الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / شتاء خارج حدود النص

شتاء خارج حدود النص

إن فوضى الزوج بحياتها جعلت منها أنفاس هادرة تكتب مذكراتها وقت المساء في شتاء خارج حدود النص وعلى أبجدية مبعثرة بضوء القمر ، لا يعي ما تعاقره من ألم بداخلها سوى قلم وصفحة بيضاء إجتثت بداخلها سلاسل قصصية من أبجدية نازفة ، لقد إرتبطت بشيطان يغير جلده في اليوم والليلة آلاف المرات حين يرى النساء وأصوات الخلخال بأقدامهن ، وهو واقفا عبر طابور من سلاسل الحانات الليلية التي يعاقر من خلالها كؤوس النبيذ ، لقد أضاعت عمرها وريعان شبابها وهي تقف على أعتاب بابه تقدم النصيحة لحظة دخوله إليها تعطر جسده رائحة الخمر وتبغ السيجار الذي تنفثه فتيات الليل بقمصانه ومع مرور الوقت وبعد أن يأست من إصلاحه خشيت أن تبقى نقطة سوداء في رداء مجتمع شرقي ناصع القيم والفضيلة ، لم تعرف الفرحة في حياتها سوى مرتين، مرة عندما رأت أول مولود لها يغمض عينيه بين أحضانها ، والمرة الثانية عندما انفصلت عن زوجها إلى غير رجعة ، بينما هو لم يعرف الألم سوى مرتين، المرة الأولى عندما تلعثم أمامها وهي تطلب الانفصال عنه بكبرياء ، والثانية عندما شعر بخسارته لها ، قبل أن تنفصل عن زوجها كانت كغيمة أصيبت بالقحط ، تخاف إن طلع عليها الصباح ، أن لا تلتقط أنفاس المساء ، ورغم ما هب عليها من عواصف، وما تكابل عليها من أقدار تزامنت بحياتها ، لكنها في لحظة هي أقرب للحقيقة ، تلك الحظة التي من خلالها شعرت بحريتها بعيدا عن أغلاله، أصبح بالنسبة لها الزمن لن يكفيها للأحلام والإبحار إلى ميلاد الطموح ، لقد تخلصت من كل ماضيها ، وتلمست قبلة ضوء من بعيد مشتعلا دون أن ينطفئ ، لقد اختزلت ما بداخلها من البكاء الكثير، حزمت حقائبها وهاجرت وهي ترسم في شفتها إبتسامة حد التوهج ، رغم ما بداخلها من انكسار ، لكن من ينظر إلى تقاسيم وجهها ، وتفاصيل حديثها ، يشعر بأنه أمام أنثى متزنة لها من قوة الشخصية الكثير، فيصبح من الوهلة الأولى مبهورا بشخصها مفتونا بفكرها ، إنك تشعر بأنك تقف أمام نوع آخر من الإناث ، ليست كباقي بنات حواء الآتي كنت تقف أمامهن سابقا، إن هذه أنثى لا تهزها الريح ولا تهزمها العواصف والطعنات ، لكنها وفي ذات الوقت ترى كرامتها فوق الجميع إذا ما أهينت ، أو إستغفلت لتصبح أضحوكة وسخرية ، حينها فقط ستقوم بترك ومغادرة المكان في صمت مهما كانت شدة تعلقها به ،مفضلة الانسحاب على الخوض في حرب تشل مفاصل فكرها وتستنزف دقائق وقتها الثمين ، لم تشعر بالانكسار يوما سوى مرة واحدة فقط ، إنها تلك المرة التي حزمت حقائبها فيها وبيدها تذكرة الذهاب ، شعرت في حينها بأنها كنخلة عطشى بحاجة لمن يرويها على تراب وطن خصب وقد أقتلعت من جذورها لتغرس في تربة أخرى لا تعني لها شيئا إنطلقت خطواتها متثاقلة من بلد شرقي إلى بلد غربي ، لكنها رغم ذلك لم تستطع الإنصهار بأي مجتمع ذهبت إليه ، إنها كفاكهة الريح ، لم يغريها أي وطن غير موطنها ، حرمت على نفسها إستيطان أي دولة والبقاء فيها غرار بلدها الأم ، إنها كفرس غامض ، من يراها لأول وهلة يظن بأنها مصابة بالتوحد تبصر المستقبل في المنام فتضع خطتها لسنوات طوال ، لم يكن يهزمها الحب يوما ، إنها تربح كل منافسة تدخلها مع من