الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / مَواسِمُ الرُّعْب

مَواسِمُ الرُّعْب

علي عقلة عرسان

” للرُّعبِ مَواسِمُ يا “صَبْرا”
للرُّعْبِ مَواسِمُه الكُبرى..
في يومِ الرُّعبِ الأول كانَ الكونُ نشيجاً،
شَفَقاً يَنزفُ، يُرضِعُ ثغرَ الأمِّ.. الأرضِ، ورِيداً،
يسقيها نَاراً.. يعْبَثُ فيها..
ثُمَّ يُفتِّتُها تنهيداً،
والأمُّ.. الأرضُ الثَّكلى، تصبحُ حُبلى..
تبلعُ لحمَ بَنيها،
ترقصُ هَلَعَاً، ترقصُ”تيهاً؟!” .. ”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[[في مثل هذه الأيام، قبل ست وثلاثين عاماً، وبالتحديد خلال أيام ١٦ - ١٨ أيلول /سبتمبر عام ١٩٨٢، قام كيان الإرهاب العنصري الصهيوني القذر "إسرائيل"، وأدواته وعملاؤه من اللبنانيين، ومن أحزاب لبنانية متعصبة ومتطرفة، بمذبحة لا مثيل لها في وحشيتها وفظاعتها ودمويتها، وفي الحقد العنصري - الديني الدافع لها والكامن وراءها.. وقد ذهب ضحية هذه المذبحة "٣٥٠٠"ثلاثة آلاف وخمسمئة مدني فلسطيني، بين نساء وأطفال وشيوخ، ذُبحوا بدم بارد ومثِّل بهم تمثيلاً، طوال أيام ثلاثة، في ظل تعتيم سياسي وإعلامي تام على هذا الفعل الإجرامي الصهيوني - الطائفي الفظيع. وتمت المذبحة في مُخيمي "صَبرا وشَاتيلا"، في العاصمة اللبنانية بيروت، إبَّان اجتياح الصهاينة للبنان واحتلالهم لعاصمته. وقد قاد المذبحة وأشرف عليها الوحش البَشري الصهيوني النافق إرئيل شارون، وصِنوُه في الإرهاب والإجرام رئيس هيئة الأركان آنذاك رفائيل إيتان، وأدواتُهم المتوحشة. ولم تحرك تلك الجريمة النَّكراء ما يُسمَّي العالم "المتمَدن"، ولا هي أدَّت إلى تغيير ذي قيمة ومعنى وجدوى، في سياسات وتصرفات واستعدادات كثير من الدول العربية وأنظمتها الرسمية، لكن الجماهير العربية فاضت في شوارع مدنٍ وبلداتٍ وقُرى… ارتفع الصوت، ثم خَمَد.. وتكاد الذَّاكرة تنس المذبحة، وتنسى ضحاياها.
عند عتبتها الإنسانية والأخلاقية والقومية، أتوقف بأَلمٍ وأسفٍ وخُشوع، وأُذَكِّر، لعلَّ الذِّكرى توقظُ النائمين، وترشدُ التائهين، وتُنَبِّه المُتَصَهينين، وتنفعُ المؤمنين. والله من وراء القصد.]] مَواسِمُ الرُّعْب
للرُّعبِ مَواسِمُ يا “صَبْرا”
للرُّعْبِ مَواسِمُه الكُبرى..
في يومِ الرُّعبِ الأول كانَ الكونُ نشيجاً،
شَفَقاً يَنزفُ، يُرضِعُ ثغرَ الأمِّ.. الأرضِ، ورِيداً،
يسقيها نَاراً.. يعْبَثُ فيها..
ثُمَّ يُفتِّتُها تنهيداً،
والأمُّ.. الأرضُ الثَّكلى، تصبحُ حُبلى..
تبلعُ لحمَ بَنيها،
ترقصُ هَلَعَاً، ترقصُ”تيهاً؟!” ..
منها الرُّعبُ، إليها الرُّعبُ، وفيها !!
والرُّعبُ إلهٌ مخمورٌ،
يذرو عملقةَ الأشياءِ، الأحياءِ، الخُضْرَةِ،
يسخَرُ منها،
يطويها في الرَّحمِ الكُبرى، تصبحُ ذكرى،
يُبقى منها في عمقِ وفي الأرجاءِ صُراخاً،
ترجيعاً للرُّعبِ رَتيباً،
ينمو في أنسِجَةَ العالمِ،
يبعَثُ ليلاً فيها..
يبردُ آناً.. يبردُ.. يبردُ.. يصبحُ فيه الأبْهَرُ ثَلْجَاً،
لكنْ ينمو،
يوقدُ أحياءً كي ينمو..
يغدو وَجَعَاً يكبرْ.
هذا الرُّعْبُ وليدٌ يكبُرُ..
يصبح عملاق الدَّمِّ، ويصبح خِبرةْ !؟!
