الأحد 20 أكتوبر 2019 م - ٢١ صفر ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : ربع قرن على أوسلو..الحصاد المر

شراع : ربع قرن على أوسلو..الحصاد المر

خميس التوبي

حين قبلت منظمة التحرير الفلسطينية التفاوض حول اتفاقية أوسلو ثم التوقيع عليها، كانت في خلفية التوقيع ـ كما يبدو آنذاك ـ أن هذه الاتفاقية يمكن أن تكون بمثابة البوابة الحقيقية نحو تحقيق السلام، والاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وذات السيادة، بجوار دولة الاحتلال الإسرائيلي، ولتكون بديلًا عن العمل المسلح المقاوم، ولا يخفى في هذا الجانب الدور الكبير الساند الذي لعبه عرَّابو الاتفاقية من العرب. إلا أن الذي حدث ـ وكما أظهرته الوقائع والأحداث التي تلت الاتفاقية ـ أن الاتفاقية لم تكن سوى خديعة صهيو ـ أميركية، لضرب أكثر من عصفور تبينت تباعًا، على النحو الآتي:
أولًا: قتل النَّفَس المقاوم لدى المواطن الفلسطيني والمواطن العربي، ذلك أن كيان الاحتلال الإسرائيلي يدرك يقينًا أنه لن يكون طوال الوقت قادرًا على مواصلة الحروب مع العرب التي تستنزف موارده وطاقاته، وكذلك تستنزف موارد وقدرات حلفائه الاستراتيجيين؛ لذلك لا بد من جر الفلسطينيين والعرب إلى بديل آخر تُنحى فيه البندقية جانبًا، وتقتل به وفيه كل القيم والمبادئ والأدبيات ومشاعر الكرامة والكبرياء التي طغى عنفوانها في الحقبة الناصرية، وتمسح به وفيه من الذاكرة كل الشعارات القومية ومشاعر العداء.
هذه الحقيقة لم تمكث زمنًا بعد التوقيع الشهير على اتفاقية أوسلو في الثالث عشر من العام 1993م، فقد صمتت بندقية المقاومة سريعًا، وانخرست الألسن، وتبلدت الضمائر، وفقدت الذاكرة العربية وعيها.
واللافت، أن كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفاءه الاستراتيجيين أنهم بنوا على الشيء مقتضاه، ومقتضى الاتفاقية هنا هو إيجاد عدو بديل للكيان الإسرائيلي الغاصب يُرسَّخ في ذاكرة العرب وقلوبهم، ألا وهو الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث سقطت مع هذا النجاح كل المفاهيم، مفهوم العمل العربي المشترك، مفهوم الدولة القطرية، ومفهوم القومية، والتعاون العربي والإسلامي، وسقطت كل القيم والأخلاق. وللمفارقة التاريخية أن لكل حدث مفصلي يتعلق بالقضية الفلسطينية رعاته وعرَّابيه من العرب، وكما يتحدث الإسرائيليون أنفسهم عن أن الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك عرَّاب اتفاقية أوسلو، أجبر الرئيس الراحل ياسر عرفات على التوقيع على الخرائط المرفقة بنص الاتفاقية، واصفًا إياه بـ”ابن الكلب”. واليوم يتصدر مشهد الذود عن كيان الاحتلال الإسرائيلي والتحبيب فيه والتودد إليه، والتطبيع معه، عربان وأعراب سخَّروا أموالهم وإعلامهم لترسيخ العدو البديل في الفكر والذاكرة، وعملوا على إرضاع النشء أن “إسرائيل” صديق وحليف، وإيران “عدو”.