يتساوى بذات العقل والثقافة معها ، لذلك تجدها تربح كل قتال ونزال في كل منافسة هي بها ، فهي لا تهتم بصغائر الأمور ، ليس لها رفقاء تلتقي بهم وقت فراغها، لقد كونت رصيدا من الكتب والرفقاء الإفتراضيون والذين لديهم الحنكة والقدرة على نقد القلم وهو يمضي على ضفاف جسر الكلمة ، ما الذي تريده فتاة حسناء مثلها من الدنيا سوى أن تحقق الأحلام والأمنيات التي تملئ روحها وهي تقف على تراب وطن أبوابه باتت مفتوحة للجميع ، وقد هُيأت لها جميع السبل فسعت بما لديها من قوة وإرادة إلى أن تبرز ذاتها من خلال ما تقدمه من عطاء ، بيد إن طريقها مرصعة بحلم لم تبصر من خلاله النور بعد ، ولم يكتحل واقعها عليه حتى اليوم ، ومع هذا تدفأت بمناديل الأبجدية وغفت على يرقاتها ، غادرت في منتصف حزيران إلى سان فرانسيسكو عندما شعرت بأن الأعداء أمامها كثر ، والمحاربين قد تكالبوا عليها ، وبسبب كثرة المتسلقين على أكتاف الآخرين ، غادرت مودعة وطنها الأم ، حيث استقرت بقلب ولاية كاليفورنيا الأمريكية باحثة عن ذاتها التي لم يسعفها الحظ لتحقيقه بوطنها بسبب أعداء النجاح والوعود الزائفة وخيبات الأمل ، إنها أميرة من أميرات الحضارة والإمبراطورية العربية في الشرق ، لقد حطت رحالها وبسطت خيمتها على جسر البوابة الذهبية والهرم الأميركي ، بعد أن أثقلها تعب السفر منصهرا بداخلها حلم سنين وهي تكافح من أجل الوصول إليه ، ، وهناك رأت قلعة بريسيديو في شمال المدينة الحاضرة اليوم والتي اجتازت مسافة السأم لتصبح مركزًا للدعوى المسيحية في شرقها وتحديدا من خلال (حي “الميشن” الحاضر.) لم تحمل بحقيبتها سوى وردتان وبيت شعر من تراب وطن دفنت فيه روحها وسجنت بداخله قلبها يتبع ظلها صمت المحطات بين جزرسان فرانسيسكو وأوكلاند وما تحتفظ فيه من ذكريات وطن غفت بداخله كسوسنة سقتها غيمة ممطره ، في بداية وصولها سان فرانسيسكو لم تعرف إلى أين تتجه فأتخذت الخمسة أيام الأولى كسياحة لها متجهة كعادة أي سائح إلى المناطق السياحية كالجولدن جيت بردج وسجن الكتراث المشهور الذى اصبح متحف يزار ومن ثم تزور الحى الصينى فى سان فرانسيسكو تمتع ناظريها برؤية أكبر تجمع من أعداد الصيينيين بالعالم هناك في حين لا يزال حلمها يغمرها مع أول لحظة إنكسار لها ،لقد عانت من كبد الانتظار طويلا وهي تنتظر الأماني والأحلام تتحقق ، لقد كان بداخلها أمل الطموح يحج ويعتمر بين الفينة والأخرى لكن مسامير عذاب الوقت وعقارب ساعات الانتظار جعلا منها شمعة تنصهر أمام اليأس لقد أرادت أن تتعلم التمرد يوما ما وهي بسان فرانسيسكو كما حدث في مركزً حركة الهببي عندما تمردت ضد التقاليد الأميركية هناك في أيام الستينات ، بوقت بدأت معه ما يعرف باسم صيف الحب هناك ، لكنها أيضا وجدت بأن كل الدروب تحاصرها عندئذ أصبحت عيناها كأرجوحة الربيع ، في شتاء كشتاء كاليفورنيا شعرت بأنها في عصر “دوت – كوم” (dot.com) بقيت في تلك الأثناء تبحث عن المشردين بسان فرانسيسكو الذين كانت نسبتهم بارتفاع في عصر الثمانين ، ساقها الفضول للذهاب إلى حي كاسترو وحين وصلت هناك وجدت نفسها مغلفة بين حطام مرايا وأناس ضائعون ستائرهم ممزقة يعشقون الرذيلة ويبدعون فيها ، ظلت كشمعة في الريح تحاول أن تستقل سيارة أجرة لتأخذها إلى ساكرمنتو إن المسافة