***
في كهفِ الإنسانِ الأوَّلِ، كانَ الرُّعبُ وليداً،
جاءَ الإثمُ، القتلُ، الحقدُ، الثأرُ، البلوى..
صارَ الرُّعْبُ.. صَبياً يحبو.. يركض،
يركضُ في أطرافِ الدُّنيا، يبصُقُ نَسْلاً..
نسلُ الرُّعبِ ثِمارٌ مُرَّةْ:
“يأكلُ حقداً يكبر،
يحقدُ أكثرَ، يكثُر .. ” !!
صارَ بَلِيَّةْ.
جاءتْ تكبُرُ أكثر، أكثر، يوم الذِّكرى ..
في البيتِ الأوَّلِ من “صَبْرا ” !؟!.
***
للرُّعبِ مواسمُ يا “صَبرا”،
للرُّعبُ مواسمُه الأُخرى.
في الذكرى الأولى كان الصوتُ نَحيباً
مدَّ الصوتُ جناحاً.. طارَ، وكادَ يصيرُ نشيداً،
صارَ الصوتُ صدى عِربيداً،
يبحرُ في أرجاءِ الدُّنيا،
يقرعُ ناقوساً مفجوعاً، يَدْمى..يَدمى..
في إشراقةِ صبحِ الفِصْحِ يصيح:
“أفيقوا ..
الرُّعبُ يجيءُ صباحاً.. ظهراً ..
في كُحلِ الليلِ يجيءُ الرُّعبُ، أفيقوا..
هذا “يَهْوهْ” سَغِبٌ،
يبصقُ في الآفاقِ جنوداً،
ينفثُ حقداً أسودَ، كُرْهاً، دُوداً،
يحملُ ساطوراً مشهوراً،
يقطرُ إثماً، يقطرُ جُوراً،
يأتي من أعماقِ الذِّكرى عبرَ”أريحا”..
يا مَن يذْكُرُ حَرقَ أريحا..
يأتي أفعى من “نيفادا “العَصرِ، تَفحُّ فحيحاً..
يا سكانَ الأرضِ أفيقوا..
جاءَ الرُّعبُ “زَوابعْ”.
يصبُّ الرعبُ ظلاماً في الأحداقِ، وفي الأعماقِ..
يصيرُ الكونُ.. الناسُ.. كَآبَةْ،
يصيحُ الصوتُ:
“أفيقوا.. يا أحياءَ الكَونِ، أفيقوا..
الرُّعبُ غدا غُولاً يركضُ،
يشعلُ في الأعماقِ حرائقْ..
الرُّعبُ غدا نَسْرَ الآفاقِ، أظلَّ الكونَ.. أفيقوا .. ” !؟
صارَ الأفقُ سواداً، تِيهاً.. قعرَ جَهنَّمْ،
أحرَقَ قلبَ الخُضْرَةِ،
أفسدَ حتى رَحِمَ الزَّادْ
هذي الشمسُ كُسوفٌ..
هذي الأرضُ، مَدائنُ صَالِحْ
هذي عَادْ،
هذا الوادي والأوتاد..
هذي أشباحُ الأجسادْ،
أَعْجازُ النخلِ المنقَعِرِ،
والحوتُ يعودُ إلى يونُس.
هيا يا سُكانَ الأرضِ، أفيقوا …
هذا الرُّعبُ يجيءُ”زَوابعْ” !!
لكنَّ الجُبنَ.. النومَ.. الخوفَ.. يشدُّ الناسَ إليهِ،
شَدَّ القيدِ إلى الأوتادِ، ويُبقي الناسَ نَحيباً.
ضُمِّي يا “صَبرا شَاتيلا” ..
في ليلِ الناسِ الأطْوَلِ هذا،
شدَّيها من رِمْشِ العينِ، وقولي:
“إنَّ الجُبنَ.. الخوفَ..الذُّلَّ.. يشدُّ الناسَ إليهِ،
إنَّ القيدَ حَديدْ،
إنَّ القلبَ قَديدْ،
نامي يا أختي المِسْكينةْ،
إن البردَ شديدٌ،
والأحياءُ جَليدْ..
نَبْضُ الكَونِ صَديد..
نامي يا أختي المِسْكينةْ.
***
في الذِّكرى الأُولى كانَ الكونُ نَشيجاً..
مرَّت أيامٌ والذِّكْرى تَغمرُ ذِكْرى
حتى صارَ الناسُ جَليداً،
يطفو فوقَ محيطِ الرُّعبِ،
نَحيباً، يرتجفُ الإنسانُ.. نحيباً صارَ،
يخافُ.. يذوبُ.. يصيرُ روافدَ للأَعماقِ
يظلُّ يخافُ.. يذوبُ، يذوبُ.. يخافُ،
إلى أنْ يصبحَ مَصلوباً في الماءِ، الرُّعْبِ،
يشدُّ الشمسَ إليهِ.. يَذُوبُ،
يرشُّ الماءَ عليهِ.. يَذُوبْ،
والذِّكرى توغلُ في النسيانِ..
