب الابتزاز والتنصل، وعطلت جميع بنود الاتفاقية، ليجد الشعب الفلسطيني نفسه اليوم أمام الحقيقة المرة المتمثلة في ما يسمى بـ”صفقة القرن” والمعبأة بـ”اللاءات” الشهيرة لبنيامين نتنياهو رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي، التي تلغي جميع قضايا الوضع النهائي، ويقود تنفيذها بشكل صارخ الولايات المتحدة بدءًا باعترافها بالقدس المحتلة عاصمة لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وقرارها نقل سفارتها من تل أبيب إلى المدينة المحتلة، ومرورًا بقرار واشنطن بقطع الدعم عن وكالة الأمم المتحتدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”؛ ترجمة لـ”لا عودة اللاجئين الفلسطينيين”، وأخيرًا وليس آخرًا إغلاق أميركا مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن.
اليوم، وبعد هذه المسيرة الشاقة والظالمة، حان الوقت لأن يعيد الفلسطينيون ترتيب بيتهم الداخلي، وأن يفكروا ويقدروا ما هم فيه الآن من مخطط تصفوي تآمري أوصلهم إليه تفككهم، ووثوقهم غير المحسوب لقوى وأنظمة لها مصالحها وحساباتها وتحالفاتها أرادت من خلال ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي تحقيق مكاسبها الخاصة، وخدمة كيان الاحتلال الإسرائيلي على حساب حقوق الشعب الفلسطيني.

إلى الأعلى