الثلاثاء 16 أكتوبر 2018 م - ٧ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / قضايا / استراتيجية ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط .. القوة تغلب السياسة
استراتيجية ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط .. القوة تغلب السياسة

استراتيجية ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط .. القوة تغلب السياسة

د.أسامة نورالدين:
منذ نجاحه في الانتخابات الرئاسية الأميركية والرئيس “دونالد ترامب” يثير حالة من السخط داخل الولايات المتحدة وخارجها، بسبب قراراته المتسرعة وسياساته المستفزة حتى لحلفاء وشركاء الولايات المتحدة في الخارج، بما في ذلك دول الاتحاد الأوربي التى توترت علاقاتها مع الولايات المتحدة بسبب قرارات وسياسات الرئيس ترامب، التى من شأنها أن تسهم في إضعاف الاتحاد وتفكيكه، كذلك الأمر بالنسبة لاستراتيجية ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط، التى تغلب فيها القوة على السياسية أو ما يعرف في القاموس السياسي الأمريكي بالقوة الناعمة التى نجحت الولايات المتحدة من خلالها في تحقيق العديد من الإنجازات وزيادة نفوذها في المنطقة والعالم، فاستراتيجية ترامب والتى ترفع شعار ” أمريكا أولاً” لن تسهم في زيادة حدة العداء للولايات المتحدة من قبل أعدائها وحسب، بل وكذلك من قبل حلفائها وشركائها التاريخيين، مما قد يؤثر ليس فقط على مصالح الولايات المتحدة، بل وعلى دورها في المنطقة، ويدفع العديد من الدول للبحث عن شركاء آخريين كروسيا والصين.
استراتيجية إشعال الحرائق
على خلاف رؤساء الولايات المتحدة السابقين، لم يمض عام على تولي الرئيس “دونالد ترامب” رئاسة الولايات المتحدة إلا وكشف عن استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، في خطاب ألقاه في العاصمة واشنطن، ليعلن للعالم ملامح سياسته الخارجية، والتى تمثل تحولاً استراتيجياً في شكل السياسة الخارجية الأمريكية التى كانت تعتمد في توطيد نفوذها على سياسات مرنة تحترم خصوصيات الآخرين وتدفعهم للسير في الفلك الأمريكي بشكل يغلب عليه الدبلوماسية وليس القوة، وذلك على عكس سياسة واستراتيجية الرئيس ترامب التي تعتمد المكاشفة والقوة في الضغط على الآخرين للالتزام بالإملاءات الأمريكية.
وتركز استراتيجية ترامب الجديدة على أربعة محاور رئيسية هي حماية الولايات المتحدة والشعب الأميركي، ودعم الازدهار، والحفاظ على السلام من خلال إظهار القوة، وتوسيع النفوذ الأميركي.
وفي هذا الإطار تركز أول نقطة في المحور الثالث ” الحفاظ على السلام من خلال القوة” على إعادة بناء القوة العسكرية الأميركية لضمان بقائها في المرتبة الأولى، وكأن إدارة ترامب من خلال ذلك تدفع باتجاه سباق عسكري، يشبه ذلك الذي كان دائراً بينها وبين الاتحاد السوفييتي خلال فترة الحرب الباردة، وذلك بالرغم من التراجع الواضح للدور العسكري الأمريكي في العديد من الأزمات الخطيرة مثل الأزمة السورية وإفساح المجال لقوى أخرى كي تحل محلها مثل روسيا التى باتت صاحبة الكلمة العليا في سورية.
وتؤكد الاستراتيجية الجديدة هذا المعني في نفس المحور بتأكيدها على الحرص على الحفاظ على توازن القوى لصالح الولايات المتحدة في المناطق الرئيسية من العالم: الهند والمحيط الهادئ وأوروبا والشرق الأوسط، وهو ما فسر على أنه بمثابة رسالة تهديد موجهة إلي الصين التى دخلت في حرب تجارية مع واشنطن بعد قيام الإدارة الحالية بفرض رسوم على المنتجات الصينية، تلك الرسوم التى ردت عليها الصين بالمثل، وكأننا بتنا على مشارف الدخول في حرب باردة جديدة ولكن هذه المره تجارية بين الصين والولايات المتحدة.
