الخميس 23 مارس 2017 م - ٢٤ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / الإنْشـَاد الصُوفِي فِي مَــالـِـدْ (الْهُوَامَة) في سَلْطَنَةِ عُمَان

الإنْشـَاد الصُوفِي فِي مَــالـِـدْ (الْهُوَامَة) في سَلْطَنَةِ عُمَان

لعلّ من بين ما يُعبّر به العُمانيون عن اعتزازهم الكبير وتمسكهم بدينهم، وحبهم الشديد للرّسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، خارج إطار العبادات والفرائض والسنن الواجبة، هو تلك المُمارسات الحسنة التي يقومون بممارستها في الكثير من مواقف حياتهم الدينية والاجتماعية، كما هو الحال في أدائهم لبعض أنماط الإنشاد التقليدي التي تقوم على الإنشاد الصوفي المصحوب بالحركة الجسدية والمليء بذكر الله جلّ وعلا، مثل ما يحدث في أدائهم لأنماط : المولد أو المالد بأنواعه: الهُوامة، والبرزنجي، والديبعي، وكذلك في التيمينة والتسبيح، وغيرها؛ حيث يجدون في هذه الأنماط الإنشادية التقليدية مجالاً رحباً للتعبير عمّا تجيش به صدورهم من صادق الحب والهُيام للخالق جلّت قدرته أوّلا وقبل كل شيء، و لرسوله العظيم، سيدنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ثم لتلك الديار المقدسة الطاهرة، وخاصة بيت الله الحرام (الكعبة المشرفة) بمكة المكرمة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنوّرة. ولذا، ليس من المُستغرب أن نسمع في أثناء أداء هذه الأنماط الكثير من الردود الجماعية في ذكر الله سبحانه وتعالى و توحيده والصلاة والسلام على نبيّه الكريم.
وتتميّز هذه الموالد، وخاصة في مالد (الهُوامة) موضوع هذه الورقة، بالعديد من الأشكال الإنشادية، وتتعدّد أشكال هذا الإنشاد بتعدّد الأدوار والفصول المتتالية في كل منها، وتأخذ طرزاً وألواناً مختلفة، فهناك الإنشاد الفردي الذي يتولى فيه المنشد الفرد الدور البارز والأساس فنراه يبدع في تنغيم هذا الإنشاد والترنم بنصوص الأشعار الصوفية، والإنشاد الكورالي الجماعي المتداخل الذي يتم بالتبادل بين مجموعة المؤدين، والإنشاد المتدرّج في السّرعة: بحيث يبدأ بطيئاً ثم يتدرّج في سرعته متوازياً في ذلك مع الأداء الحركي للمجموعة حتى يصل إلى ذروته مع دق السِّمَاعَات (الطارات أو الدفوف).
و يتم الإنشاد في مالد (الهُوامة) بنصوصٍ مختارةٍ من الشعر الصوفي، لأشهر شعراء التصوّف المعروفين في عالمنا العربي والإسلامي الذين اشتهروا بعشقهم وهُيامهم الشديد للخالق جلّ وعلا، وبتضرّعاتهم وابتهالاتهم لله سبحانه وتعالى، وبمدح وحب الرسول صلى الله عليه وسلم والتغزّل بمناقبه وبصفاته، فيما يُعرف بشعر (المديح النبوي أو القصائد المحمّديّة)، وهي عبارة عن قصائد طويلة تُعرف باسم (المناظيم) وهو الاسم الأكثر شيوعاً وتداولاً بينهم ، فيقال: هذه منظومة البرعي أو منظومة ابن الفارض أو الجيلاني، وغيرهم.

مَالَدُ (الْهُوامَة)

تعريف:
مالد الهُوامة أو “المالد العربي” كما يُطلقون عليه تمييزاً له عن بقية الأنواع الأخرى كالبرزنجي والبحراني والديبعي، هو إنشادٌ مُنغّمٌ للقصائد و أشعار التّصوّف في حب الذّات الإلهيّة وفي حبّ الرسول الكريم ومدحه والتغزّل بمناقبه وسجاياه صلى الله عليه وسلم التي ألّفها وأبدعها أشهر شعراء التصوّف؛ ويمتزج هذا الإنشاد بأداء حركي يُعبّر في مضمونه عن ذلك الحب والهُيام، وهو شكلٌ من أشكال الإنشاد المنتشرة والمُمارسة من قبل فرق المتصوّفة والمريدين في نواح متفرقة من بلدان العالم العربي والإسلامي، يُمارسونه كلٌ حسب طريقته وتقاليد مجتمعه، غير أن المجموعة التي تُؤديه هنا في عُمان لا يتّصف أفرادها بالتصوّف ولا ينتسبون إليهم، ولكنهم من عامة الناس يتميّزون بحفظ هذه الأشعار والقصائد وبالبراعة في إنشادها مع حسنٍ وجمالٍ في الصوت وإلمامٍ تامٍ بقواعد وأصول الأداء في هذا النمط.
