الأحد 23 يوليو 2017 م - ٢٨ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد

اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد

كاظم الموسوي

“يوم انتهينا إلى السجن الذي ما انتهى
وصيت نفسي وقلت المشتهى ما انتهى
يا واصل الأهل خبرهم وقل ما انتهى
اليوم بتنا هنا والصبح في بغداد”
سعدي يوسف
بعد نهار طويل وليلة كاملة قضيتهما رغما عني في مطارات وطائرات لا خيار لي فيها ولا رأي، حصيلتها تعب شديد وانتظار ممل، وصلنا بغداد صباحا، عند الساعة السابعة. بتنا هناك، في المطارات والفضاء وصبحّنا في بغداد. أجل وصلنا الصبح إلى دار السلام. وجدتها عند الصبح غافية وهواءها عليلا، تفرك عينيها من عمق النوم أو السهر، لا أدري.. إذ نحن في شهر ربيعي، نهاية كانون الثاني/ يناير. السماء كانت زرقاء فعلا تلونها أسراب طيور هائمة تبحث عن مستقر لها في زوايا الكرة الأرضية، وسحابات بيضاء متناثرة هنا وهناك. استبشرت بها خيرا رغم كل ذاك التعب والإنهاك.
خرجت من بناية المطار بعد الإجراءات الروتينية، ختم الجوازات وانتظار الحقائب. ثمة اشياء تحدث وتشير لنفسها بفضول أو بتركيز أو لحسابات أخرى.. أمور كثيرة منها مثلا دخول “مدنيين” إلى الأدوار الممتدة من المسافرين الواصلين بانتظار المرور عبر طاولات أو غرف شرطة الحدود وختم الجوازات، وإخراج معارفهم بعد قُبل واحتضان وكلمات الحمد لله على السلامة والوصول دون الالتزام بانتظار الأدوار وكأنهم مسافرون آخرون، أو ليسوا كالآخرين، أو الآخرون ليسوا مثلهم. فلا بد أن تعرف أحدا من هؤلاء “المدنيين” ليأخذك كما شاهدت وربما هناك امتيازات أخرى أيضا. الله أعلم!! المهم هذه ظواهر تتكرر فقط في عالمنا الثالث، وفي بلداننا العربية خصوصا، وتحت أفياء حكومات التحزب الاستبدادي والتقسيم الطبقي حتى للمسافرين، مثل درجات جلوس الطائرة، الأولى والسياحية. وحتى هذه فهي حسب ما تملك وما في الجيب، ليست كما يحدث أو حدث في مطار بغداد الدولي!
في سفرة سابقة، كان كل شيء فيها مريحا .. كانت هناك حافلات كبيرة تنتظر القادمين، فيها مكان مخصص للحقائب ومقاعد للركاب، تشعرك باستقبال لطيف نسبيا مصحوبا باحترام عام، ومجانية تبرعا من وزارة النقل. وهي خاصة في المطار والوضع العراقي في بغداد. إذ لا بد أن تنتقل من المطار بهذه الحافلات رغما عنك أيضا، إذا كنت مواطنا عاديا، لا تعرف “المدنيين” الذين ذكرتهم، إلى ساحة العباس بن فرناس. ويسمونها ساحة العباس دون قصد طبعا! متى تنتهي هذه القصة؟! ولكن هذه المرة غابت هذه الحافلات الكبيرة، وشاهدت سيارات من الدفع الرباعي سوداء ووقفت منتظرا دوري ولم يعبأ أحد بي. فكل سيارة تأتي يصعد فيها مسافرون بتوصية وإشارات وتحيات. رجال مدنيون مع هواتف يتحدثون ويسيّرون السيارات. يتنادون أحيانا بأسمائهم: أبو سجاد، أبو كرار.. أبو… الجماعة توصلهم؟ فسألت أحدهم كيف أصل إلى ساحة العباس؟ لم يرد علي وآخر أجاب على عجل دون أن يلتفت لي: سيأتي “كوستر” هناك موقفه .. قلت له: وهذه السيارات .. رد أيضا وهو مشغول بهاتفه المحمول: محجوزة حجي!
صعدت في “الكوستر”، الحافلة متوسطة الحجم، حيث حشرت الحقائب مع المسافرين بطريقة السردين والسائق يصيح مطالبا بجمع خمسة آلاف دينار عراقي أجرة الراكب الواحد (أقل من خمسة دولارات)، بسرعة كيلا نتأخر، (عن ماذا؟!) هذه المرة تبدلت هدية وزارة النقل للقادمين إلى بلدهم من أنحاء المعمورة. ولا حاجة للشك في مثل هذه الأشياء الصغيرة.. خمسة آلاف دينار لا تستحق حتى التفكير فيها، ولكن..! لا مكان أو فراغ في الشاحنة وصارت بأجور هذه المرة .. وتدافع المسافرون دون أصول واحترام لكبير أو صغير، رجل أو امرأة.. أجل هذا ما شاهدته وأنا أتحسر على تلك الأيام.. ومن أين جاء هؤلاء العراقيون وكيف صارت الأمور الآن؟ الديكتاتورية والحصار وأخلاق الريف والمدينة والهجرة والاغتراب والمنافي والملافي ..و..و..