ليس هذا فحسب، بل وزيادة في تعنت إدارة ترامب، بدا وكأن الولايات المتحدة تتخلى عن دورها كقوى عظمى وعن دورها في حماية مصالح شركائها التاريخيين، من خلال مطالبتهم بتحمل مسئولياتهم ودفع فواتير الحماية الأمريكية.
وتعكس تلك الاستراتيجية في الواقع ضيقا غير معتاد وغير مسبوق في الرؤية الاستراتيجية الأمريكية، وعدم إدارك كبير لعواقب تلك الاستراتيجية على المصالح الأمريكية، فالتحكم في المصالح العالمية له ثمن على القوى العظمى أن تدفعه كي تجني ثمار دورها الريادي في العالم، لكن أن ترفع القوى العظمى شعار ” أمريكا أولاً” وأن تطالب بشكل مباشر بثمن حمايتها لشركائها، فهذا تحول غير مسبوق في السياسة الخارجية الأمريكية، ولذلك نجد أن صحيفة «صانداى تايمز» البريطانية فى مقال للكاتب دانيال فيرجسون قد وصفت الرئيس ترامب بأنه «ثور هائج فى متجر خزف».
كما كشفت شبكة “سي إن إن” الأمريكية، في تقريرها لها، عن مدى تأثير سياسة ترامب في عامه الأول على الشرق الأوسط، مشيرة إلي أن سياسة الولايات المتحدة في المنطقة كانت عبارة عن كتلة من الارتباك والتناقض التي أدت إلى نفور حلفاء الولايات المتحدة، وصبت في مصلحة خصوم واشنطن، وأن القدس كان آخر مثال لذلك، عندما أعلن ترامب أن القدس عاصمة لإسرائيل ضد النصائح والتحذيرات المعلنة من قبل أقرب حلفاء واشنطن، بما في ذلك المملكة العربية السعودية والأردن.
وأكد هذا المعني الكاتب الصحفي المعروف “روبرت فيسك” في مقال له بصحيفة “إندبندنت”، حيث أشار إلي أن سياسات ترامب لا يمكنها أن تساهم في إقرار السلام والهدوء في المنطقة، لكنها على العكس تماما، مؤكدا أن “إدارة بنيت على أساس ضعيف لا يمكنها حتى تقديم القليل من الجهد لدعم المفاوضات بين الفلسطينيين والإسرائيليين، كما أن سياساتها أدت بالفعل إلى زيادة تأزيم الأمور في المنطقة”.
كما أنه وحسب صحيفة إيكونوميست خسر ترامب سوريا، متهمة الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب بتجاهل الشرق الأوسط، وتقديم سياسة مضطربة أدت إلى مفاقمة مشكلات العالم العربي. ووصفت المجلة استراتيجية ترامب الشرق الأوسطية بأنها مزيج من (الإهمال والارتباك).
وأشار الكاتب الصحفي ديفيد فروم في مقال له بمجلة “ذي أتلانتيك” ، إلى افتقار الاستراتيجية الأمريكية الجديد للتشديد على القيم الديمقراطية الخاصة بـ”القوة الناعمة”، التي يراها محورية للنفوذ الأمريكي.
ويعني ذلك أن أدق وصف لاستراتيجية ترامب الجديدة هو ” استراتيجية إشعال الحرائق” في الشرق الأوسط، نظراً لاعتمادها علي القوة وليس السياسة في معالجة بعض الأزمات، وترك الساحة لقوى أخرى تنفذ سياسات قد تضر بالسلم والأمن الدوليين، والاكتفاء بالتصريحات الفضفاضة والمواقف المترددة التى تفقد شركاء الولايات المتحدة ثقتهم في الدور الأمريكي.
