الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / إعادة إحياء الجمال: قراءة في ترجمة فهد السعيدي لرواية “ساحر أوز العجيب”

إعادة إحياء الجمال: قراءة في ترجمة فهد السعيدي لرواية “ساحر أوز العجيب”

مبتدأ
قبل أربع أو خمس سنوات، تواصل معي العزيز فهد السعيدي طالباً مني تشكيل فريقٍ لترجمة روايات إنجليزية إلى العربية، كان متحمسا جدا للفكرة بل وقد حدد أولى أهدافه، وهي سلسلة “The Lion, the Witch and the Wardrobe – الأسد والساحرة وخزانة الملابس” للروائي البريطاني سي إس ليويس والتي نشر أول أجزائها عام 1984. للأسف لم يكن حماسي وحماس من معي متقداً مثل فهد.. تساءلنا: من سيطبع لنا الكتاب؟ من سيدفع أتعاب الترجمة؟ من سيهتم بقصة كهذه؟ أدب الطفل في مجتمعنا شبه مهمل ولن يجد هذا الكتاب من يقرؤه. تساؤلات محبطة كهذه جعلتنا نتناسى الفكرة ونجهضها في رحمها.
قبل بضعة أشهر وصلني إعلان كتاب للبيع بعنوان “ساحر أوز العجيب”. ابتسمت وأنا أقرأ العنوان إذ يذكرني بالمسلسل الكارتوني “مدينة الزمرد” الذي عشقناه في الصغر، بيد أن ما لفت انتباهي كان سطرا صغيرا أسفل صفحة الغلاف يقول “ترجمة: فهد السعيدي”. عدت بذاكرتي متذكراً تقاعسنا، وها هو فهد يجني ثمار جهده.

ساحر أوز العجيب
“ساحر أوز العجيب” رواية للكاتب الأمريكي ليمان فرانك بوم كتبها عام 1900م، وحققت نجاحا مبهرا دفعت المؤلف بان يحولها إلى سلسلة من 13 كتابا. تحكي الرواية قصة الفتاة دوروثي التي يحملها إعصار إلى عالم أوز، فتبدأ رحلة البحث عن الساحر أوز لكي يعيدها إلى بيتها، وفي طريقها تلتقي بفزاعة ورجل قصدير وأسد، فيرافقوها بحثا عن الساحر العجيب أملا في تحقيق أمانيهم.
أعيد نشر الرواية عدة مرات، وحّولت إلى عملٍ مسرحي عام 1902، ثم سينمائي عام 1925، ثم أعيد إنتاج العمل السينمائي عام 1939. وفي عام 1956 تحولت ملكيتها إلى ملكية عامة Public Domain مما فتح المجال لإعادة طباعتها وإنتاجها عشرات المرات على شكل أفلام ومسلسلات كارتونية وقصص مصورة.
أهم ثيمات الرواية “التناقض الذاتي”، فالفزاعة يبحث عن عقل رغم أنه هو من يأتي بالأفكار الذكية طوال الرواية، ورجل القصدير يبحث عن قلب رغم أنه يبكي متأثرا من أتفه الأمور، أما الأسد فيبحث عن الشجاعة رغم أنه بشجاعته ينقذ البطلة دوروثي عدة مرات. وهذه الشخصيات الثلاث ترمز للخصال البشرية الكلاسيكية وهي “الذكاء والحب والشجاعة” غير أن التناقض ونكران الذات الذي تعيشه هذه الشخصيات قلصت هذه الخصال إلى رموز يسعون بحثا عنها.

الترجمة
ترجمت هذه الرواية عدة مرات وإلى عدة لغات، ليست العربية أو لها ولا آخرها. إذا ما الداعي من إعادة الترجمة؟ لنجيب على هذا التساؤل يجب أن نعرف الترجمة أولا، فلو كان تعريفنا لها بأنها “نسخة من النص الأصلي في لغة مختلفة” فإننا نقلص دور المترجم إلى مجرد وسيط لا أكثر، وبالتي نعدم أي جدوى لإنتاج ترجمة أخرى. أما إن عرفنا الترجمة على إنها “إعادة إنتاج لنص سابق في لغة جديدة” فإننا نمنح المترجم صفة الإبداع والابتكار لأن كل إعادة إنتاج جديدة تضيف أبعادا مختلفة، ففي برنامجه الإذاعي “كتاب علمني” يتحدث الإعلامي عارف حجاوي عن رواية “آلام فيرتر” للأديب الألماني جوته والتي ترجمها إلى العربية الأديب المصري أحمد حسن الزيات، غير أن حجاوي تحدث في آخر الحلقة عن ترجمة أخرى للكتاب فيقول: لقد صدرت ترجمة أخرى بالعربية لقصة آلام فيرتر، أدق من ترجمة الزيات، فالزيات يمزق الأسماء الألمانية كل ممزق، ولكن أسلوب الزيات أحلى وأوقع في النفس”.
وقد يكون أقرب مثال عُماني لإعادة ترجمة ما قام به محمد عيد العريمي عندما ترجمة رائعة جورج أوريل “مزرعة الحيوان” فقرأتها وقارنتها بالنص الأصلي وبترجمة أخرى صادرة من دار الفكر العربي، فوجدت الأخيرة أدق في التفاصيل وأقرب إلى النص الأصلي غير أن ترجمة العريمي بدت أكثر سلاسة ومتعة للقراءة.