نزلت الشمس إلى بغداد وابتدأت حرارة الجو تشع ويتصبب العرق وغابت العصافير عن أجواء المدينة.. حتى الطيور تهرب من صخب المدن ومن أجوائها المشحونة بالغازات ودخان السيارات وأصوات الازدحام الغريب في شوارع عريضة محصورة بين بيوت حجرية وفضاءات ملبدة بما لا تعرفه الطبيعة في تلك الأيام. في بغداد الآن.. كلما تقترب من المدينة كلما تبتعد عن المدنية، وعن أيام الزمن الجميل.
وصلنا بغداد إذن.. ودخلناها باشتياق وحنين للناس والأمكنة والشوارع والذكريات.. بغداد لم تعد كما تركتها أو هاجرت منها.. وفيها كما في مصر على قول المتنبي العظيم.. لكن الأجمل للمغترب هو ما يراه أيام الجمع من كل أسبوع في شارع المتنبي. شارع المكتبات والمثقفين العراقيين. تفتيش في مدخله لتنبيه الداخل إلى ظروف الأمن ورعب الانفجارات التي هشمته في مرات سابقة. وملأت صور الشهداء مقهى الشابندر في نهايته التي ترفع صور عراقيين ومشاهد من زمان آخر على جدرانها.. من السياسيين أو المثقفين، شعراء وأدباء وروائيين وفنانين وأضيف لهم الشهداء الجدد.
لفت انتباهي في الكتب المعروضة على الأرصفة أو في واجهة المكتبات التي تصطف على جانبي الشارع، إصدارات جديدة وقديمة عن اليهود، في العراق خصوصا وتاريخهم، ومؤلفات لهم.. مصفوفة بشكل واضح كأنه استهداف مطلوب. قال لي زميل فلسطيني مختص حين أخبرته عنها بأنها لا تبتعد عن دور للكيان فيها، لترويج وتغلغل وتعريف وأهداف أخرى لا يعلمها إلا الراسخون بعلم مثل تلك الظواهر والانشغالات الثقافية. في فلسطين المحتلة والدراسات الأكاديمية يحاولون ذلك وحسب التوجهات طبعا. فأين ما يجدون فرصا أو مناخات تتيح لهم مثل ذلك لا يتوانون عنها ولا يتأخرون. هل ننتبه أم أنها شكوك ليست في محلها، كما يحاول بعضهم التبرير؟! قلت لذلك الصديق: قد تنفع هذه الإصدارات في المعرفة والاطلاع على التاريخ والمصير والمسار، لا سيما في التاريخ السياسي العراقي، والأدوار والمكانات والتعايش والإنسانية.. ورد بجدية وأين كانت هذه المؤلفات وماذا تروم بعد؟!
كما لفتني بوضوح أيضا في الإصدارات الجديدة الكثيرة عن اليسار وأحزاب اليسار. أكثر من عنوان عن الحركة الشيوعية والحزب الشيوعي ومناضلين شيوعيين ومذكرات لقيادات شيوعية وأطاريح عن الحركة والشخصيات.. هذا اهتمام مهم وجدي في ظروف عراقية بامتياز. ففي الوقت الذي تهيمن فيه قوى دينية تحارب اليسار في أدبياتها وسياساتها تجد الشارع لا يضن على اليسار بمثل هكذا اهتمام وانتشار. هل هي الديمقراطية التي يتحدثون عنها تباهيا وكأنها موضة جديدة؟ ولكن لماذا في الكتب فقط؟ ذكر لي صديق يحمل صفة مدير عام في وزارة عراقية، وجرى الحديث عن دوره أو التعاون الوطني وضرورة العمل المشترك لخدمة العراق العظيم. قال بخفوت قد لا تتصور إذا قلت لك إن بعض المديرين الآخرين، المحظيين أو حملة (البازباند) المذهبي والطائفي والمكلفين بأعمال ليست من عنوان وظائفهم يرون فينا أعداء أشد من الأعداء الحقيقيين الذين يتربصون بهم قبل غيرهم ويحاربونهم في كل مجال، خلاف ما نحاول أن نريهم حرصنا معهم على خدمة الشعب والوطن.. إنهم لا ينظرون لنا غير طابور ضدهم ويتركون الأعداء الحقيقيين يلعبون في الميدان كما يرغبون ويخططون.. وكالعادة.. لا يفيقون إلا والفأس قد وقع في الرأس.. ولات ندم بعدها.. بعد حرق روما ونيرون يصرخ.. على الجميع! ضحكت معه وذكرته بما قاله أبو تمام:
إذا جَارَيْتَ فـي خُلُقٍ دَنِيئـــا فأنتَ ومنْ تجارِيه سـواءُ
رأيتُ الحرَّ يجتنبُ المخازي ويَحْمِيهِ عنِ الغَدْرِ الوَفاءُ
وما مِنْ شِدَّة إلاَّ سَيـــــــأْتي لـها مِنْ بعدِ شِدَّتها رَخاءُ
لقد جَرَّبْت هذا الدَّهْرَ حتَّـى أفَـادَتْني التَّجَارِبُ والعَناءُ
فلا والله ما في العيشِ خـيرٌ ولا الدُّنيا إذا ذهبَ الحَيـاءُ
إذا لم تخشَ عاقبة الليـالي ولمْ تستَحِ فافعَلْ ما تَشـاءُ

إلى الأعلى