الاختلاف في الشكل دون المضمون
على عكس ما يعتقد البعض، لم تختلف الاستراتيجية التى وضعها الرئيس ترامب في مضمونها عن تلك التى وضعها سابقوه من رؤساء الولايات المتحدة، وإن كان الاختلاف الوحيد يتمثل في الشكل، حيث عمد الرئيس ترامب إلي اتباع سياسة المكاشفة دونما أي اعتبار للضغوط التى قد يتعرض لها بعض القادة والزعماء بسبب تلك الاستراتيجية.
فبالنظر إلي الاستراتيجيات الأمريكية في السابق، نلحظ أن الاستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط منذ وضعها “جورج كينان” (أحد أهم الدبلوماسيين الأمريكيين ومهندس الحرب الباردة)عام 1947 كانت تعتمد على نظرية الاحتواء، التي تقوم على مواجهة التهديدات التي تعترض المصالح الأمريكية في العالم، تلك التهديدات التي أخذت ﺃﺸﻜﺎﻻً ﻤﺨﺘﻠﻔﺔ، ﻓﻔﻲ ﺃﻴﺎﻡ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩﺓ كانت تعني ﻤﻭﺍﺠﻬﺔ ﺍﻻﺘﺤﺎﺩ ﺍﻟﺴﻭﻓﻴﻴﺘﻲ ﻭﺒﻌﺩ ﺍﻟﺤﺭﺏ ﺍﻟﺒﺎﺭﺩﺓ أخذت ﻤﻔﺎﻫﻴﻤﺎً ﻭﺃﺸﻜﺎﻻً ﺃﺨﺭﻯ ﻤﺜل “ﺍﻟﺩﻭل المارقة”، “ﺍﻹﺭﻫﺎﺏ”.
وتعتبر استراتيجية ترامب الحالية مشابهة بشكل كبير لاستراتيجية الولايات المتحدة عقب انتهاء الحرب الباردة، والتى اهتمت بتوجيه ميزانيات وطاقات الولايات المتحدة نحو الوفاء بالاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الداخلية، التي أهملت لسنوات طويلة، ولم يكن الرأى العام يطالب بها في سنوات الصراع مع الاتحاد السوفيتى، متقبلا توجيه موارد الدولة نحو متطلبات الحرب الباردة من ناحية الانفاق العسكرى، والاقتصادى، والمعونة الخارجية، وكل التزامات مواجهة هذا الصراع العالمى .
لكن خبراء السياسة الخارجية في الولايات المتحدة لاحظوا أن ثمار السلام المنتظرة لم تتحقق بالشكل الذى تصوره الأمريكيون، وأن السياسة الخارجية ظلت تسير على معظم أسس الاستراتيجية العالمية لفترة الحرب الباردة، خاصة المبدأ الذى عرف في السياسة الخارجية بمبدأ التفوق، الخاص بتنظيم سيطرة أمريكا على النظام الدولى بمنع ظهور قوى كبرى منافسة في أوربا وشرق آسيا.
وعكست هذه الاستراتيجية إصرار الولايات المتحدة على دوام هيمنة النفوذ السياسي العالمى إذ اعتمدت على افتراض بأن الدول تحقق الأمن، ليس عن طريق ميزان القوى، وإنما عن طريق خلق خلل في هذا الميزان لغير صالح المنافسين لها، فطبقًا لما جاء في وثيقة التخطيط الدفاعى الصادرة عن البنتاجون عام 1992، فان الولايات المتحدة كانت تضع في حسابها ثنى الدول الصناعية الكبرى، عن تحدى زعامتها أو السعى للإخلال بالنظام السياسي والاقتصادى المستقر في العالم .
وإذا نظرنا إلى استراتيجة بوش الحالية سنلحظ أنه يعمل على إحداث خلل في موازين القوى العالمية لصالح الولايات المتحدة، وهو سلاح ذو حدين قد تكون له نتائج عكسية على المصالح الأمريكية خاصة وأنه على عكس الاستراتيجيات السابقة يدخل في عداء حتى مع شركائه وحلفائه التقليديين.
