الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في الحدث: المشاركة الوجدانية المستفزة

في الحدث: المشاركة الوجدانية المستفزة

طارق أشقر

لم يكن تأكيد بيان مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن نتنياهو قد قدم العزاء والمواساة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فقدان موسكو خمسة عشر عسكريا اثر تحطم طائرتهم العسكرية إيل 20 في سوريا، لم يكن مدهشا للدبلوماسيين، وذلك باعتباره شكلا من أشكال المشاركة الوجدانية “الإنسانية” بين زعيمي بلدين تربطهما علاقات واتفاقيات استراتيجية فرضتها حالة الحرب السورية الدائرة رحاها منذ اكثر من سبع سنوات.
ولكن تلك المشاركة الوجدانية ووفق الوجه الآخر الذي يصعب إهماله من المنطق “الإنساني”، فإنها تعتبر وبكل المعايير الأخلاقية مشاركة وجدانية “مستفزة” لأبعد الحدود، خصوصا عندما يتم تناولها في اطار انها سلوك انساني ينبغي التعبير عنه عند وقوع كارثة يكون نتاجها فقدان أرواح بشرية بغض النظر عن جنسياتهم.
تعتبر المشاركة الوجدانية الاسرائيلية الواجبة دبلوماسيا مستفزة لكل من يعاير المشاعر الانسانية بالمجمل دون تجزئة ارتكازا على ضرورة الالتزام بالمعايير الأخلاقية في كل عمل يصدر عن الإنسان، حيث انها مشاركة صدرت في محيط جغرافي ملتهب بالاحتراق شبه اليومي لأرواح البشر سواء في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث توجد هيمنة نتنياهو، أو في ارض الحرب في سوريا التي لا تخلو من التدخلات الاسرائيلية فيه وفي تداعياته بالنتيجة.
يكمن الاستفزاز في أن نتنياهو عند تعزيته روسيا في خمسة عشر عسكريا مظهرا حزنه وتقطع قلبه على الضحايا، تناسى بان ارض معركة الصراع السوري التي اصبح يعربد فيها من وقت لآخر باعتداءاته المتكررة على الاراضي السورية، بل دخل وبكل جرأة في اتفاقيات لضمان عدم تعرض كل من روسيا واسرائيل عسكريا لبعضهما البعض خلال عمليات الحرب السورية في عملية وصفها المراقبون بأنها منحة من لا يملك لمن لا يستحق.
لقد كشف العزاء المستفز رغم وجوبه اخلاقيا، كشف عن وجود خلل ما في البناء القيمي في بعض المجتمعات الدبلوماسية ببعض دول العالم، فهو خلل يسقط وصف “الكيل بمكيالين ” المستهلك اعلاميا على عملية تقييم الانسان في مناطق الصراع، حيث يبدو ان خمسة عشر شخصا من مواطني دولة “قوية” هم اثمن وأغلى من ملايين الفلسطينيين الذين لقى بعضهم حتفه وجرح بعضهم وهام البعض الآخر منهم على وجه الأرض يبحث عن مأوى لهم خارج اراضيهم التي مر على احتلالها خمسين عاما، فضلا عن معاناة مليوني شخص من آثار الحصار الخانق المستمر على غزة لأكثر من احد عشر عاما.
كما كشف العزاء المستفز ايضا عن ان “الانسانية” لدى الدبلوماسية العالمية اصبح لها شكل مختلف عند المقارنة بين حالة فقدان خمسة عشر رجلا من خارج المنطقة العربية وبين فقدان اكثر من ثلاثمائة الف قتيل أرواحهم في سوريا، فضلا عن تأكيد مكتب الشؤون الانسانية التابع للأمم المتحدة بأن اكثر من ثلاثة عشر مليون سوري في حاجة إلى المساعدة والحماية. …. ورغم ان نتنياهو ليس المسؤول اخلاقيا عن هذه الحرب، الا ان منطق الأخلاق نفسه ينبغي ان يجبره على عدم الاستفادة من هذه الاجواء العكرة، حيث كان ينبغي ان لا يتدخل عسكريا بالاعتداء على الاراضي السورية طالما انه غني من الداخل بالمشاعر الانسانية التي دفعته لتقديم واجب العزاء في خمسة عشر شخصا لقوا حتفهم في محيط الصراع السوري نفسه.

إلى الأعلى