الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / تقاليد روحية في أمسية “المدائح النبوية” والتصوف الإسلامي والموسيقى الصوفية والإنشاد الديني والطريقة المولوية

تقاليد روحية في أمسية “المدائح النبوية” والتصوف الإسلامي والموسيقى الصوفية والإنشاد الديني والطريقة المولوية

متابعة ـ فيصل بن سعيد العلوي : تصوير خالد البوسعيدي :
ليلة صوفية حققت التنوع الموسيقي الذي تقدمه دار الأوبرا السلطانية العمانية مسقط وقدمت صورا متنوعة من الموسيقى الصوفية التي ترتبط بشكل وثيق مع التقاليد الروحية في أمسية صوفية تصدرها المدائح النبوية في ميلاد اشرف الخلق محمد عليه الصلاة والسلام ، والتي اقيمت مساء يوم الاثنين الماضي بعنوان “أمسية من الإنشاد الصوفي” بمشاركة مجموعة الصفا للإنشاد الديني من السلطنة ، وفرقة نجم الدين سيف الدين وإخوانه من باكستان ، والمجموعة التازية من المغرب ، وفرقة قدسي إرجونر ومؤذنو إسطنبول من تركيا ..
تأتي هذه الأمسية لتؤكد ما أعطته بعض المذاهب الصوفية للموسيقى دورا محوريا كوسيلة للتأمل والسمو الروحي، وقد أخذ أشكالا وطقوسا على امتداد الزمان والمكان، ومن نماذج الإنشاد الصوفي منها المولد في الثقافة العمانية وهو تقديم المدائح النبوية بإطار إنشادي خاص، وفن القوالي وهو شعر صوفي هندي بكستاني يتم تقديمه برفقة الموسيقى.
التصوف الإسلامي
بدأت احتفائية دار الاوبرا السلطانية بالإنشاد الصوفي من خلال الندوة التي اقيمت قبل ليلة الفعالية حيث قدمت فيها الدكتورة آسية بنت ناصر البوعلي ورقة بعنوان “التصوف الإسلامي : رؤية نظرية عامة والعلاقة بين الفن والتصوف الإسلامي” وسعت في هذه الدراسة في رؤيتها النظرية العامة إلى توضيح تعقيدات تعريف التصوف من حيث اللغة والمصطلحات ، كما ركزت في دراستها على إظهار أن ظاهرة التصوف ليست قاصرة على الدين الإسلامي ، فتناولت التصوف الإسلامي وابرز أصوله الدينية ، كما وضحت أن التصوف الإسلامي بوصفه أسلوب حياة له أهدافه وينعكس في عدة أشكال خارقة للعادة ، علاوة على ذلك ركزت الدراسة على تبيان دور الموسيقى والرقص بوجه عام في الطقوس الدينية القديمة ، مع التركيز على دورها في التصوف الإسلامي ، ويظهر من خلال توضيح العلاقة بين الفن والتصوف.
الروحانيون والمنشدون
اما بيتر بانكي من ألمانيا وهو باحث في علم الحضارة الصينية والتاريخ الهندي والأديان المقارنة وعلم الموسيقى في جامعات هامبورج وماربورج وميونخ ، فقدم ورقة بعنوان “الروحانيون والمنشدون الموسيقى الصوفية في وادي نهر سند” وسرد فيها تاريخ استمر خمسة وأربعين عاما من الملاحظة والتدقيق في الثقافة الصوفية في وادي السند ، ومجموعة التعبيرات المتنوعة للأنواع الموسيقية التي لم تحظ بقدر كاف من الدراسة لمنطقة وادي السند بداية من مؤلفات القوالي المطربة المستوحاة من أبيات حب صوفية ، والألحان الرائجة ، ووصولا إلى موسيقى الانجذاب