ترامب يسير على خطى المحافظين الجدد
تعتبر استراتيجية الرئيس ترامب استمراراً لسياسة واستراتيجية المحافظين الجدد، حيث كان لفريق المحافظين الجدد استراتيجيتهم المحددة والقاطعة بشأن العالم بعد انتهاء الحرب الباردة، ولم تكن نظرتهم للجماعات التي اعتبروها تمثل قوى الشر، تكتفي بالطرح النظرى، لكنها تضمنت ما سوف تفعله الولايات المتحدة معهم. وقد سجلوه في برنامجهم المعلن عام 1997 تحت اسم “برنامج القرن الأمريكى الجديد” متضمنًا مبادئ “الحرب الاستباقية”، “والعدو المحتمل”، و”الأولوية للحرب قبل الدبلوماسية”، وهى المبادئ التي جعلت خبراء السياسة الخارجية الأمريكيين يطلقون عليها صفة “عسكرة السياسة الخارجية”، وهى المبادئ نفسها التي وضعت في بنود السياسة الخارجية لحكومة جورج دبليو بوش التي احتوتها إستراتيجية الأمن القومى التي أعلنت في 30 سبتمبر 2002.
وكانت التوجهات الاستراتيجية لفريق المحافظين الجدد تتجه نحو اتخاذ “الإسلام” كعدو بديل في الاستراتيجية الكونية الأمريكية، ولذلك سعوا إلى خلق وتضخيم الخطر الإسلامي لإقناع العالم بتوجهاتهم العدائية تجاه الإسلام. ﻭﻤﻥ ﺜﻡ، ﻓﻘﺩ ﻁﺭﺤﺕ فكرة ﺼﺭﺍﻉ الحضارات، ﻭﻗﺎﻤوا ﺒﻤﻌﺎﻭﻨﺔ الصهيونية في شن ﺤﻤﻠﺔ ﻋﻠﻰ ﺍﻹﺴﻼﻡ ﺘﻘﻭﻡ ﻋﻠﻰ ﻭﺼﻔﻪ ﺒﺎﻹﺭﻫﺎﺏ، ﻭﺍﻨﻁﻼﻗﺎً ﻤﻥ ﻫﺫﻩ ﺍلإﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ ﺘﺒﻨﺕ الولايات المتحدة ﺴﻴﺎﺴﺔ ﺩﻋﻡ إﺴﺭﺍﺌﻴل، ﻭﻀﻤﺎﻥ تفوقها المطلق، وتمكينها ﻤﻥ ﺍﻻﻨﻔﺭﺍﺩ بالسلاح النووي في المنطقة .
لهذا حين وقعت أحداث الحادى عشر من سبتمبر، شعر بوش أن رؤيته النظرية، قد وجدت لها انعكاسًا في المواقف العملية للمحافظين الجدد، وانقلب الحال من السياسة الخارجية المتواضعة، إلى سياسة الاندفاع وراء استراتيجية جديدة للهيمنة على العالم، وإقامة إمبراطورية، بدءًا من الحرب على العراق، كخطوة أولى نحو هذا الهدف .
ففي الـعشرين من سبتمبر 2002 أعلن البيت الأبيض الاستراتيجية الأمريكية الجديدة للأمن القومى، في وثيقة اصطلح على تسميتها “بمبدأ بوش”. واعتبرت أول خطوة منذ انتهاء الحرب الباردة لإيجاد استراتيجية بديلة لاستراتيجية الاحتواء التي ظلت هى أساس السياسة الخارجية منذ بدء العمل بها رسميا عام 1947 .