التغريب والتوطين
في كتابه “اختفاء المترجم: تاريخ موجز للترجمة The Translator’s Invisibility: A History of Translation” الذي صدر عام 1995 يتطرق لورانس فينوتي لجدلية التغريب والتوطين في الترجمة لا سيما الأدبية والدينية منها، إذ يرى أن المترجم إما أن يحافظ على تركيبة النص الأصلي ومفرداته وعناصره الثقافية مما يؤدي إلى كسر للأعراف اللغوية في اللغة المترجم إليها وبالتالي “يغرّب” النص، أو أن يقولب النص الأصلي بما يتوافق واللغة المترجم إليها فيفقد بعضا من ملامح النص الأصلي و”يوطّنه”.
ويرى فينوتي في كتابه “فضائح الترجمة: نحو أخلاقيات الاختلاف Scandals of Translation: Towards an Ethic of Translation” أن توطين النص الأصلي في اللغة المترجم إليها يزيل كل علامات الترجمة فيبدو النص وكأنه كُتب أصلاً باللغة المترجم إليها وليس مترجماً، أي أن المترجم أصبح “لامرئيا Invisible” وفي هذا تهميش لدور المترجم، إذ أن النص المترجم – حسب قول فينوتي – يجب أن يكون غريبا بطبيعته لا أن ينصهر في بوتقة اللغة المترجم إليها، لأن في الإخضاع تحقيرٌ للخواص الثقافية للغة المترجم منها واستعبادٌ لمهنة الترجمة. ويقول أ.د. كاظم العلي في نفس السياق “بسبب هذه النظرة الدونية للترجمة أيضا تجد أن بعض مؤسسات النشر (وكذلك المؤسسات الصحفية) لا تسجل أسماء مترجمي كتبها على أغلفة تلك الكتب وتكتفي – ربما لأغراض الدعاية – بعبارة “ترجمة نخبة من الأساتذة الجامعيين”، و بسبب هذه النظرة الدونية للترجمة أيضا تجد أن المؤسسات الجامعية في العالم لا تعتمد النشاط الترجمي في الترقيات الأكاديمية حتى و إن فاق هذا النشاط البحوث المقدمة للترقية أصالة و إبداعاً”.