إنّ مصطلح (مَالـَد)، في اللهجة الدارجة لبعض أهل محافظة الباطنة هو تصحيف لكلمة (مَوْلِد)، أي موضع الولادة ووقتها، حيث يُقام هذا النمط في الأصل احتفالاً بمناسبة مولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هنا جاءت تسميته بهذا الاسم. و مصطلح (هُوَامَةْ) يُطلق على الأداء الحركي الذي يُؤديه المُشاركون في بعض الأجزاء المكوّنة لهذا النمط، وهو مشتقٌ من الهُيام: هامَ يهيمُ هُياماً و هيماناً، وهو أعلى درجات الحب والعشق، والمشاركون في المالد (يهومون)، أي يُؤدون حركاتهم المعروفة في المالد، التي هي تعبيرٌ صادق عن ذلك العشق الذي تكنه الصدور لله العلي القدير ولرسوله المصطفى الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
يُقام المالد في المنازل والمجالس الواسعة والساحات العامة وغيرها، وينتشر أداءه في ولايات محافظة الباطنة (شمالها وجنوبها) وولايات مُحافظة مسقط ومُحافظة مسندم، ويُماثله في محافظة ظفار النمط المعروف باسم (أحمد الكبير).
و يُؤدى المالد في مناسباتٍ عديدة، إذ لا يرتبط بمناسبة المولد النبوي الشريف فقط، ولكنه يُقام في مُناسبات اجتماعية، مثل: الأعراس والاحتفال بالطهور و وفاء النذور المشروعة، أو الانتقال إلى دارٍ جديدةٍ يريد أهلها إضفاء البركة واليُمن عند سُكناها كما هو سائد في معتقدهم، بل وفي معظم المُناسبات، دينية كانت أو اجتماعية، فبهذا النوع من الطقوس التي يُمارسونها إنما يُؤكدون صلتهم بربهم خالقهم ورازقهم و يتبرّكون بهذا الإنشاد المليء بالذكر لله سبحانه وتعالى، والمليء أيضاً بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.
مجموعة المؤدين في المالد:
تُسمّى المجموعة التي تُؤدّي هذا النوع من المالد (حلقة) وتتألف من:
ـ الخليفة، هو رئيس الحلقة، يقصده الناس لدعوة حلقته لأداء المالد في المناسبات، وهو رجل الحل والعقد فيها، وإليه تؤول كل الأمور المُتعلقة بالحلقة وأعضائها، وله نائب.
ـ نائب الخليفة، ينوب عن الخليفة في غيابه أو مرضه، ويحل مكانه بعد وفاته،
ـ الشّاووش، الذي يقوم بإبلاغ أعضاء الحلقة بمكان وزمان إقامة المالد، وتهيئة أداة النقل إذا كان المكان بعيداً (في قرية غير قريتهم)، و يُشرف على حضورهم، ويقوم على خدمتهم في تيسير كل الأمور، إلى غير ذلك من الأعمال.
* الهُوّيمَة، الذين يقومون بالأداء الحركي والمشاركة في الردود الإنشادية.
الأداء في المالد:
يُؤدّى مالد (الهوامة) من خلال صفين من الرجال يجلس أحدهما مقابل الآخر، هما: (صف القرّاء) و (صف الهوّيمة)، حيث يُؤدي هذان القسمان في مجموعة الأداء إنشاداً مُتبادلاً يُصاحبه في بعض أجزائه أداءٌ حركيٌ يتميّز به هذا النمط.
و يُقام المالد في أدوار، يتناوب القرّاء المُنشدون في أدائها، ويُطلقون على الدور الواحد منها (فصل)، وذلك لتحقيق بعض الغايات، منها مثلا: لكي لا يجد من يقوم بأداء فصول المالد عناءً ومشقةً نظراً لطول الفترة التي يستغرقها الأداء، وليستريح من قام بأداء دور أو فصل، ويتيح الفرصة لآخرين لأداء فصل آخر، وأخيراً لإثراء الأداء بالمعارف والخبرات المتعدّدة والمتفاوتة للمُشاركين فيه، ومثل هذا الإجراء، كما نعتقد، يقود إلى تواصل مُستمر في اكتشاف المواهب الجديدة، قد تكون مُتميّزة في فئات المؤدين للمالد، وفي ذلك تكمن صفة الاستمرارية للنمط وبالتالي يُكتب له البقاء فترة زمنية أطول على الصعيد العملي.