الصوفي البلوشية ، واناشيد الدراويش والفقراء الهائمين المرتحلين ، منذ عام 1969 عندما قضى الكاتب عاما عند ضريح لال شاهباز قالاندار في سهوان شريف وشريح شاه عبداللطيف في بهت شاه ، لم يتعرف على الموسيقى فحسب ، بل أكتشف أيضا الكلمات والصور والألوان والعادات التي تمتزج لتحيك نسيج تلك الثقافة الغنية لوادي السند ، وحينما عاد عام 1997 لتنظيم مهرجان للموسيقى الصوفية للاحتفال بالذكرى الخمسين لباكستان ، وجد الموسيقى أكثر ثراء وتنوعا مما كان يتذكرها ، ومنذ تلك الفترة تغير وضع الأضرحة الصوفية بدرجة كبيرة ، وتوفي الكثير من الموسيقيين الذين دعاهم إلى ألمانيا ، ان كتابه بعنوان “القديسون والمنشدون الموسيقى الصوفية في وادي السند” الذي يضم نصوصا وصورا وموسيقى ، قد طبع في الأصل في ألمانيا عام 2001 ولكنه أعيد طبعه في مطابع جامعة أكسفورد كراتشي عام 2014 ، ويرسم الكتاب الذي يعتبر بمنزلة ذكرى تشهد الأضرحة والموسيقيين الصورة التاريخية اللازمة لمناقشة تاريخ الثقافة الصوفية وحاضرها في باكستان.
الطريقة المولوية
ومن السلطنة قدم الباحث جمعة بن خميس بن سالم الشيدي ورقة بعنوان “الإنشاد الصوفي في مالد الهوامة في سلطنة عمان” ننشرها كاملة في هذا العدد ، اما قدسي إرجونز من تركيا فقدم ورقة بعنوان “الموسيقى في الطريقة المولوية الصوفية” وجاء في ورقته “خلال العصر العثماني الذي انتشرت فيه الطرق الصوفية المختلفة ، كانت المولوية هي الطريقة الوحيدة التي دمجت بين الآلأت الموسيقية والذكر ، وكان استاذهم جلال الدين الرومي رجلا مرهف المشاعر سريع التأثر ، في رأيه أن صوت الآلات الموسيقية ، ولا سيما الناي أو الربابة ، وصوت المنشد ، وأي صوت عذب حتى صوت صانع الحلي وهو يدق بمطرقته كلها أصوات ذكر الله ، وكانت بداية تعاليمه الشعرية تكمن في كلمة “أستمع” .. أستمع إلى صوت الناي كيف يبث آلام الحنين”.
وفي القرن الرابع عشر قام ابن جلال الدين الرومي الذي يعتبر استاذا ثانيا بعد والده ، بوضع طقوس لتقاليد دراويش المولوية ، وانبثق شكل جديد للموسيقى ليصاحب الطقوس ، ومنذ هذه الفترة ظهرت اكثر من ستين مقطوعة لتشكّل في مجملها تراثا موسيقيا غنيا ، وتعتبر هذه الأشكال في عالم المقامات أكثر الأشكال تطورا وطولا ، إذ تستمر كل قطعة أكثر من 60 دقيقة ، والسماع في الطريقة المولوية يعرف باسم المقابلة ، عقب تلاوة القرآن الكريم والثناء على النبي محمد عليه الصلاة والسلام ، يقدم الناي تقاسيم اتجالات على مقام القطعة المختارة ومن ثم تبدأ المقدمة الموسيقية ، في هذا البشرف ، يقدم الدراويش موكبا في قاعة السماع ( سماع خانة) عبر تحية أحدهم الآخر وفقا لطقوس معينة ، ثم تبدأ الموسيقى المؤلفة على أشعار الرومي ويشرع الدراويش في الرقص ، وفي نهاية كل رقصة يتم تقديم موسيقى خاصة على شرف المؤلف والشاعر وليد شلبي .. وقد قدمت فرقتنا مقطوعة “نياز أييني” في مقام سيكا.

