الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / دار الأوبرا السلطانية مسقط .. مواسم ثقافية تحترف النجاح
دار الأوبرا السلطانية مسقط .. مواسم ثقافية تحترف النجاح

دار الأوبرا السلطانية مسقط .. مواسم ثقافية تحترف النجاح

تبدأ موسمها الخامس بأوبرا “ماكبث” لجوزيبي فيردي .. منتصف الشهر القادم

مسقط ـ (العمانية):
في 18 أغسطس على مقربة من بحر عُمان الضاج بالحكايات والمحتفل دوما بموسيقى وأغاني البحارة العمانيين والعالميين القادمين إليه من كل مكان، تستكين واحدة من أهم وأحدث دور الأوبرا في العالم سواء من حيث النشاط والقدرة على حفظ وتيرة العمل المبني على خطط نحو المستقبل أو من حيث الإمكانيات التقنية الحديثة التي تمتلكها الدار. إنها دار الأوبرا السلطانية مسقط التي تنتظر خلال منتصف الشهر القادم أن تبدأ فعاليات موسمها الخامس بزخم مفاجئ من العروض التي يتوقع أن تكون مبهرة وجاذبة ليس للجمهور المحلي فقط وإنما لجمهور دور الأوبرا إقليميا وعالميا ويبدأ الموسم الخامس بعرض لأوبرا “ماكبث” لجوزيبي فيردي، وهو عرض من بين ستة عروض أوبرالية يضمها الموسم الخامس، ويبدو الاختيار غاية في التوفيق من حيث مكانة تحفة فيردي الموسيقية والسمعة الكبيرة التي تحظى بها “ماكبث” وعلاوة على العروض الأوبرالية المنتقاة بدقة والتي من بينها أوبرا “ماون ليسكو” لجاكومو بوتشيني فإن أغلب الحفلات العربية شكلت مفاجأة للجمهور خاصة أن الموسيقار المصري عمر خيرت سيكون نجم إحدى الحفلات. إضافة إلى حفل “كلثوميات” الذي سيستضيف الفنانة آمال ماهر التي تعود للمرة الثانية لدار الأوبرا السلطانية لتحيي حفلة عن أم كلثوم. وحفل آخر للفنان اللبناني مارسيل خليفة، إضافة إلى العشرات من أهم العروض العربية والعالمية استطاعت دار الأوبرا السلطانية وفي فترة وجيزة جدا أن تسجل لها حضورا لافتا بين أشهر دور الأوبرا في العالم لتؤكد للجميع أنها وجدت لتتطور وتنمو وفقا لسلم نمو مثل هذه المؤسسات الثقافية الرائدة في العالم، وبهذا المعنى تكون الدار قد نجحت وكسبت الرهان العالمي.
ومنذ البدايات التجريبية لدار الأوبرا السلطانية كانت الدار تنبئ بأنها قادمة لتتخطى العديد من التحديات سواء كانت تحديات المكان أو الزمان، فعلى المستوى المكاني استطاعت الدار في فترة وجيزة أن تجتذب جمهورا عمانيا وخليجيا لم تكن الأوبرا حاضرة في وعيه الموسيقي من قبل. أما على المستوى الزماني فإنها استطاعت أن تعيد الزمن الجميل لعروض الأوبرا الخالدة وتجاوزت في ذلك الصعاب منذ العرض الأول الذي أعد خصيصا لدار الأوبرا السلطانية وهو أوبرا “توراندوت” من إخراج فرانسوا زيفيريلي، وكذلك أوبرا “عايدة”، وغيرها من العروض التي يحلم الملايين بمشاهدتها في العالم.
وفي سياق الحديث عن العنصرين الزماني والمكاني لا يبدو حضور دار الأوبرا السلطانية مفاجئا في المشهد الثقافي العماني. فمنذ البدايات الأولى لعصر النهضة المباركة أخذ الاهتمام بالموسيقى والفنون العمانية حيزا كبيرا، بل واهتماما شخصيا من قبل حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – ويمكن أن تقرأ دار الأوبرا السلطانية باعتبارها تتويجا حقيقيا للمشهد الثقافي العماني، بل وتتويجا للاهتمام السامي بالفنون والثقافة بشكل عام والموسيقى بشكل خاص، ويمكن أن نستذكر في هذا الموضع إنشاء الأوركسترا السلطانية العمانية منتصف ثمانينات القرن الماضي والتي تعد اليوم في مقدمة الفرق الأوركسترالية في العالم أجمع.
لكن لا يمكن أن ينظر لدار الأوبرا السلطانية باعتبارها مكانا لعرض الموسيقى والحفلات الغنائية الراقية فقط، إنها أكبر من ذلك بكثير وهذا ما يصر عليه القائمون على الدار منذ البدايات الأولى ويتم الإصرار عليه في كل المؤتمرات الصحفية واللقاءات مع أعضاء مجلس الإدارة. ويمكن هنا أن نستعيد ما قاله صاحب السمو السيد كامل بن فهد بن محمود آل سعيد عضو مجلس إدارة الدار في آخر مؤتمر صحفي نظمته دار الأوبرا السلطانية عندما أكد “أن هدف الدار ليس مقتصرا على ما تقدمه من عروض، بل هي بمثابة مكان للتعليم والحوار وذلك من خلال ما يتم طرحه من برامج تعليمية خاصة وفعاليات توعوية”.