تَماماً تُوغلُ في النِّسيان..
ويَفسُدُ وجدانُا لإنسان..
***
في الذِّكرى الأُولى، كانَ الكونُ نَشيجاً،
نَشيجاً مُراً يا “صَبْرا”
مَرَّت أيامٌ والذكرى .. عُصفورٌ يبحرُ في الآفاق،
تغيبُ.. تغيبُ.. وتصبحُ في الأَعماقِ مَذابحْ،
تصبحُ لُغْماً موقوتاً، كَابوساً، نهشَ جَوارحْ.
أَرقُصُ رُعباً يا شاتيلا.. أرقصُ رُعباً،
أقطرُ موتاً يا شَاتيلا.. أَقطُرُ مَوْتاً..
أعطوني عُوداً.. مزماراً..
شيئاً يُصدِرُ صوتاً أسمى، أحلَى من صوتِ السَّاطورِ،
وصوتِ السَّفاحِ المَأجورِ..
وصوتِ الطِّفْلِ النازِفِ يصرُخ أمِّي..
أعطوني صَوتاً أحلى من صوتِ المَمْرورِ الخَائفْ.
أعطوني حُلُماً.. عُشْباً، خصلةَ شعرٍ أشقَرَ.. نُوراً..
شَيئاً من أحْلامِ صَبيَةْ،
كي أرقُصَ رقْصْاً غَجَريا..
كالديكِ ذبيحاً يرقُص.. أرقُصُ..
كي أغريَ عُصفورَ الذِّكرى، بالإبحارِ إليّ،
كي يقصدَ صَحرائي العُصفور ويَبني عُشاً فيها،
يصرخُ فيها.. يُحْييها،
كي ينقذَني من رُعبٍ ينمو غاباتٍ في الأعماقْ،
رُعبُ التَّسيارِ المُرِّ لأهلي قَتلى..
رُعْب الموتِ، القهرِ، السلْبِ، الغُربَةْ !!
أعطوني شَيئاً أبني فيه الذِّكرى.. أمَلاً،
أُصبحُ شَيئاً حَيَّاً..شيئاًحُرَّاًحيَّاً..
أعطوني حَبَّاً كي أطعمَ عُصفورَ الذِّكرى،
أعطوني شَيئاً، ضَوءاً ..
فالشَّمْسُ تَغيبْ،
والليل كئيبْ،
والكون نَحيبْ..
وأنا يبصرُني في الليلِ الغولُ وحُرَّاسُ الآفاقْ..
أعطوني حَبلاً أربطُ فيهِ الشمسَ، فإنَّ الشمسَ تَغيبْ،
وأَنا أخشى الليلَ، وحرَّاسَ الآفاقِ، ونزغاً يفتك بالأعماقْ..
أعطوني الشَّمسَ.. إن الشَّمس تغيب.
موجُ الطُّوفانِ يدُبُّ إليَّ،
فَضاءُ الرُّوحِ يضيقُ عليَّ..
وفيضُ البؤسِ يسيلُ عليَّ..
يا.. ياه.. يا .. ياه..
المَركب.. يا نوح، المَركب..
إني أغرقُ.. أغرقُ..أَغرقُ في الأعماقْ،
حيثُ محيطُ الرُّعبِ رَهيبٌ في الأعماقْ.
***
الكونُ نشيجٌ يا “صَبْرا”
في عيدِ الأعيادِ الكُبْرى
حيثُ الذِّكرى..
تُنْبُعُ دَمعاً في الأحداقْ..
تشُقُّ الألسُن والأَشداقْ..
حيثُ الدَّمُّ يَصيرُ سِياجاً.. دَرْباً.. نَعْشاً،
حيثُ سيوفُ الثأرِ بَوَادِحْ،
حيث الأهلُ.. مَذابِحْ..
والأوطانُ.. مَدائن صَالحْ..
حيثُ الضِّلعُ يخافُ الضلعَ الأخَّ،
وحيثُ العالم كَالِحْ.
***
ضُمِّي يا “صَبْرا.شَاتيلا”،
واروِ للأَجيال حِكايَةْ،
تُشرقُ أملاً، تُشْرِقُ آيَةْ،
قولي: ليلُ الرُّعبِ طَويلْ،
والآمالُ بهذا الجيلِ وذاكَ الجِيلْ..
ضُمِّي يا “صَبْرا،شَاتيلا”..
هذا يومٌ أقوَمُ قِيلا..
قولي:”ليلُ العُربِ طَويلْ،
والآمالُ بهذا الجِيلِ، وذاكَ الجِيلْ..”..
قولي.. لا تَخْشَيْ يا صَبْرا..
مهما طَالَ مَدى التَّنكيلْ..
ليلُ الظُّلم قَصيرٌ يَبقَى..
والآمالُ بهَذا الجِيلِ، وذاكَ الجِيلْ.

إلى الأعلى