الخميس 13 ديسمبر 2018 م - ٥ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (19)

شـذرات مـن هـدي القـرآن: الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في النفـس (19)

ناصر بن محمد الزيدي:
الحـمد لله رب العـالـمين، والصـلاة والسلام عـلي سـيـد الـمـرسـلين وخاتم النـبيين وإمـام الـمتـقـين وحجـة الله رب العـالـمين، وعـلى آلـه وأصـاحـبه أجـمعـين، وعـلى التابعـين لهـم بإحـسان إلى يـوم الــدين وبـعـد:
فـلا زال الـحـيث مـوصـولاً عـن الـسـلـوك الإسـلامي وأثـره في الـنفـس: ونعـلـم أن مـا في الكـون مـن الـظـواهـروالأسـباب الـمـسـخـر لـخـدمـتـنا، فهـو لا يخـدمـنا لـذاتـنا، وإنـما يخـدمـنا بأمـر الله الخـالـق لـه، وإلا لـو كانـت الـمـخـلـوقات تخـدمك بــذاتـك ولـذاتـك، فـهـل تـقــدر أن تتغـلـب عـلـيهـا حـيـنـما تـتـمـرد عـلى خـدمتـك.
إن كل ما في الـكـون، خاضـع لـطـلاقـة الـقــدرة الإلـهـية في كـونه تعالى ،حتى الأسـباب والـمـسـببات، فـهـي خـاضـعـة أيـضا لـطلاقة الـقـدرة الآلـهـيـة، فالأسـباب والـمسببات في الكـون لا تخـرج عـن إرادة الله، الـذي خـلـقـهـا وسـخـرهـا للإنسان.
لـذلك إذا تـمـرد الـماء بالـطـوفان، وتـمـردت الـرياح بالـعـاصـفة، وتـمـردت الأرض بالـزلازل والـبـراكـين، فـما ذلك إلا لـيـعـرف الأنـسان أنه لـيـس بـقـدرتـه أن يسـيـطـر عـلى الـكـون الـذي يـعـيش فـيه والـمسـخـر لخـدمـته، وأقـرأ إن شـئت قـولـه تعالى:(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِّمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ، وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ، وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ) (يس 71 ـ 73)
والإنـسان عـاجـزعـن أن يخـضـع حـيـوانا إلا بـتـذلـيـل الله له، بـل لا يستطـيع أن يخـضـع الـنـمـلة، التي تـقـض مـضـجـعـه وهـو نـائم عـنـدما عـلى أذنـه، ومـن العـجـيب أنـك تـرى الحـيـوانات تـدرك ما لا يــدركـه الإنـسان في الكـون، فـهـي تحـس بالـزلـزال قـبـل أن يـقـع، وتخـرج مـن مكان الـزلـزال هـاربة بـينما الإنـسان لايسـتـطـيع بـعـقـله أن يـفـهـم ما سـيـحـدث.
والله سبحانه وتعالى يخـبرنـا بـفـضـله وكـرمه في قـوله بأنه خـلـق لـنـا كل مـا في الأرض قـبـل أن يخـلـقـنـا:( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الـبـقـرة ـ 29)، فالخـلـق هـنـا يستـوعـب كل الأجـنـاس في الأرض، ولـذلك فإن الإنـسان لا يسـتـطـيـع أن يـوجـد شـيئاً مـن الـعـدم، كـما أن الله سـبحانه وتعالى يـخـلـق مـن العـدم مـا يشـاء ، والإنـسان لا يخـلـق شـيـئا إلا مـن مـوجـود قـد أوجـه الله تعالى، أي: أن الإنـسان لـم يسـتحـدث شـيئا في الـكـون، فأنت إذا أخـذت حـبة الـقـمـح، مـن أين جـئـت بـها؟.
إنـك قـد جـئـت بـهـا مـن محـصـول هـذا الـعـام، ومـحـصـول هـذا الـعـام مـن محـصـول العـام الـماضي، ومحـصـول العـام الـماضي مـن أين جاء مـن محـصـول الـعـام الــذي كان قـبـله، وهـكـذا يـظـل تسـلـسل الأشياء حـى تصـل إلى حـبة الـقـمح الأولى، وحـبة الـقـمح الأولى مـن أيـن جـاءت؟، جـاءت مـن الـخـلـق الـمـباشـر مـن الله وحــده، فالله خـالـق كل شيء لـه الخـلـق والأمـر.