تغريب ساحر أوز
بعد قراءة رواية “ساحر أوز العجيب” التي ترجمها فهد السعيدي اتضح لي أن المترجم كان يعمل وفق فلسفة محددة، وهي إنتاج نص يعكس روح الكاتب والعناصر الثقافية التي ضمنها في روايته، ولكن في نفس الوقت يخاطب الطفل العربي بلغة سلسة تحببه في إكمال الكتاب حتى آخر صفحة، لست أدري إن كان المترجم على علم بجدلية التغريب والتوطين إلا أنه في فلسفته هذه جنح للتغريب موافقاً رأي فينوتي، فنجده ملتزماً بالنص الأصلي ولكن بشكلٍ مبالغٍ فيه في بعض الأحيان، فنجده يستخدم مكافئاً شكليًا (حسب نظرية المكافئ اللغوي ليوجين نايدا) فيترجم جملة “Make yourself at home” إلى “اجعل نفسك وكأنك في بيتك” رغم أنه كان قادراً على استخدام مكافئٍ ديناميكي يؤدي وظيفة النص الأصلي ولكن بصياغة أقرب للقارئ العربي مثل “اعتبر البيت بيتك”، وفي مثال آخر وتحديدا في مشهد موت الساحرة نجد المترجم يوازي الكاتب في تبسيطه لهذا المشهد الدرامي الذي توقعته – شخصياً – أن يكون أهم مشهد في الرواية كلها، كانت الترجمة كالآتي، ولكم أن تتخيلوا التصوير البسيط جدا والحوار المبالغ في سطحيته:
صاحت دوروثي: “أنت مخلوقةٌ شريرة، ليس لك الحق بان تأخذي حذائي مني.” قالت الساحرة وهي تضحك منها: “سأحتفظ به هكذا، وفي أحد الأيام سآخذ الآخر منك أيضا”.
جعل هذا الكلام دوروثي شديدة الغضب فأخذت سطلاً من الماء موضوعٌ بالقرب منها ونضحته على الساحرة، وبللتها من رأسها إلى قدميها.
وحالاً أطلقت المرأة الشريرة صرخة خوفٍ عالية، ثم وبينما دوروثي تنظر إليها في دهشة بدأت الساحرة تتقلص وتترنح.
وقالت وهي تصرخ: “انظري ماذا فعلتِ! في دقيقة سأنصهر وأذوب.”
قالت دوروثي التي كانت خائفة حقاً من رؤية الساحرة تذوب ببطء مثل السكر البني أمام عينيها: “أنا متأسفةٌ جداً في الواقع”.
سألتها الساحرة وهي تنوح بصوت يائس: “ألا تعرفين أن الماء سيكون نهايتي؟”
أجابتها دوروثي: “بالتأكيد لا، وكيف لي أن أعرف؟”
“حسناً، في دقائق قليلة سأكون قد ذبت بالكامل، وستكون القلعة لك وحدكِ. لقد كنت شريرةً في أيامي، ولكني لم أتوقع قط بأن فتاة صغيرةً مثلكِ ستكون قادرةً على إذابتي إطلاقاً وتنهي أعمالي الشريرة. انظري إلى هنا. أنا ذاهبة!”
لا ألوم المترجم في أن هذا المشهد لم يكن بالتشويق الذي توقعته، فقد كان يحاول محاكاة الكاتب الأصلي في جعل النص سهل القراءة للأطفال، وقد نجح فعلاً في هذا في عدة مواضع فجاءت الجُمل سلسة سهلة الهضم يستمتع بها القارئ مهما كان سنّه، ومن أمثلتها الحوار الذي دار بين الفزاعة والحطاب عندما كان الأول يتعثر في الحفر التي تملأ الطريق.
الحطاب: لماذا لا تمشي حول الحفرة؟
الفزاعة: أنا لا أعرف الكثير، رأسي محشو بالتبن، لذا أنا ذاهب لأوز لأسأله أن يعطيني دماغًا
الحطاب: أوه فهمت.. ولكن بعد كل شيء الدماغ ليس أفضل الأشياء بالعالم
الفزاعة: الجميع متشابه، سأطلب دماغًا بدلًا من القلب لأن الأحمق لن يعرف ماذا سيفعل بالقلب إذا امتلك واحدًا.
الحطاب: سأطلب قلبًا، لأن الدماغ لا يصنع السعادة، والسعادة هي أفضل شيء في العالم”.
وفي مثالٍ آخر أوضح في تصوير الأسلوب السردي السهل الممتنع يقول الأسد بعد أن اجتازوا الوادي العميق بسلام “حسنًا.. أرى أننا سنعيش لمدة أطول قليلا، وأنا سعيد لذلك، لأنه ولا بد أنه شيء مزعج جدا أن لا تكون حيا”.
ولكني – وللموضوعية – أعتب على المترجم بعض الأخطاء اللغوية والمطبعية التي وإن كانت قليلة جدا إلا أنها تكسر السلاسة التي حاول جاهداً تحقيقها في ترجمته، وقد كان لزاماً عرض النص النهائي على مدققٍ لغوي لكي يصل للقارئ خالياً من أي عيب.

منتهى
ختاماً.. سعى فهد السعيدي في ترجمته إلى إعادة إحياء الجمال في كتابة فرانك بوم وتقديم منجزه العظيم إلى القارئ العُماني بلغة سهلة سلسة ولكن محافظة على هوية النص الأصلي في ذات الآن، فأنتج عملاً فريداً ممتعاً للكبير والصغير، وقد هدف فهد – كما يقول في مقدمته – إلى دفع عجلة تطوير الأدب والترجمة في السلطنة، وكسر حاجز الخوف والتردد للانطلاق إلى عالم الإبداع العربي والعالمي.
فهد نموذج للشاب العُماني الذي يعمل بصمت، ثم يترك نتاجه ليتحدث عنه، وهذا ما نريد فعلا في زمن شبكات التواصل الاجتماعي التي تسمعنا جعجعة ولا ترينا طحيناً.

بدر الجهوري Twitter: @jahwary
مترجم وأكاديمي

إلى الأعلى