الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / فتاوى وأحكام
فتاوى وأحكام

فتاوى وأحكام

الكلمات التي قالها المفكرون في مختلف أنحاء العالم في الثناء على النبي (صلى الله عليه وسلّم) كثيرة وعديدة، وأنا ربما سأذكر واحدة منها مثلاً ما قاله مايكل هارت في كتابه (الخالدون المائة) يقول: إن اختياري محمداً ليكون الأول في أهم وأعظم رجال التاريخ قد يدهش القراء، ولكنه الرجل الوحيد في التاريخ كله الذي نجح أعلى نجاح على المستويين الديني والدنيوي. وبسمارك قائد ألمانيا وموحدها في القرن التاسع عشر قال: وإنني يا محمد لمتأثر جداً إذ لم أكن معاصراً لك، ولكنني أُجِلك بكامل الاحترام راكعاً في حضورك. الذي حدث بعد ذلك وخاصة في هذه الأيام المتأخرة كيف نفسره؟ وماذا نقول عنه؟.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن الله سبحانه وتعالى شرّف هذه الإنسانية إذ بعث فيها رسولاً كريماً وأنزل عليها كتاباً حكيماً، فهدى من شاء الله منها صراطاً مستقيماً.
نحن يكفينا أن النبي (صلى الله عليه وسلّم) نشأ في بيئة بدائية أمية، ولم يكن يقرأ من كتاب ولا يخطه بيمينه، وكانت البيئة بكل المقاييس المعروفة عند البشر التي نشأ فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) بيئة متخلفة، لم يكن هناك بين هؤلاء العرب الأميين الذين نشأ فيها نبينا (صلى الله عليه وسلّم) كتاب من الكتب التي يُعتمد عليها في توجيه الإنسانية، لم يكن لهؤلاء العرب شيء من بقايا الوحي إلا ما كان باقياً عندهم من تعظيم البيت الحرام مع ما ألحقوه به من رجس الجاهلية، وقد نجّسوا تلكم الشعائر التي تلقوها والتي كانت بقية من حنيفية إبراهيم ـ عليه السلام ـ برجس الجاهلية.
ولم يكن لهؤلاء العرب في تلكم البيئة التي نشأ فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلّم) شيء من الحضارة التي تطاول بها العرب الأمم المتحضرة، لم تكن هناك حضارة مثل حضارة الفرس، أو حضارة مثل حضارة الروم، وإنما كما قلنا كانت أمة متخلفة، بل لم تكن هنالك دولة تهمين على هذا القطاع الطويل العريض من هذه الأمة ومن هؤلاء البشر الذين كانوا في الجزيرة العربية إلا ما كان في بعض أطراف الجزيرة العربية من قيام دول محلية أو دول لها علاقة بدول خارجية.
فمعنى ذلك أن العرب كانوا أمة متخلفة، فنشأ الرسول (صلى الله عليه وسلّم) ما بين أولئك العرب وإذا به يأتي بخير الإنسانية كلها، يأتي بشريعة ربانية تأتي على القليل والكثير مما تفتقر إليه الإنسانية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يأتي بتوجيه لهذه الإنسانية إلى ناحية الرشاد، يأتي بعقيدة تصل بين الدنيا والآخرة ، وتربط ما بين العمل والجزاء، وتوحد هؤلاء البشر في ظلها على أساس من المساواة والعدل، وفي نفس الوقت تصل العباد بربهم سبحانه وتعالى، وتحل ألغاز الوجود، بل تصل عالم الشهادة بعالم الغيب.
فمجيء النبي (صلى الله عليه وسلّم) بهذا القدر أمر تعجز ملكات البشر عن تصور عظمه وجلالة قدره، ولذلك مهما تحدث المتحدثون وقال القائلون في تعظيم شخص الرسول (صلى الله عليه وسلّم) فإن ذلك يقصر دون مقامه ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ حسبنا أن الله سبحانه وتعالى قال فيه:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء ـ 107)، فهو تعالى لم يقل وما أرسلناك إلا رحمة للعرب، أو وما أرسلناك إلا رحمة للناس، أو وما أرسلنا إلا رحمة للثقلين، أو وما أرسلنا للأرض وما عليها، وإنما قال:(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)، والعالمون جمع عالم، والعالم يصدق على كل ما كان علامة ودليلاً على وجود الخالق سبحانه وتعالى، ومعنى هذا أن كل ما في الكون إنما هو مغمور بهذه الرحمة العظيمة وهذه النعمة الجليلة، فكل ذرة من ذرات الوجود هي مشمولة بهذه النعمة الربانية التي أسبغها الله سبحانه وتعالى على الكون ببعثه عبده ورسوله محمداً (صلى الله عليه وسلّم).
فأولئك الذين انطلقت ألسنتهم لتعبر عما وقر في نفوسهم من تقدير شخص النبي (صلى الله عليه وسلّم) وتعظيمه وإجلاله إنما تحدثوا من منطلق الفطرة، الفطرة تركتهم يتحدثون بهذا، وقد شاهدوا من آيات الله سبحانه وتعالى في شخص الرسول (صلى الله عليه وسلّم) ما بهر عقولهم، بينما الذين حقدوا من بعد وأخذوا ينتقصون شخص الرسول (صلى الله عليه وسلّم) ويكيلون له التهم ويحالون تحقيره ويحاولون تقليل شأنه إنما هؤلاء أخذهم الحسد كل مأخذ، استولى على نفوسهم الحسد، كما كان ذلك في الرعيل الأول، كما كان ذلك في أيام النبي (صلى الله عليه وسلّم) عندما حسده اليهود بل وحسدته قريش وحسده من حسده من العرب، أولئك حسدوه لأنهم رأوا عظم شأنه، وذو النعمة محسود، وقد أجاد التهامي عندما قال:
إني لأرحم حاسدي لحر ما
ضمنت صدورهم من الأوغار
نظروا صنيع الله بي
فعيونهم في جنة وقلوبهم في نار
لا ذنب لي قد رمت كتم فضائلي
فكأنهم برقعت وجه نهاري
وسترتها بتواضعي فتطلعت
أعناقها تعلو على الاستار
فذو النعمة محسود، وذو الشأن العظيم محسود، النبي (صلى الله عليه وسلّم) أنعم الله عليه إذ براه بهذه الصفات العظيمة وهذه الشمائل المحمدية الجليلة، ورفعه إلى هذا المكان الأرفع، وبوأه هذا المبوأ الرفيع، وجعله الله سبحانه وتعالى رحمة للعالمين، هيأه لأن يحمل رسالة هي رحمة للعالمين، وجعل على يديه قلب الموازيين في هذه الدنيا، جاء برسالة جمعت بين العرب بين العرب والعجم، وألفت بين قلوبهم، ووحدت بين الأرض والسماء، ووصلت الشهادة بالغيب، ووصلت الدنيا بالآخرة، وحلت ألغاز الوجود، وعرّفت الإنسان على حقائق الغيب.
إذن هذا قدر وأي قدر لهذا النبي الأعظم ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ وإنما يتطاول المتطاولون لجهلهم، ولما في نفوسهم من الحسد، ولما في نفوسهم من التنكر للفطرة السوية التي فطر الله تعالى الناس عليها.

إلى الأعلى