وكـذلك كل الـثـمـار في الأرض، إذا أعــدتها للـثـمـرة الأولى، فـهـي بالخـلـق الـمـباشـر مـن الله، فإذا حـاولـت أن تـصـل إلى أصـل وجـود الإنـسان، سـتجـد أنه بالـمـنـطـق والـعـقـل، وأن بــدايـة الخـلـق هي مـن ذكــر وأنـثى، خـلـقـا بالخـلـق الـمـبـاشـر مـن الله.
لأنـك أنـت مـن أبـيـك وأبـوك مــن جـدك وجـدك مـن أبـيه، وهـكـذا تمـضي حتى تصل إلى خـلـق الإنـسان الأول، فـنـجــده أنه لا بــد أن يـكـون خـلـقـاً مـباشـراً مـن الله سـبحانه وتعالى، ومـا ينـطـبـق عـلى الإنـسان يـنـطـبـق أيضـاعـلى الـحـيـوان وعـلى الـنـباتات وعـلى الجـمادات، فـكل شئ إذا رددتـه لأصـله، أنه لابــد أن يـبـدا بخـلـق مـباشـر مـن الله سـبحانه وتعالى.
وبـعـض الـناس يتسـاءلـون عـن الـرقي الـعـلـمي والحـضاري الـذي نـراه في نـواحي الحـباة، وهــذه الاكـتـشافـات والاخـتـراعـات الجـديـدة، ألـيـس للإ نـسان فـيها خـلـق؟، نـقــول فـيهـا إنـه خـلـق مـن مـوجـود، والله سـبحانه وتعالى كـشف لـنا مـن عـلـمه للـبشـر، ما يـسـتـطـيـعـون باسـتخـدام الـمـواد التي خـلـقـها الله في الأرض أن يـرتـقـوا ويصـنـعـوا أشـياء جـديـدة، ولـكـننا لم نجـد ولـم نسـمـع عـن إنـسان خـلـق مـادة مـن عــدم.
فالله سـبحـانه وتعالى هـو الـذي خـلـق كـل ما في هـذا الـكـون مـن عـدم، ثــم بـعـد ذلك تكـاثـرت الـمـخـلـوقات بـقـوانـين سـخـرها الله تعالى لها، ولـكـن كل هـذا الـتـطـور راجـع إلى أن الله خـلـق الـمخـلـوقات، وأعـطاهـا خـاصـية الـتـنـاسـل والـتزاوج، لـتسـتـمـر الحـياة جـيـلاً بـعـد جـيـل، وكل خـلـق الله الـــذي تـراه في الـكـون الآن، قــد وضـع الله عـزوجـل فـيه مـن قـوانيـن الأسـبـاب ، فـلـولا تـلك الـقـوانـين والأسـباب، فــذلك الـذي يـعـطـيه اسـتـمـراية الحـياة مـن جـيـل إلى جـيـل حتى ينـتهـي الـكـون.
فإذا قال لـك إنـسان: أنا أزرع بـذكائي وعـلـمي، فـقـل له: أنـت تأتي بالـبـذرة التي خـلـقـها الله، وتضـعـها في الأرض الـمخـلـوقـة لله، وتسـقـيها بالـماء الـذي يـنـزله الله تعالى مـن الـسماء وتـنـبت بـقـدرة الله، الـذي وضـع فـيها غـذاءهـا قـبـل أن تـتـمـكـن مـن أخـذ طـريـقة انـباتها ونـمـوهـا مـن الأرض، وهـنا يجـب أن نـذكـر قـوله تعالى:(سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّىٰ، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَىٰ، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَىٰ) (الأعـلى 1 ـ 4).
إذن: فـكل ما يحـدث أنـك فـقـط تـحـرث الأرض وتـرمي الـبـذرة، وتسـقـي الأرض، ولـكـن هـل انـت الـذي تـزرع ، فـرد الله إلـيه الأمـر بأنه هـو الـزارع لا أنـت، يـقـول الله تعالى:(أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ، أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ، لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ، إِنَّا لَمُغْرَمُونَ، بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (الـواقـعـة 63 ـ 67).
صحيـح أن الإنـسان يـقـوم بحـرث الأرض ورمي الـبـذرة، وربـما تعـهـد الـزرع بالـعـنايـة والـري، ولـكـن لـيس في كل ما يـفـعـله مهـمة خـلـق، بـل أن الله تعالى هـو خـالـق كل شئ، ولـو كـنـت تـزرع بـقـدرتـك فأت ببـذرة مـن غـير خـلـق الله تعالى، وأرض لـم يخـلـقـها الله لـك ولـم يـذللها لـك.

إلى الأعلى