من فرانسيسكو إلى ساكرمنتو ساعة ونصف ، وهي من عادتها لا تهوى الإنتظار ، شعرت بأن الريح تناديها وتنحني أمام أقدامها الثابته لتمر على الفصول ، فوجدت نفسها أمام اليونيون سكويير بعطر ينعش الغرباء وقفت أمامها سيارة أجرة طلبت من سائقها أن يأخذها إلى ساكرمنتو وما بين حلم ومقلة عين ضائعة شعرت وهي تركب السيارة بأنها تتنفس رائحة وطن ضائع ، وعلى هذيان سماء غائم كان الجو ممطرا وما بين جزر ومد بقيت صامتة بالسيارة لمدة تقارب النصف ساعة وهي مغمضة العينين تحلم بطموح تشرئب منه نفسها ومن خلاله تستطيع تحقيق ذاتها على وطن ضيعته من يدها بجنون الممكن والآمستحيل ، وهنا فتحت نافذة السيارة وسحبت نفسا عميقا وفجأة سمعته يقول : مُتعَبٌ من يسافر دون انتماء وبتذكرته يحجز تاريخ مبهم للعودة ، فلو تريحي ذاكرتك قليلا لتستطيعي أخذ نفس بعمق قدر المستطاع ، فنحن نلتقي ما بين غربة وضياع ، لقد شعرت بالدهشة في تلك اللحظة من وقتها وبأن الحاضر الذي تعيشه الآن قد جرح مقلة عينيها ، شعرت وكأنها شخص هارب من حقد الأزمنة ، أيقظها على تباريح أحلام بالأمس ضائعة ، نظر إليها من مرايا السيارة وهي تجلس بالكرسي الخلفي مبتسما وهز رأسه وهو يقول لها :انفضي من بين يديك سراب الأمس ، وانظري هنا إلى طريق ممهد ، نظرت إليه نظرة غامضة حين سألها : أما رأيتي إنسانا مسافرا وقد ترك قلبه مدفونا من حيث أتى ‏وقد أرسل قبلته إليه مع عصافير لن تعود ، أما تعودتي أن تعيدي هندسة خريطة العالم من جديد ، أما سمعتي عن إختلاط الليل والنهار ، ومدن طال على شبابها الانتظار ، أما رأيتي ضواحي سان فرانسيسكو الراقية ، إنها تمد يدها إليك تصافحك مع طلوع الصباح حتى غروب المساء ، هنا أيضا شحرورة تغني وغزالة ترقص ، ليس في بلدنا فحسب ، بل حتى في بلادهم ، هنا يستطيعون فعل أي شيء دون أن يوقفهم أي أحد ، حتى أنهم أطلقوا على اطول جسر بالعالم بجسر البوابة الذهبي رغم ان لونة برتقالى ، وفجأة تعالى صوتها بالصراخ لتسكته قائلة له : كفى ، إلزم السكوت من فضلك ، فقد سمعت منك الكثير ، حتى كادت أذني أن تصاب بالصمم ، طلبت منه أن يرجع بها من حيث أخذها وتدفع له أجرته الضعف ، قائلة له : لم أسافر لأبحث عن أجدادي بين خرائط سان فرانسيسكو وكنائسها ، لن تقتلع الريح جذوري العربية ، لم أخلق عبثا لأستسلم ، لن يكتب للعربي بأن يكون صورة بمتحف ليصبح تأملات معلقة بجدار على لوحة غائبة ، إن حنجرة الحزن بداخلي لا تهدأ ولا تقف ، وشبابي لن أدفعه تذكرة هجرة لعمل خارج حدود وطني ، عد بي من حيث وجدتني أقف ، إني أجد في وطني خنجر الحق يلمع ، كنت أمتص صمتي فقط ، لقد غيرت صهوة جوادي إلى حيث الجزء الشرقي من خارطة العالم ، إلى حيث ألف نهر يمضي وساقية تجري ، دون أن يكون هناك أي تساؤلات في مرآتك ، وسأحمل حقائبي وأعود ، هنا فقط قال لها : سنكون شريكين بتذكرتين على كرسي الطائرة ، ولنصلي صلاتنا الأخيرة هنا ، ولنكتب على جدران شراشف أِسرتِنا ، إنني خارج وطني مجرد مغترب وعلى تراب غير ترابها مجرد ضيف وسائح ، ويبقى الوطن الروح التي يعشقها الحبيب ليذوب على ترابها الحنين ، ابتسمت والدمع يرسم حدودا جغرافية على زوايا وجه أثقلته الغربة وقالت : أنا وبطاقة هويتي الأصل عربي .

السهاد البوسعيدية

إلى الأعلى