امسية الانشاد الصوفي

وفي امسية الإنشاد بدأت الفرقة العمانية (مجموعة الصفا للإنشاد الديني ) اناشيدها وقدمت انشودة بعنوان “من مثل أحمد” القصيدة الشهيرة التي جاء فيها :

من مثل أحمد في الكونين نهواه
بدر جميع الورى في حسنه تاهو
من مثله واله العرش شرفه
في الخَلق والخُلق إن الله أعطاه
الشمس تخجل من أنوار طلعته
حارت عقول الورى في وصف معناه
تبارك الله ما أحلى شمائله
حاز الجمال فما أبهى محياه
يا عُربَ وادى النقايا يا أهل كاظمة
في حيكم قمر في القلب مأواه
صلى عليه اله العرش ماطلعت
شمس وما حثحث الحادي مطاياه

كما ألقت الفرقة نشيد “قد تمم الله مقاصدنا” ، وموال “هلالك كم تحن له القلوب” للقصيدة الشهيرة التي فيها :

هلالك كم تحن له القلوب
و ذكرك كم يردد يا حبيب
و كم باتت بحرقتها جفون
يؤرقها التأوه و النحيب
إذا ما الجذع حنّ إليك يوما
و كاد لفرط حسرته يذوب
فماذا يفعل المسكين منا
و في أحشائه هذا اللهيب
فهلّا كنت ذاك الجذع يوما
و أنت لي المداوي و الطبيب
فكفك تمسح العبرات مني
و ثغرك سيدي مني قريب
و نبض الشوق قد يحيي رفاتي
إذا ما ضمني الصدر الرحيب
رسول الله لي أمل و إني
لأعلم لأدري كم زللت و ما أصيب
و أدري أن زلاتي كبار
و أن الجذع ليس له ذنوب

بردة البوصيري
بعدها قدمت فرقة نجم الدين سيف الدين وإخوانه عدد من الاناشيد ابرزها نشيد “وحدة الوجود” من الشعر التقليدي الباكستاني ، كما تم انشاد قصيدة “البردة” للإمام البوصيري وجاء فيها :

محمد سيد الكونين والثقليـ
ـن والفريقين من عرب ومن عجمِ
نبينا الآمرُ الناهي فلا أحدٌ
أبر في قولِ لا منه ولا نعم
هو الحبيب الذي ترجى شفاعته
لكل هولٍ من الأهوال مقتحم
دعا إلى الله فالمستمسكون به
مستمسكون بحبلٍ غير منفصم
فاق النبيين في خلقٍ وفي خُلُقٍ
ولم يدانوه في علمٍ ولا كرم
وكلهم من رسول الله ملتمسٌ
غرفاً من البحر أو رشفاً من الديمِ
وواقفون لديه عند حدهم
من نقطة العلم أو من شكلة الحكم
فهوالذي تم معناه وصورته
ثم اصطفاه حبيباً بارئُ النسم
منزهٌ عن شريكٍ في محاسنه
فجوهر الحسن فيه غير منقسم
دع ما ادعثه النصارى في نبيهم
واحكم بما شئت مدحاً فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف
وانسب إلى قدره ماشئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له
حدٌّ فيعرب عنه ناطقٌ بفم

إضافة إلى “غزل” وهو من الشعر التقليدي للمؤلف احتشام الدين حسين.

فرقة التازية

بعدها قدمت الفرقة التازية ثلاث حصص من المشاركة ، الحصة الأولى كانت في طبعي الرصد والحجاز بعنوان “تطريب القلوب في ذكرى مولد المحبوب” على إيقاعات “عمارة” و”قدام” و”جلاله” و”درج مهزوز” و”اقتباس ” و”انصراف الدرج” و”مثلث”. اما الحصة الثانية فكانت بعنوان “روح وريحان في ذكر شمائل النبي العدنان” بدأت بتقسم على آلة الناي تلاه إيقاع “درج” ثم “توشيه” ثم “وقفة موال” ثم تغطية “إيقاع قدام” ، وفي الختام قدمت الفرقة التازيه في الحصة الثالثة تقسيك على آلة السارز بدأتها موسيقية وقصيدة لنبينا محمد عليه الصلاة والسلام ومن القصائد التي قدمتها الفرقة قصيدة :

هتفت بمولد أحمد الأزمان وتههلت ببزوغه الأكوان وتفتحت دنيا الأنام بشائرا
وتزينت فكأنها بستان
فرحا بما قد بشرت بظهوره
رسل الإله وأخبرت أديان
بشرى لآمنة به ولأمة
قد جاءها ودليله القرآن

قدسي ارجونر

وفي الختام قدمت فرقة قدسي ارجونر التركية ترتيل لعدد من آيات القرآن الكريم ، تلاه تقسيم بالناي ( كدسي إرجونر” ، تلاه الموسيقى المولوية ، ثم نشيد “طلع البدر علينا” ، ثم “نات شريف” ، ثم “قصيدة” ، ثم عزف بيشرف على مقام “فرحفزا”.

إلى الأعلى