وفي الحقيقة أن كلام صاحب السمو عضو مجلس الإدارة دقيق جدا، فالدار تستقطب سنويا آلاف الطلاب من الذين ينخرطون في برامج تعليمية في أروقة الدار، فهم إضافة إلى حضورهم الحفلات الخاصة التي تخصص لطلاب المدارس يشاركون بفعالية وهمة في الأيام المفتوحة التي تخصص لهم. كما يحرص الكثيرون على إحضار أبنائهم للدروس التي تقدم قبيل بدء أي عرض وهي بمثابة مركز تثقيفي وتنويري في هذا المجال.
وإضافة إلى البعد الثقافي والتتويجي للمشهد الثقافي العماني لا يمكن أيضا تجاوز بعد السياحة الثقافية التي لا شك أنها كانت حاضرة في الذهن، خاصة وأن السلطنة تتمتع بتاريخ ثقافي وحضاري ضاربة جذوره في عمق التاريخ. ويبدو أن تلك الرؤية كانت تتمتع بحس استشرافي دقيق جدا ولذلك فإن الآلاف اليوم يزورون السلطنة ويتجولون في ربوعها ويكون هدف زيارتهم الأول حضور عروض في دار الأوبرا السلطانية مسقط، وتعطي مبيعات التذاكر مؤشرا صادقا جدا فيما يخص هذا الموضوع وخاصة ما يتعلق منها بالحجوزات التي تتم من الدول الأوروبية وأميركا الشمالية.
وإذا كان إنشاء دار الأوبرا السلطانية تتويجا للمشهد الثقافي في السلطنة فإنه كذلك يمثل تتويجا لتطور المعمار العماني الذي تفاعل مع الكثير من الأنماط المعمارية الأخرى في الإقليم.
ومنذ النظرة الأولى يستطيع الزائر للدار اكتشاف تأثر الدار ببناء القلاع العمانية وهذا يتجلى في المشربيات الخشبية التي تتميز بها البيوت العربية في تصميم بعض التشكيلات الخشبية داخل مبنى الأوبرا . وهذا أيضا تتلمسه بشكل جلي في تصميم الفوانيس والثريات، وهو أمر يعود إذا ما أعيد إلى بعض جذوره في العهد المملوكي ، إلا أن العهد المملوكي ليس الوحيد المتواجد بثراء في مبنى دار الأوبرا السلطانية، بل هناك مشاهد لزخارف مغولية وهندية في العديد من جدران المبنى.
وتتناغم هذه الزخارف وذلك الميراث متعدد الأعراق والحضارات بشكل حواري جميل ومتناغم مع الرخام الذي يلعب دورا أساسيا في تصميم دار الأوبرا، حيث استخدم رخام “الترافرتين” الجيري بشكل كبير مما أنتج بريقا بديعا في الأجزاء الداخلية والخارجية، وأعطى المكان الكثير من سمات الاتساع والإضاءة التي يمكن أن يطلق عليها بهدوء وحب إضاءة كلاسيكية؛ وهي تعطي بسخاء مساحة للرؤية العميقة من خلال الأروقة والعقود المتتابعة، وهذا في مجمله قيمة معمارية بارزة في بناء دار الأوبرا السلطانية، حيث فكرة العبور فوق الأزمنة، وعبرها، مما ينتج في النهاية تراكما معماريا يستلهم من مختلف الحضارات التي مرت على الشرق، وهو في هذا وذاك اختزال للإبداع في أبهى صوره.
ولأن الحوار الحضاري يحتاج إلى تمازج بين الأصالة والمعاصرة، ولما كانت دار الأوبرا السلطانية معدة لتستقبل عروضا موسيقية وثقافية عالمية على نحو تكون فيه التقنية العامل الرئيسي، فقد جاء تصميم الدار لتتناسب مع آخر ما وصلت إليه التقنية الحديثة في مجال دور الأوبرا في العالم، حيث زودت بأحدث النظم التقنية المتعلقة بمعالجة ارتدادات الصوت وصداه لكي تتناسب مع نوع الفعالية المقامة، سواء بامتصاص الصدى أو تضخيم الارتدادات، وقد تم دمج النظم في تصميم المبنى لاستعمالها في مختلف أنواع الفعاليات التي تستضيفها الدار.
وعلى الرغم من كل التقنيات الحديثة التي يمكن الحديث عنها في دار الأوبرا السلطانية إلا أن الانطباع العام يحيلنا إلى الأناقة العريقة فالمقاعد الوثيرة مزدانة بكمنجات مخملية مذهبة على خلفية حمراء، والأسقف والجدران من خشب الساج المتقن الزخرفة.
وبكل هذا الزخم وهذا الحضور في المشهد العالمي تسير اليوم دار الأوبرا السلطانية بخطوات ثابتة نحو الأمام ورغم أن عينها على المشهدين المحلي والعالمي إلا أن المؤكد أن عين العالم الراقي والمتخم بالحساسية الفنية عليها ومن كل الزوايا.

إلى الأعلى