الإثنين 10 ديسمبر 2018 م - ٢ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / سورة الأنبياء (1)

سورة الأنبياء (1)

اعداد ـ أم يوسف:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم وبعد .. نعيش مع سورة الأنبياء من خلال تفسير الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
سميت ‏‏(سورة ‏الأنبياء) ‏لأن ‏الله ‏تعالى ‏ذكر ‏فيها ‏جملة ‏من ‏الأنبياء ‏الكرام ‏في ‏استعراض ‏سريع ‏يطول ‏أحيانا ‏ويَقْصُر ‏أحيانا ‏وذكر ‏جهادهم ‏وصبرهم ‏وتضحيتهم ‏في ‏سبيل ‏الله ‏وتفانيهم ‏في ‏تبليغ ‏الدعوة ‏لإسعاد ‏البشرية‎، وهي مكية من المئين عدد آياتها (112) ترتيبها (الحادية والعشرون) نزلت بعد سورة (ابراهيم)، وهي تعالج موضوع العقيدة الاسلامية في ميادينها الكبيرة: الرسالة، الوحدانية، البعث والجزاء وتتحدث عن الساعة وشدائدها والقيامة وأهوالها وعن قصص الأنبياء والمرسلين.
قال تعالى:(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ).
قوله تعالى:(اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) قال عبدالله بن مسعود: الكهف ومريم وطه والأنبياء من العتاق الأول، وهن تلادي يريد من قديم ما كسب وحفظ من القرآن كالمال التلاد، وروي أن رجلا من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كان يبني جداراً فمر به آخر في يوم نزول هذه السورة، فقال الذي كان يبني الجدار: ماذا نزل اليوم من القرآن؟ فقال الآخر: نزل (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) فنفض يده من البنيان، وقال: والله لا بنيت أبدا وقد اقترب الحساب، (اقترب) أي: قرب الوقت الذي يحاسبون فيه على أعمالهم، (لِلنَّاسِ) قال ابن عباس: المراد بالناس هنا المشركون بدليل قوله تعالى:(إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ) إلى قوله:(أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ)، وقيل: الناس عموم وإن كان المشار إليه في ذلك الوقت كفار قريش يدل على ذلك ما بعد من الآيات ومن علم اقتراب الساعة قصر أمله، وطابت نفسه بالتوبة، ولم يركن إلى الدنيا، فكأن ما كان لم يكن إذا ذهب، وكل آت قريب، والموت لا محالة آت، وموت كل إنسان قيام ساعته والقيامة أيضا قريبة بالإضافة إلى ما مضى من الزمان، فما بقي من الدنيا أقل مما مضى، وقال الضحاك: معنى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ) أي: عذابهم يعني أهل مكة من لأنهم استبطؤوا ما وعدوا به من العذاب تكذيباً، وكان قتلهم يوم بدر، النحاس ولا يجوز في الكلام اقترب حسابهم للناس لئلا يتقدم مضمر على مظهر لا يجوز أن ينوي به التأخير.
(وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) ابتداء وخبر، ويجوز النصب في غير القرآن على الحال، وفيه وجهان: أحدهما:(وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ) يعني بالدنيا عن الآخرة، والثاني: عن التأهب للحساب وعما جاء به محمد (صلى الله عليه وسلم) وهذا الواو عند سيبويه بمعنى (إذ) وهي التي يسميها النحويون واو الحال، كما قال الله تبارك وتعالى: (يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ) (آل عمران ـ 154).
قوله تعالى:(مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ) (محدث) نعت لـ (ذِكْرٍ)، وأجاز الكسائي والفراء (مُحْدَثاً) بمعنى ما يأتيهم محدثاً، نصب على الحال، وأجاز الفراء أيضا رفع (مُحْدَث) على النعت للذكر لأنك لو حذفت (مِن) رفعت ذكراً أي ما يأتيهم ذكر من ربهم محدث، يريد في النزول وتلاوة جبريل على النبي (صلى الله عليه وسلم)، فإنه كان ينزل سورة بعد سورة ، وآية بعد آية، كما كان ينزل الله تعالى عليه في وقت بعد وقت لا أن القرآن مخلوق، وقيل: الذكر ما يذكرهم به النبي (صلى الله عليه وسلم) ويعظهم به، وقال:(مِنْ رَبِّهِمْ) لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) لا ينطق إلا بالوحي، فوعظ النبي (صلى الله عليه وسلم) وتحذيره ذكر، وهو محدث، قال الله تعالى:(فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ) (الغاشية ـ 21) ويقال: فلان في مجلس الذكر، وقيل: الذكر الرسول نفسه، قال الحسين بن الفضل بدليل ما في سياق الآية (هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) (الأنبياء ـ 3) ولو أراد بالذكر القرآن لقال: هل هذا إلا أساطير الأولين، ودليل هذا التأويل قوله تعالى:(وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ. وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) (القلم 51 ـ 52) يعني: محمداً (صلى الله عليه وسلم) وقال:(قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْراً. رَسُولاً) (الطلاق 10 ـ 11)، (إِلَّا اسْتَمَعُوهُ) يعني محمداً (صلى الله عليه وسلم) أو القرآن من النبي (صلى الله عليه وسلم) أو من أمته، (وَهُمْ يَلْعَبُونَ) الواو واو الحال يدل عليه (لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ) ومعنى (يَلْعَبُونَ) أي: يلهون، وقيل: يشتغلون، فإن حمل تأويله على اللهو احتمل ما يلهون به وجهين، أحدهما: بلذاتهم، والثاني: بسماع ما يتلى عليهم.
وإن حمل تأويله حلى الشغل احتمل ما يتشاغلون به وجهين، أحدهما: بالدنيا لأنها لعب، كما قال الله تعالى:(إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) (محمد ـ 36)، والثاني: يتشاغلون بالقدح فيه، والاعتراض عليه. قال الحسن: كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل وقيل: يستمعون القرآن مستهزئين .. والله أعلم.

إلى الأعلى