أجزاء المالد:
الدور أو الفصل في المالد يتكوّن في العادة من أربعة أجزاء، تُؤدى حسب ترتيبها وأولويتها في الفصل، وتلتزم المجموعة بأدائها في مُعظم المواقع إلا في بعض الحالات غير المُلزمة، والأجزاء هي: 1- الرواية 2- المنظومة 3- الهوامة 4- التوحيد.
1- الرّواية: نصٌ نثريٌ قصيرٌ ومسجوع، يتناول بعض الشواهد من السيرة النبويّة الشريفة أو بعض الخوارق والغرائب التي حدثت قبل وأثناء و بعد ولادة النبي صلى الله عليه وسلم أو شواهد من بعثته المُشرّفة، يقرؤها المنشد بعد أن يستفتح بآياتٍ عطرةٍ من القرآن الكريم، يُنشدها منفرداً و مجزّأةً (في أجزاء) لترد عليه المجموعة بين كل جزءٍ وآخر من أجزائها بالصلاة والسلام على النبي بقولهم: (صلى الله عليه وسلم) أو (اللهم صلّ وسلم عليه)، وتُحفظ هذه الروايات من مصادر متعدّدة، مثل: كتاب (ابن الجوزي) أو من كتاب (مولودٌ شرّف الأنام) للبرزنجي و غيرهما من المصادر الأخرى، وتبدأ الرواية بقول المُنشد / القارئ (وسـلـّمْ)، فيرد عليه صف الهُوّيمة والحاضرون معهم بقولهم: اللهمّ صلّ على الحبيب مُحمّد، وعلى آل محمدٍ صلّ وسلـّم.
هذه روايةٌ لأمثلة ما يُقرأ من روايات:
“الله .. وزاده من الله الكريم شرفاً ومجداً وكرماً عالي لديه … ما اجتمعنا ههنا في هذه الليلة المُباركة إلاّ لنُصلي ونُسلم ونُبارك عليه … ربّكم صلى عليه وأمركم بالصلاة والسلام عليه، صلوا عليه لتسعدوا … صلوا عليه لتُرحموا، صلوا على من ظلّـلته الغمامة … صلوا على المُتوّج بتاج الكرامة … صلوا على المُـبشَّر بالسلامة … صلوا على المبعوث من تِهامة … صلوا على الُمُشـفّع في عرصات القيامة.
الله .. وكان صلى الله عليه وسلم يرى من خلفه كما يرى من أمامه، نُصرَ بالرُّعب من مسيرة شهر، وقال أنا سيد ولد آدم ولا فخر، اختاره الله واصطفاه ربّه … وكان صلى الله عليه وسلم تنام عيناه ولا ينام قلبه، أصدق الناس قولاً و عزما … وأعظمهم صفحاً وعدلاً وحلما، كريم الشمائل، مليح الخصائل، يَرى بنور الهُدى ظـُلـَم الظلالة … وهو المخصوص بكلام الضبّ وسلام الغزالة، محمّدٌ عليه من الله الكريم أزكى وأفضل وأتم السلام”.
2- المنظومة: هي القصيدة، تأتي بعد الرواية مُباشرة، وهذه المناظيم أو القصائد المولديّة تعتمد على الشعر العربي الصوفي، لأشهر شعراء التصوّف المعروفين الذين اشتهروا بعشقهم وهُيامهم الشديد للخالق جلّ وعلا، وبتضرّعاتهم وابتهالاتهم لله سبحانه وتعالى، وبمدح وحب الرسول (صلى الله عليه وسلم) والتغزّل بمناقبه وبصفاته فيما يُعرف بـ “القصائد المحمّديّة”. وهذه النصوص الشعرية في كل المناظيم التي يبدعها هؤلاء الشعراء وهم في حالة من الهيمان والتجرّد من ماديّات الحياة لا يمكن تفسيرها أو إدراكها إلا من خلال معرفة دقيقه بالمعتقد الديني المُتعمّق.
وتُنشد المناظيم بتنغيم مُميزٍ موروث يختلف قليلا عن التنغيم في الرواية، يقوم المُنشد في العادة بإنشاد المنظومة في مقاطع، كل مقطع من الإنشاد يتألف من بيتين، لترد عليه بعدهما مجموعة صف الهوّيمة بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم منغّمة أيضا مع حركة منهم بالجسم إلى الأمام، ثم يُتابع المُنشد بقية أبيات القصيدة على ذلك النحو حتى تنتهي المنظومة، حيث يُنبئ عن انتهائها قوله: “آ لله مـولاي” أو “نبيّكم صلوا عليه”.
هذا نص لإحدى قصائد ابن الفارض القصيرة نورده كمثال لما ينشده العُمانيون من أشعار التصوّف في فصول المالد(1):
زِدْني بـفـرط الحب فـيـك تحيّـُرا
وإذا سـألـتــك أن أراك حـقـيـقـةً
يا قـلبُ أنت وعد تـني في حبّهم
إنّ الغـرام هو الحـيـاةُ فـمُـت بـه
قـُل للـذيـن تـقـدّموا قـبـلي ومَـنْ
عَنّي خذواوبِيَ اقْتدواولي اسمعوا
ولقد خلوتُ مع الحبـيـب وبـيـننا
وأبـاح طـرْفي نـظـرةً أمّــلْـتـُـها
فـدُهِـشـتُ بـيـن جـمالـه وجـلاله
فأدِرْ لِحاظك عن محاسن وجهه
لو أنّ كلّ الحُسن يُكمل صورةً وارحم حشـاً بلظى هواك تـسعّـرا
فاسمح ولا تجعل جوابي لن تـرى
صبراً فحاذر أن تضيق وتضجرا
صبّـاً فـحـقـك أن تـمـوت وتُـعـذرا
بعدي ومَن أضحى لأشجاني يَـرَى
وتحـدّ ثـوا بـصبابـتي بـيـن الورى
سـرٌّ أرقُّ مـن الـنـسـيـم إذا ســرى
فغـدوتُ معـروفـاً وكـنـتُ مُـنـكّـرا
وغـدا لـسان الحال عـنّي مُـخـبـِـرا
تـلـقى جـمـيـع الحُـسن فيه مُصوّرا
ورآهُ، كـــان مُـهــلـّــلاً ومُـكــبّـــرا

ومن أشعارالشيخ عبد الرحيم البرعي، هذه المنظومة الطويلة (45 بيتا)، قالها في مدح النبي صلى الله عليه وسلم(2):

قـُل للمطي اللواتي طال مسراهـا مِـن بعـد تـقـبـيـل يُـمنـاها ويُـسراها
ما ضرّها يوم جدّ البين لو وقفت نقـُصُّ في الحي شكـوانا وشكواها
لو حُمّلت ما حمِّلتُ من حرق ما استعذبت ماءها الصافي ومرعاها
لكنها عـلمـت وجـدي فـأوجـدها شوقي إلى الشام أبـكـاني وأبـكاهـا
ما هبّ من جبلي نجد نسيم صبا الـغــور إلا وأشـجـاني وأشجـاهـا
ولا سرى البارق المكي مُبتسماً إلا و أشـهـرني وهْــنـاً وأســراهـا
تـبادرت من رُبـا نـيابـتي بُـرَع كـأنّ صوت رسـول الله نــاداهــا
حتّى إذا ما رأت نور النبي رأت للشمس والـبدر أمـثـالاً وأشـبـاهـا
وهي قصيدةٌ طويلة، يقول في آخرها وهو يدعو الله تعالى لأمّة سيد الخلق محمد عليه الصلاة والسلام:
وهب لها الأمن في الدارين وارعَ لها حسن الظنون لـدنـيـاها وأخراهـا
واجعل لأمتـك الخيرات مُنقـلبـاً يـوم القـيـامة والجنـّات مـأواهـا
صلى عليك إلهي يـا محمـدُ مـا دامت إليـك الورى تحدو مطاياهـا
تحيّـةً ينـشى في الآل طـالعهـا سعداً ويفضح ريح المسك ريّـاهـا

وهذا نص لجزء من منظومة طويلة (أكثر من 70 بيتاً) لعبد الرحيم البرعي، مطلعها: (طيف الخيال من النيابتين سرى)، قالها بمكة المكرمة، يذكر فيها ابتهالاته وتضرعاته واستعطافاته لربه وهو يقوم بأداء العديد من مناسك الحج مع جموع الحجيج، وفيها كذلك اشتياق إلى ولديه نظراً لمكوثه فترة طويلة في مكة المكرمة. وهنا يقتطف المنشدون في المالد الجزء التالي من هذه المنظومة(3):