ثانيًا: تفسيخ المنطقة وتفكيكها باستهداف دولها، وتحديدًا الدول التي لا تقاسم كيان الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة النظرة فيما يتعلق بملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ويأتي في مقدمة هذه الدول العراق وسوريا وليبيا واليمن والتي تمثل قوة عسكرية وبشرية، يمكن أن تكون قوة بديلة للقوة البشرية والعسكرية لمصر بعد إخراجها من معادلة الصراع عبر معاهدة كامب ديفيد. ولإنعاش الذاكرة العربية، فإن اتفاقية أوسلو جاءت بعد الوقيعة الصهيو ـ أميركية بعراق صدام حسين، واستدراجه لغزو الكويت، لتمرير مخطط استهداف العراق ومحاصرته اقتصاديًّا، فجاءت الاتفاقية في الشكل بمثابة جائزة ترضية للعرب على إخراج العراق من ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ومن المعادلات الإقليمية والدولية، لكنها في الجوهر لأجل تنويم العرب والفلسطينيين في عسل أوسلو واستغراقهم فيها، وإعطاء كيان الاحتلال الإسرائيلي الوقت الكافي الذي امتد لربع قرن لكي يسلب حقوق الشعب الفلسطيني، ويغتصب الأرض بالاستيطان الاستعماري، ويهود المقدسات ويدنسها، ويهجر ويشرد على النحو الماثل اليوم. كذلك فإن ما يسمى “خطة خريطة الطريق” جاءت في الشكل بمثابة جائزة ترضية للعرب على احتلال الولايات المتحدة العراق وتدميره، ونهب ثرواته، وتشريد شعبه، وتمزيق نسيجه الاجتماعي، واغتيال علمائه، وتجفيفه من كل ثرواته العلمية والبشرية والطبيعية، والهدف من الخطة ذاته وهو تنويم العرب والفلسطينيين في عسل الوعود الجوفاء وأحلام اليقظة التي تضمنتها “خطة خريطة الطريق”، ليستكمل كيان الاحتلال الإسرائيليمشروعه التلمودي، دلل على ذلك رسالة الضمانات الشهيرة من قبل الرئيس الأميركي جورج بوش “الصغير” إلى رئيس حكومة الاحتلال الراحل أرييل شارون.
ثالثًا: بعيدًا عن المبالغة، فإن ما يقطفه كيان الاحتلال الإسرائيلي وحلفاؤه الغربيون وفي مقدمتهم الولايات المتحدة من أزهار ما سمي زورًا بـ”الربيع العربي” هو إحدى نتائج اتفاقية أوسلو التي عطلت العمل العربي المشترك، والأمن القومي العربي المشترك، وأطاحت بالدولة القطرية والقومية، وراهنت على مفاوضات مع عدو أسقط الاعتراف بالحقوق الفلسطينية من كل أدبياته وبرامجه السياسية، فكانت نتيجة كل جولة تفاوض حملًا كاذبًا.لذلك ما يسمى بـ”الربيع العربي” هو استكمال لحصد الأهداف، وإنجاز المشروعات الاستعمارية التي بنيت عليها. فهل صورة المشهد التي تبدو عليها كل من العراق وليبيا وسوريا واليمن وتونس هي من أجل شعوبها حقًّا؟ أم من أجل تحقيق الهدف الأكبر وهو تأمين بقاء كيان الاحتلال الإسرائيلي خنجرًا مسمومًا مغروزًا في خاصرة الجسد العربي؟
ها هم الفلسطينيون والعرب بعد ربع قرن من الإخفاقات المتتالية لاتفاقية أوسلو بلجم العدو الإسرائيلي يتابعون التنفيذ المتدحرج من قبل الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي لما يسمى بـ “صفقة القرن” التي تعد الثمرة الكبرى لـ”ربيع العرب”، بالاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة لكيان الاحتلال، والقرار بنقل السفارة الأميركية إلى المدينة المحتلة، وقطع التمويل عن وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، وإغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وها هو وزير المخابرات والمواصلات الإسرائيلي يسرائيل كاتسيكشف عن وجود مخطط أميركي، لم يعلن عنه رسميًّا، يجري العمل على صوغه في أروقة البيت الأبيض يهدف إلى توطين اللاجئين الفلسطينيين في أماكن وجودهم في الأردن وسوريا ولبنان والعراق. وكت بكاتس في تغريدة على حسابه في”تويتر” مساء الثلاثاء الماضي: “أرحب بمبادرة رئيس الولايات المتحدة ترامب، بتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن وسوريا ولبنان والعراق”.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى