الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / سينما الجاسوسية

سينما الجاسوسية

د.احمد مصطفى

” قبل سنوات كشف جنرال اسرائيلي إيلي زعيرا الذي كان على رأس المخابرات العسكرية وقت هزيمة اسرائيل في حرب اكتوبر 1973 عن اسم الجاسوس المصري رفيع المستوى الذي أبلغ اسرائيل بموعد الحرب. ومنذ ذلك الحين ثار جدل في وسائل الإعلام، الاسرائيلية منها بخاصة، لم يصل إلى وسائل الإعلام العربية عن الجاسوس الاستثنائي وهل كان عميلا مزدوجا أم كان جاسوسا لصالح مصر استخدمه السادات لتضليل الاسرائيليين.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

شاهدت مؤخرا فيلم الملاك الذي انتجته شركة نتفلكس للتوزيع الترفيهي عبر الانترنت، وقضيت ما يقارب الساعتين وأنا أحاول أن أجد فيه شيئا جيدا يستحق المشاهدة فلم أجد. ورغم أني لا أفهم في السينما بشكل تقني وفني، إلا أن تقديري الانطباعي أنه فيلم ضعيف جدا من كل النواحي بدءا من السيناريو مرورا بطاقم الممثلين إلى الاضاءة والتصوير. والفيلم مأخوذ من كتاب للمؤلف الاسرائيلي يوري بار- جوزيف يعد معقولا ككتاب إلا أن النص في الفيلم شوه الكتاب تماما ناهيك عن الأخطاء البدائية التي جعلت رسم الشخصيات باهتا إلى حد السخف. لكن لا بد من الاعتراف أنني لم أشاهد الفيلم، وكنت قرأت الكتاب من قبل، من أجل المتعة الفنية فحسب وإنما بسبب موضوعه. فالكتاب، وبالتالي الفيلم، هو عن قصة جاسوسية (من ملفات المخابرات الاسرائيلية كما كان يقدم للدراما المصرية المشابهة عن جمعة الشوان ورأفت الهجان وغيرهما “من ملفات المخابرات المصرية”). أما الجاسوس الملقب بالملاك فليس بالشخص العادي، بل هو أشرف مروان: زوج ابنة الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر وسكرتير الرئيس المصري الراحل أنور السادات لشؤون المعلومات ورئيس الهيئة العربية للتصنيع سابقا.
قبل سنوات كشف جنرال اسرائيلي إيلي زعيرا الذي كان على رأس المخابرات العسكرية وقت هزيمة اسرائيل في حرب اكتوبر 1973 عن اسم الجاسوس المصري رفيع المستوى الذي أبلغ اسرائيل بموعد الحرب. ومنذ ذلك الحين ثار جدل في وسائل الإعلام، الاسرائيلية منها بخاصة، لم يصل إلى وسائل الإعلام العربية عن الجاسوس الاستثنائي وهل كان عميلا مزدوجا أم كان جاسوسا لصالح مصر استخدمه السادات لتضليل الاسرائيليين. ولم يحسم هذا الجدل لأن كثيرا من الوثائق المتعلقة بتلك الفترة لم يكشف عنها بشكل كامل، حتى رغم اعتماد عدد من الباحثين على بعض ما تسرب عن تحقيق لجنة أغرانات التي حققت لسنوات في أسباب هزيمة اسرائيل في حرب أكتوبر. ولم يكن أشرف مروان بحاجة لذلك الكشف الرهيب ليحيط حياته بالألغاز التي لازمته طوال الوقت بسبب علاقاته المتشعبة والواسعة في عالم السياسة والأعمال، بما في ذلك تجارة السلاح وغيرها. وفي قصص الجاسوسية عامة تختلط دراما الكتابة ببعض حقائق ومعلومات ناقصة ويسعى كل بلد إلى تعظيم قدراته ورسم صورة لأجهزته تعزز من مكانتها في نفوس مواطنيها.
منذ وفاة أشرف مروان الغامضة في صيف 2007 بسقوطه من شرفة شقته في حي راق وسط العاصمة البريطانية لندن، أضيف جدل جديد حول من دفعه (أو ألقى به بعد قتله) ومن المستفيد من اختفائه. في ذلك الوقت كان “التلميح” إلى دور الرجل في التخابر مع العدو الاسرائيلي قد أصبح مادة لدراسات وليس فقط تقارير صحفية مثيرة. وأصبح طرفي لعبة جاسوسيته أمام موقف صعب يتطلب الكشف عن أسرار إما لتبرئته أو إدانته. وهناك من تحدث عن أنه كان بدأ في كتابة مذكراته وأن من يخشون من كشفه لهم سارعوا بقتله قبل أن ينتهي منها أو ينشرها. وكل ذلك متوقع أن يتردد حول شخصية مثيرة للجدل، وربما كانت راغبة فيه وتسعى لإثارته، مثل أشرف مروان. ليس القصد هنا هو كل ذلك الجدل وما هو صحيح فيه وما هو من نسج الخيال أو ما يقع في إطار “الحرب النفسية” التي تستخدم عالم الجاسوسية المثير والمؤثر. لكنني أعود إلى موضوع سينما الجاسوسية عامة وذلك الانتاج الردئ من نتفلكس.
غالبا ما كنا نتندر على أفلام الجاسوسية المصرية، خاصة التي تقوم ببطولتها نجمات يتركز الفيلم عليهن. لكن بعد مشاهدة فيلم الملاك أظن أننا كنا مخطئين، فقد كان في تلك الأفلام بعض السينما أكثر من فيلم الملاك. هناك نوعية من أفلام الجاسوسية، مثل أفلام جيمس بوند، تبنى حبكتها الدرامية على أساس قصص خيالية تماما لا تدعي أنها “من ملفات المخابرات” ولكنها تقدم سينما خالصة من تمثيل وإخراج وكافة جوانب الانتاج السينمائي. هذه النوعية تقيم على أساس أنها سينما أولا وأخيرا. أما تلك الأفلام التي يفترض أنها تحول قصة تجسس بها قدر من الحقيقة التاريخية إلى عمل درامي فينظر إليها بشكل مختلف، وإن ظلت سينما لكنها أيضا عمل فني يتسع نطاق تقييمه ليشمل الصورة التي يقدمها للقصة التاريخية. وفي السينما العالمية، والعربية، أفلاما كثيرة كهذه الأخيرة تركزت الغربية منها على الحرب العالمية ومقاومة الغرب للنازية والفاشية والحرب الباردة والصراع بين الغرب والسوفييت. أما العربية فأغلبها فتدور في سياق الصراع العربي الاسرائيلي.
لم يخرج فيلم الملاك، أو على الأقل يفترض ذلك، عن سينما الجاسوسية كجزء من الصراع العربي الاسرائيلي. لكن فيلم نتفلكس، وهو في الواقع كأنه انتاج اسرائيلي، ظهر رديئا كسينما ومشوها كنص ـ حتى أنك لا تخرج من مشاهدته بشئ. اللهم إلا اذا كانت سينما الجاسوسية أصابها ما أصاب بقية أعمال البشر في الآونة ألخيرة من قلة الجودة والسطحية والتفاهة في أغلب الأحيان. وأتمنى أن تنتج السينما العربية فيلما عن “الشيطان” الذي افترض أنه سيكون الاسم الحركي لأشرف مروان لو كان عميلا مزدوجا لمصر واسرائيل أو دسته المخابرات المصرية على الاسرائيليين. وأتصور أنه سيكون أفضل كثيرا من فيلم الملاك الذي انتجته نتفلكس.

إلى الأعلى