لا كانت الريح إن تـُبـدي لـنا خبـراً من المحبـيـن أو تـُهـدي لهم خبـرا
حسبي من الوجـد أني ما ذكرتهمُ إلاّ تكـفكف ماء العـيـن وانـْحـدرا
رحلتُ عنهم غدات البين من بُرَع وفي الحشا لهب النيران مُستعـرا
وسرتُ والشوق يطويني وينشرني مـوصلاً بـهـجـيـرٍ بــيّــنٍ و سُـــرا
حتّى انتهيت إلى الميقات في زُمَرٍ من وفـد مكـة يا طـوبى لها زُمَـرا
ثمّ اغتسلناوأحرمنا وسار بنا حادي المَـطِيّ يخـوض الهـول والخطرا
ولم أزل رافعاً صوتي بـتـلـبـيـتي مع المُـلـبّـيـن ممّـن حجّ واعـتـمرا
حتّى أناخـت مطايـانـا بـذي كـرم وكـلّ وفــدٍ لــديــه زُلـفـةً و قِـــرا
طفـنا الـقدوم وصليـنا لنـُدرك مـا رُمنا وجِئنا بِرُكْن السعي إن شكرا
ثـمّ اطمأنّ بـنـا الـتـّعـريـج بعـدئـذٍ في موقفٍ جمّـع السادات والكـُبرا
وفي المُفيـضين عُدنا حين تمّ لهم رمي الجمار وهاج الـنفرُ بالـنـّفرا
حجّـوا وراحوا يزورون ابن آمنةٍ وعدت في الفرقة الجافين مُستطرا

3- الهُوامة: وتسمى (الفصل) كذلك، أخذ مصطلح (هوامة) من الأداء الحركي للمالد، كما أسلفنا سابقاً، وخاصة حركة صف الهُوّيمة، لأنهم بأدائهم وإنشادهم ذلك، إنما هم يهيمون في عشق مولاهم وخالقهم العظيم وفي حب رسوله الكريم، أمّا مصطلح (فصل) فيرجع إلى نص الشعر الذي يُنشد أثناء أداء هذا الجزء. تصل هذه الأبيات في مُجملها إلى ثلاثة أو خمسة أبيات وقد تكون أكثر، حسب الوقت والمُناسبة، هذه الأبيات تُسمّى (فصل).
فالهُوامة إذاً هي إنشادٌ شعريٌ منغّمٌ مُتبادَلٌ ومُتداخِلٌ بين مجموعة المؤدين للمالد، يمتزج هذا الإنشاد بأداءٍ حركي من قبل صفي المشاركين (صف القرّاء المنشدون و صف الهوّيمة)، ويكون على النحو التالي:
يُنشد صف القُرّاء أوّل بيتين من الفصل شعراً ونغماً، و بعدهم يُردّد صف الهوّيمة إنشاد نفس البيتين بذات النغم مع قيامهم بالأداء الحركي، وعندما يعود القُرّاء لإنشاد بيتين جديدين من الشعر على نفس النغم، يُردّد صف الهوّيمة جملة التوحيد (لا إله إلا الله) أو (الله يا الله) في نغم وإيقاع مُتداخلين و مُتعارضين مع إنشاد القرّاء، غير أنهما في المُجمل يُشكلان نسيجا لحنياً واحدا متكاملا ومُتجانسا هو نغم المالد. وتتواصل أبيات الفصل من صف القُرّاء، بينما يُكرّر الهوّيمة إنشاد البيتين الأوليين عندما يكون دورهم في الإنشاد، وهكذا.
في أثناء الأداء، يُلاحظ أن جميع مَن في صف القرّاء يقفون على رُكبهم ويتّكئون على عصيّهم ويتمايلون بأجسامهم ورؤوسهم يميناً وشمالاً وإلى الأمام، و يجلسون بعد إنشاد كلّ بيتين من الشعر. أمّا حركة صف الهوّيمة فهي حركةٌ مُتداخلة ومُترابطة بترابُط الصف الذي يُشكّل في أدائه الحركي كتلة بشرية واحدة مُتراصّةً ومتكاملة نتيجة لف كل واحد منهم يده اليسرى على ظهر وخاصرة من يجلس إلى يساره، والحركة هي خليط من عددٍ من الحركات، كالتمايل إلى اليمين واليسار والأمام والخلف ثم السجود والتلويح بالأيدي والضرب على الأرض أو على الصدر والتصفيق، مع التوافُق التام والتسلسل الفني لجميع هذه الحركات.
وتتعدّد الأنغام في الفصول بتعدُّد البحور والأوزان الشعريّة فيها وبتعدّد الأماكن و المواقع التي يُؤدّى فيها المالد، كما تتعدّد أيضاً أشكال الحركة المُصاحبة للإنشاد من موقعٍ إلى آخر وخاصة في صف الهوّيمة، حيث تتكشّف لنا العديد من الفروقات الجوهريّة حينما نُمعنُ النظر في تلك الحركات.
ويُصاحب جزء (الهُوامة) في بعض المواقع قرع للدفوف التي يُطلقُ عليها اسم (الطارات) أو (السّماعات)، تُضرب بالأكفّ، ويتمّ تسخين رقماتها بتعريضها للنار من حينٍ لآخر، ويتفاوت استخدامها من موقع لآخر حسب التقليد المُتّبع في كل موقع، فقد تُستخدم من بداية الفصل الأول في بعض الأماكن وقد تُستخدم بعد إتمام فصل أو فصلين من بداية الأداء، وقد لا تُستخدم .
ومن أمثلة شعر (الفصل) الذي يُنشد في جزء الهُوامة، هذا المثال المأخوذ من كتاب (الرّوض الفائق):
صلـوا عـلى مـعـدن الإيــمـان المُصطفى خيـر مَن لـبّي
ما غرّد الطير على الأغصان أو ما حـدا حادي الـرّكـبِ
مـا بــال جـيــرانــنـا بـالـبــان مالـوا عـلى الـود والحـبِّ
صَـيّـروا حـظـّـيَ الـهـجــران مـنهـم وما ثـَـمّ من ذنــبِ
صرتُ مـن بـعـدهـم ولـهــان مُـتــيّـم الجـسـم والـقــلـب
تجري دموعي على الأوجـان كـأنـهـا مـاطـر الـسـحــب
وهذا مثالٌ لفصل آخر:
صلوا على خـيـر الأنـام مـحــمّـدٍ مـن مـُضـر
مـا نـاح ورق الـحــمــام على غـصون الشجر
يـــا مَــن هَــــواهُ أقــــام في مُهجـتي واستـقـر
عـطفـاً عـلى الـمُـستـهام بـكـم حـلـيـف السهـر
دمعي كـفـيـض الـغـمـام مِن فقـد باهي الغـُرر
مَـنْ فـَـرْعُــه كـالـظــلام ووجـهــه كـالـقــمــر
4- التوحيد: هو كما يُستدل عليه من اسمه هو توحيد الله سبحانه وتعالى الذي تفرّد بالوحدانيّة، من خلال ترديد الهوّيمة لهاتين الجملتين: (لا إله إلاّ الله) أو (الله يا الله)، ويبدأ التوحيد بداية مُفاجئة، وذلك بعد أن يُُستوفى إنشاد أبيات شعر الفصل، حيث يجلس صف القرّاء جميعهم ويبقى واحداً منهم فقط ليقود التوحيد، قد يكون هذا المُوحّد هو الخليفة أو أحد القرّاء المجيدين لإنشاد التوحيد. وعندما يبدأ أداء التوحيد نستطيع أن نتبيّن تغيّر نغم الإنشاد فيه والذي يختلف قليلاً عن النغم في الهوامة: يتغيّر النغم الذي يُؤدّيه (المُوحّد) الفرد من صف القرّاء الذي يقوم بإنشاد شعر بوزن مختلف عنه في المنظومة والفصل، ويتمّ إنشاده مُنغّماً و مجزئاً في كلمات، لترد المجموعة عليه بعد كل كلمة أو كلمتين بردودهم المعهودة (لا إله إلا الله). أمّا صف الهوّيمة فتشتد حركتهم في كل الاتجاهات، ويزداد نغم الإنشاد سُرعةً ليتداخل مع إنشاد المُوحّد ويتقاطع معه، وفي النهاية يكوّن النغمان نسيجاً لحنياً واحداً ثريا ومُمتعاً تطرب بسماعه الآذان.
يقوم المُوحّد الفرد من صف القرّاء بالحركة وتوجيه صف الهوّيمة، فنجده يقف على ركبتيه ويتّكئ على عصاه وقد يسجد على الأرض أو يضرب عليها بيده أو بعصاه أو ما إلى ذلك من حركات تهدف إلى تحميس وتشجيع الهوّيمة لإعطاء المزيد من الأداء والإبداع فيه، فيصل معه لتحقيق أعلى درجة من الهُيام والعشق والتجرّد للذات العلية، و لإمتاع الحضور بما يُؤدّى في ذات الوقت.
ومن شعر التوحيد، هذا المثال:
ـ لا إله إلا الله
الله، يا الله
جلّ الذي بعث الرسول رحيما
ويَـرُدّ عـنّـا في المعـاد جحـيما
و بـه يُــراد ُ جــنّــةً ونــعـيـمـا
أضحى على قدر الكرام كريما
صلوا علـيه وسلموا تـسليـما
أقـول لـلحـجّـاج فـزتـوا بالـمنى
هـناك فـزتـوا بالمسرّة و الهـنـا
واستبشروا من بعد فقرٍ بالغنى
والله زادكـمـوا بـه تـكــريــمـا
صلوا عـليه وسلموا تسـليمـا
والتوحيد يأتي في أشكال متعـدّدة، بحسب المكان الذي يُقام فيه المالد والمُناسبة التي يُؤدى فيها، فهو قد يُؤدى بعد دور(فصل) أو دورين من بداية الأداء، كما يحدث في بعض المواقع في كثير من الأحيان، حيث ينتهي الدور أو الدورين الأوليين عندهم بالهوامة، ذلك لإعطاء الهوّيمة الوقت لاكتساب النشاط والحماس وعدم إجهادهم منذ بداية الأداء لكون هذا الجزء يتطلب أكثر من غيره من الأجزاء بذل الكثير من الجهد والنشاط بحسب الحركة فيه وسرعتها. و قد يكون الأداء مصحوباً بضرب الدفوف منذ بداية الأداء كما في بعض المواقع وقد لا يكون.
أهم الشعراء المتصوّفة:
نستعرض هنا قائمة بأهم شعراء الصوفية وترجماتهم حيث يستمد المنشدون في عُمان بعض أشعارهم لانشادها في أجزاء المالد وفصوله، وهم:
ابن الفارض: “هو الإمام أبى حفص و أبى قاسم عمر بن أبي الحسن بن المُرشد بن عليّ الحموي الأصل (من حماة في سوريا)، المصري المولد و الدار والوفاة، المعروف بابن الفارض، لـُقّب (بسلطان العاشقين) وفي هذا المعنى يقول: “أنا إمام العاشقين وكل العاشقين تحت لوائي”. نـُعت ابن الفارض بالشرف، وقد أبدع وأجاد في المعاني الدقيقة والعبارات الرشيقة الرقيقة؛ كان متجرداً صالحاً، محمود العشيرة حسن الصحبة، جاور مكة المكرمة زماناً(4)”.
البُرْعي: هو الإمام الشيخ عبد الرحيم بن أحمد بن عبد الرحيم بن اسماعـيل البرعي، عُرف بأصله اليمني نسبة إلى قـبيلة برع، فقيه صوفي، عاش في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري وأوائل القرن التاسع، قرأ الفقه والنحو وتأهل للتدريس، له ديوان شعر مطبوع باسم “ديوان البرعي في الابتهالات والتضرّعات الإلهية والاستعطافات والمدائح المحمّديّة ” و عدد من المؤلفات الأخرى.
و يُروى أن قصيدته (يا راحلين إلى منى بقياد) نظمها في حجه الأخير لما صار على بعد 50 ميلا من مكة وقد أحس بدنو أجله فنظمها ولفظ نفسه الأخير مع آخر بيت منها.
الحدّاد: هو الإمام الشيخ عبدالله بن علوي بن محمد، المعروف بـ (الحدّاد)، من مدينة تريم في حضرموت اليمنية، نهج طريق الصوفية ولقب (بشيخ الإسلام) و (قطب الدعوة و الإرشاد)، مجدد طريقة السادة آل با علوي، يعود نسبه إلى الحسين بن علي بن أبي طالب، ترك عدداً من المؤلفات طبعت و ترجم بعضها إلى لغات عديدة، وله ديوان شعر مطبوع بعنوان: (ديوان الدرر المنظوم لذوي العقول و الفهوم)، وهو يتضمّن قصائده وأشعاره التي يتجلى فيها حبه الشديد لله سبحانه وتعالى ولرسوله العظيم ومدحه وحبه الكبير للديار المقدّسة الطاهرة.
الجيلاني: هو الشيخ أبو محمد محي الدين عبد القادر الجيلاني، هو صاحب الطريقة القادرية الصوفية، له العديد من المؤلفات بين مطبوع ومخطوط، منها مثلا كتاب: (جواهر الأسرار ولطائف الأنوار) في علم الصوفية و (إغاثة العارفين وغاية منى الواصلين) و (أوراد الجيلاني) وغيرها الكثير. أما كتاب: (الفيوضات الربّانيّة) فليس للشيخ عبد القادر غير أنه يحتوي على الكثير من أوراد وأدعية وأحزاب الشيخ عبد القادر الجيلاني.
البرزنجي: هو السيّد جعفر بن السيّد إسماعيل المدني البرزنجي، ويعرفه العامة باسم (البرزنجي)، له كتاب بعنوان: “مولودٌ شرّف الأنام” موجودٌ في ثلاث طبعات: شاميّة، و باكستانيةٌ، و هنديّةٌ، والأخيرة هي أكثرها شيوعاً وانتشاراً، وينقسم هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام، هي: المولد البرزنجي نظماً، والمولد البرزنجي نثراً، ثمّ القسم الثالث الذي يحتوي على: أدعية ختم القرآن الكريم، وقصيدة البردة للإمام البوصيري، وعقيدة العوام.

خاتمة

وبعد، فقد قدّمنا خلال هذه الورقة عرضاً وصفياً لبعض ظواهر الأداء التقليدي عند عدد من أهل عُمان، تمثل ذلك من خلال صيغة من صيغ الإنشاد الديني الإسلامي التي لاشك تحمل في ثناياها العديد من القيم الدينية و الفنية و الحضارية التي يختص بها المجتمع في عُمان، وهي خاصية من الخصائص المميزة للمبادئ الجمالية العربية الإسلامية، وتزخر بنماذج عديدة من المضامين الأدبية كالروايات النثرية و المناظيم الشعرية والأدعية وغيرها.
إن الممارسين للمالد يعتبرون هذا الأداء الإنشادي الحركي نشاطا دينيا تعبدياً له الكثير من الفوائد الروحية والنفسية عندهم وهو إلى جانب ذلك يعتبر مشاركة جمعية لإلقاء الشعر العربي والنثر وإنشاده وهذا يولد عندهم شعور قوي بالرضى النفسي والروحي والاجتماعي إلى جانب العديد من الصيغ الإنشادية الإسلامية الأخرى التي يزخر بها المجتمع في عُمان.

المصادر والمراجع:

ــ ابن الفارض، عمر بن أبي الحسن، “ديوان ابن الفارض”، إصدار مؤسسة المطبوعات الإسلامية، القاهرة، مصر.
ــ البرعي، عبد الرحيم، “ديوان البرعي في الابتهالات والتضرّعات الإلهية والاستعطافات والمدائح المحمّدية”، علي محمد الحاضري وأولاده، شارع الفتح الصعدي.
ــ الشيدي، جمعة بن خميس، أنماط المأثور الموسيقي العُماني .. دراسة توثيقية وصفية، إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية، وزارة الإعلام، مسقط – 2008.
ــ الملاح، عصام (تحرير)، ” الوثائق الكاملة للندوة الدولية موسيقى عُمان التقليدية”، مطبوعات مركز عُمان للموسيقى التقليدية، (ج 1، 2، 3)، إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية، وزارة الإعلام، مسقط، 1994، الناشر: فلوريان نوتزل، ألمانيا.
ــ مصطفى، يوسف شوقي، معجم موسيقى عُمان التقليدية، مركز عُمان للموسيقى التقليدية، وزارة الإعلام، 1989.
ــ وزارة التراث القومي والثقافة، سلسلة الفنون الشعبية العُمانية ج 1-4، ط الأولى، 1991م.
ــ الكثيري، مسلم بن أحمد، الموسيقى العُمانية.. مُقاربة تعريفية و تحليلية، مركز عُمان للموسيقى التقليدية العُمانية، وزارة الإعلام.
ــ الملاح، عصام، ” الموسيقى العُمانية التقليدية و علم الموسيقى”، ج1، ج2، إصدار مركز عُمان للموسيقى التقليدية، وزارة الإعلام، مسقط، 1997، الناشر: هانز شنايدر، ألمانيا.
ــ من فنون عُمان التقليدية، مركز عُمان للموسيقى التقليدية، وزارة الإعلام.
ــ مقابلات عديدة مع عدد من الرواة والممارسين والعارفين بالموروث الثقافي العُماني في عدد من ولايات السلطنة من 84 – 2005.

جمعة بن خميس الشيدي
جامع ميداني و باحث في التراث الثقافي

إلى الأعلى