الجمعة 23 أغسطس 2019 م - ٢١ ذي الحجة ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار: لا يبقى غير الكلمات

باختصار: لا يبقى غير الكلمات

زهير ماجد

يتساقط كتابنا ومثقفونا الكبار على عجل وبعضهم بتمهل، كأنما لم تعد الدنيا تتسع لإقامتهم من شدة حاجتهم إلى الموت كراحة من المتغيرات الكبرى للأمة العربية.
كنت اناقش بعضهم في حال الأمة حين فاجأني احدهم بقول للكاتب الفرنسي ألبير كامي قال فيه “علينا ان نبدع ميتة واعية”، فجأة توفي هذا الصديق في ظروف وكأنه اختار ذلك النوع من الميتات الواعية.
قائمة خسائرنا لمثقفينا الكبار امتلأت، من المؤسف ان اعمارهم متساوية تقريبا، وجلهم من جيل النكبة الفلسطينية وربما قبله وبعضهم بعده بقليل. كلما التقينا ولو بعد حين، ابصر فيهم انطباق شخصهم على واقع عربي مر وعبر لكنهم يذكرونني كيف اختار سقراط موته لتمسكه بمبادئه، وكذلك غاليلة وغيرهما .. من شب على شيء شاب عليه كما تقول الحكمة، لكن هنالك من عاشوا النعم حين امسكوها بأيديهم الملوثة بالكلمات الكاذبة، والروح التي دفنت فيها كل حالات التزوير الإنساني والمبدئي والعقائدي وغيره.
عاش محمد حسنين هيكل حتى قارب المائة، ويوم سألت صديقا يراه باستمرار في القاهرة عنه، اخبرني ان الرجل تحول إلى صانع كلمات، اي إلى حكواتي، من كثرة ما يعرف صار عليه ان يصرف معرفته باللقاءات التلفزيونية.
بالأمس انضم إلى رحمة الله ابرز كتابنا العرب واكثرهم ثقافة وهو الفلسطيني خيري منصور .. صرت اخاف من المقابر التي تفتح احيانا ولا تغلق الا اذا نالت ما تريد، لكنها بالتأكيد لا تشبع. وكلما سقط كبير كخيري نتطلع حولنا لنعيد قراءة من بقي من هؤلاء الكبار الذين رسموا المرحلة بالكلمات وصاغوا افكارا لا ادري اذا كانت الأجيال الحالية والقادمة سوف تعيد قراءتها، ولحد علمي، فإنها، اي الأجيال ، تغربت من كثرة ما ابتعدت عن اللغة العربية، صارت اميركا روحها، وصارت لغتها مجال تفكيرها ومن يخسر لغته يخسر شخصه وانتماءه وصحة عروبته.
كان صديقي الشاعر ميشال سليمان يردد في مجالسه، عندما ينتصر الخطأ والخطيئة فبطن الأرض خير من ظهرها، ولهذا رحل باكرا ايضا بعدما قهره العالم العربي وحالة الإسفاف التي شابته، وكيف اسقطت قامات، وحاولوا مع من تبقى وما زالوا.
عندما صرخ الشاعر نزار قباني في احد قصائده عن فلسطين “ياايها الرجال / اريد ان اعيش أو اموت كالرجال”، كان يعايش حالة فلسطينية، فلسطينيون يعيشون في القواعد، فراشهم الأرض ولحافهم السماء، ولكن قضيتهم هي الطاغية على كل حياتهم، فكانوا الرجال الذين قصدهم نزار والذين قال فيهم ان لفلسطين “طريق واحد يمر من فوهة بندقية”.
يموت اصدقاؤنا المثقفون، نحبس انفاسنا خوفا على من تبقى منهم، ورغم معرفتي بأن الأرض ولادة وليست بعاقر، الا ان كل جيل هو شعب، وبالتالي فله خصوصيته واهتماماته وتجربته .. وقد نحتاج طويلا إلى جيل امتزج بمرحلته حتى صار منها وصارت هي منه، جيل ان كتب صدق، وان تحدث صدق، وان قال وفى، وان احب صدق ايضا .. جيل له حلم بحجم امة، وله قضية اسمها فلسطين رعاها برموش عينيه وبكلماته وبدمه احيانا.
لا يبقى يا سادتي غير الكلمات بعد كل هذا التجوال في الكتابة .. ارجو ان ينتفع منها جيلنا القادم أو الحالي مثلما انتفعنا من كلمات كثيرة غيرت حياتنا وبعثت فينا الأمل فاستمررنا، ولكن إلى حين ايضا.

إلى الأعلى