الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / فوائد الحروب

فوائد الحروب

د.احمد مصطفى

”صحيح أن ما تفعله الإدارة الأميركية في علاقاتها بشركائها التجاريين والاقتصاديين في العالم يهدد حرية التجارة العالمية، ولا يتسق اطلاقا مع منحى العولمة وله تبعاته السياسية والاجتماعية على أميركا والدول الكبرى اقتصاديا. لكن الصحيح أيضا أن ما تفعله إدارة ترامب يكاد يكون “تمزيقا” لكتاب القواعد الاقتصادية التقليدية وخروجا مثيرا على ما تمليه “الحكمة الاقتصادية التقليدية”.”
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ليس فقط جريا على قول المثل الشائع”مصائب قوم عند قوم فوائد”، ففي الحروب هناك ضحايا ودمار وخسائر وهناك أيضا من يستفيدون ويوصفون بأنهم “أغنياء الحرب”. وإنما للحرب فوائد أخرى، بعضها حتى نفسي وليس فقط ماديا ويحتاج ذلك لعرض لا يتسع له المقام والمساحة. لكن، في ظل الظروف التي يمر بها العالم الآن، وخاصة على الصعيد الاقتصادي، اتذكر مقولة للراحل “أبونا يوسف” القس الطيب المحبوب لقرية مجاورة لقريتنا في دلتا النيل بمصر. سألته ذات مرة عن هذا التدهور الشديد في القيم والأخلاق وكيف يرى الحل وتوقعت إجابة رجل دين مثقف جدا لا تخرج عن تعاليم المسيحية ـ مثلها مثل بقية الأديان السماوية ـ لكنه فاجأني بكلمة واحدة: الحرب. وفهمت تماما القصد، فالحرب تجمع الناس على أمر أهم وأسمى فتموت الصغائر في علاقات البشر وتنافسهم حين يجمعهم هدف أكبر.
أستعيد ذلك الآن، والعالم كله يتذكر مرور عشر سنوات على الأزمة المالية العالمية التي عصفت بالاقتصاد العالمي ولم يتعاف منها تماما حتى الآن. وكثرت في هذه الأيام التنبؤات بأزمة اقتصادية عالمية جديدة لن توفر بلدا على وجه الأرض يرى المتشائمون أنها ستكون أعمق وأكبر ضررا من أزمة 2008/2009 التي بدأت بانهيار قطاع الرهن العقاري في الولايات المتحدة. ورغم أن هناك مؤشرات كثيرة على أن الاقتصاد العالمي ليس في وضع جيد، ويصل الأمر إلى ما نشعر به كمواطنين في دولنا من ضغوط اقتصادية تؤثر في حياتنا اليومية بشكل مباشر، إلا أن المرء ربما يجادل تلك النظرة التشاؤمية بتوقع ألا تكون هناك كارثة اقتصادية عالمية في المدى القريب وإن انفجرت لن تكون بالحدة التي يصورها الخبراء والمحللون.
بالطبع لا يمكن انكار أن هناك مشكلة دين عالمي هائل، وأن النمو الاقتصادي العالمي عموما ليس بالقدر الذي يعادل العجز في ميزانيات حكومات أغلب دول العالم. أضف إلى ذلك أن العالم لم يتعلم بما يكفي من الأزمة السابقة، ولجأ المسؤولون عن اقتصاد العالم واقتصادات الدول الكبرى إلى ما هو مجرب من طرق علاج تقليدية هي أقرب للتعامل مع الأعراض دون التصدي لأصل العلة. وهناك الكثير جدا من الأسباب والعوامل التي تدفع نحو توقع أزمة اقتصادية عالمية أوسع نطاق وأعمق تأثيرا، إلا أن هناك أيضا ما يجعلنا نتفاءل. وقد يستغرب البعض أن يكون دافع التفاؤل بشأن مستقبل العالم، اقتصاديا على الأقل الآن، هو ما نعرف جميعا أنه شر في أغلبه وضرر في معظمه أي “الحرب”. وأقصد هنا ما يتصدر العناوين في وسائل الإعلام العالمية عن “الحروب التجارية” التي أشعلها الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
صحيح أن ما تفعله الإدارة الأميركية في علاقاتها بشركائها التجاريين والاقتصاديين في العالم يهدد حرية التجارة العالمية، ولا يتسق اطلاقا مع منحى العولمة وله تبعاته السياسية والاجتماعية على أميركا والدول الكبرى اقتصاديا. لكن الصحيح أيضا أن ما تفعله إدارة ترامب يكاد يكون “تمزيقا” لكتاب القواعد الاقتصادية التقليدية وخروجا مثيرا على ما تمليه “الحكمة الاقتصادية التقليدية”. وذلك في تصوري أهم فوائد تلك الحرب التجارية التي أشعلها ترامب، أي التصرف بشكل غير تقليدي تماما وهو ما يحتاجه الاقتصاد العالمي لإصلاح جوانب الخلل التي تؤدي إلى الأزمات. ومع الاقرار بأن الاقتصاد الرأسمالي يمر بدورات صعود وهبوط، وربما أكمل دورة الآن بعد عشر سنوات على الانهيار المالي السابق إلا أن دورات الصعود والهبوط لا يفترض أن تؤدي بالضرورة للانهيار والأزمة طالما كانت الاختلالات الهيكلية في نطاق المعقول.
ربما لا يقصد الرئيس الأميركي، الذي لا يستمع لنصائح مستشاريه من الاقتصاديين التقليديين وخبراء السوق والمال، أن يصلح عيوب النظام المالي والاقتصادي العالمي. وربما الأدق أنه يفكر بطريقة رجل أعمال “مقاولاتي” عينه على مكاسب مالية سريعة وبطريقة فيها قدر من “الفهلوة”، كما يصفها من يتبنون الحكمة التقليدية. لكن النتائج الجانبية لسياساته الحمائية (وربما الانعزالية حتى تنفيذا لشعاره الانتخابي “اميركا أولا”) هي تهدئة الغليان في جوانب الاقتصاد العالمي التي يمكن أن تؤدي لأزمة وتجعلها أعمق وأكبر ضررا. فالقيود التجارية التي تفرضها واشنطن على الصين وأوروبا وغيرها تحد من زيادة الفوائض التجارية الهائلة التي تسهم بشكل غير مباشر في تغذية فقاعات مختلفة في قطاعات الائتمان والعفار والمغالاة في أسعار الأصول بشكل عام.
ثم إن الجانب الآخر من السياسات الأميركية ربما يفيد في زيادة مرونة الاقتصاد الأميركي وقدرته على مواجهة الأزمات، فرغم نمو الاقتصاد الصيني ليصبح ثاني أكبر اقتصاد في العالم يظل الاقتصاد الأميركي (الأكبر عالميا) الرافعة الأساسية للاقتصاد العالمي في وقت الأزمات. وليس هناك مثال أوضح من كون العملة الأميركية (الدولار) هي عملة الاحتياط والقياس الرئيسية في العالم والتي تقوم بها كثير من السلع والخدمات والديون والسندات وتحسب بها المؤشرات الكلية للاقتصادات الرئيسية. وطالما كان الاقتصاد الأميركي قويا يجد العالم سندا في وقت الأزمة، حتى على الرغم من شعارات الإدارة الجديدة حول عدم التزامها بدعم الآخرين.

إلى الأعلى