وفي الحال بدأ التطبيق العملى لهذه الاستراتيجية وكانت أهم وأول تطبيقاتها غزو العراق، التي اعتبرها معظم المحللين السياسيين الأمريكيين البوابة الرئيسية للدخول إلى ساحة معركة أوسع مدى في منطقة الشرق الأوسط، تستند إلى ما وصفه “تشارلز كراوتهامر” أحد المنظّرين لفكر المحافظين الجدد، بأن العراق لم يكن مقصودًا لذاته؛ بل لأنه بوابة الدخول إلى العالم العربي والإسلامى لتغييره من الداخل. وأن هذه المنطقة يوجد فيها الآن خط المواجهة مع العدو الجديد، الذى انتقل إليها من على حدود العدو القديم الاتحاد السوفيتى السابق. وكذلك ما سربه عسكريون أمريكيون في البنتاجون معارضون للحرب، إلى الصحف الأمريكية من أن الهدف الحقيقى من غزو العراق هو الذى سيتم بعد هذا الغزو وهو على حد قولهم إعادة رسم الخريطة الإقليمية للشرق الأوسط بما يضع إسرائيل في مركز هذه الخريطة سياسيًا واقتصادياً وأمنياً.
ﻭﻫﻜﺫﺍ، ﻓﺈﻥ اللجوء إلى اﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ الضربات الوقائية ﻋﺒﺭ ﻋﻥ ﻗﻨﺎﻋﺔ كبار مسئولي ﺍﻹﺩﺍﺭﺓ ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ ﺒﺄﻥ ﺍﻻﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺎﺕ التي كان ﻤﻌﻤﻭﻻً ﺒﻬﺎ ﻓﻲ النصف الثاني من القرن العشرين، وبالأخص استراتيجية الردع والاحتواء لن تكون صالحة مع التهديدات الناشئة، فالردع ﻴﻘﻭﻡ ﻋﻠﻰ ﺃﻥ الخصم لن يلجأ ﺃﺼﻼً إلي الهجوم إذا ﺃﺩﺭﻙ ﺃﻥ ﻫﺠﻭﻤﻪ ﺴﻭﻑ ﻴﻔﺸل ﻓﻲ ﺘﺤﻘﻴﻕ ﺃﻫﺩﺍﻓﻪ، ﺃﻭ ﺇﺫﺍ ﺃﺩﺭﻙ ﺃﻨﻪ ﺴﻭﻑ يتكبد ﺨﺴﺎﺌﺭ ﺠﺴﻴﻤﺔ لتحقيق ﻫﺫﻩ ﺍﻷﻫﺩﺍﻑ، ﻓﻲ ﺤﻴﻥ ﺃﻥ الاحتواء ﻴﻘﻭﻡ ﻋﻠﻰ فكرة ﺘﻘﻴﻴﺩ حركة الخصم، ﻻ ﺴﻴﻤﺎ ﻓﻴﻤﺎ ﻴﺘﻌﻠﻕ ﺒﺎﻤﺘﻼﻙ المزيد ﻤﻥ ﻤﻘﻭﻤﺎﺕ القوة العسكرية والاقتصادية والجيوبوليتيكية، ﻤﻤﺎ ﻴﻘﻠل ﻤﻥ ﻗﺩﺭﺘﻪ ﻋﻠﻰ ﻤﻤﺎﺭﺴﺔ التهديد. ﻭﻨﻅﺭًﺍ ﻻﺨﺘﻼﻑ ﻁﺒﻴﻌﺔ التهديد، ﻓﺈﻥ ﻫﺫﻩ ﺍﻻﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺎﺕ القديمة لن تكون ذات فعالية في ﻤﻭﺍﺠﻬﺔ ﺠﻤﺎﻋﺎﺕ ﻻ يمكن ﺭﺩﻋﻬﺎ ﺒﺄﻱ ﻭﺴﻴﻠﺔ ﻋﺴﻜﺭﻴﺔ؛ ولذلك ﻗﺎﻤﺕ ﺍﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ الضربات الوقائية ﻋﻠﻰ ﺃﻨﻪ ﻤﻥ الممكن ﺼﻴﺎﻨﺔ ﺍﻷﻤﻥ ﺒﺼﻭﺭﺓ ﺃﻓﻀل ﻓﻲ حالة المبادرة باتخاذ الخطوات العسكرية اللازمة لمنع وقوع هجوم معادٍ، بدلاً من انتظار حدوث هذا الهجوم.
وكغيرها من الاستراتيجيات الأخرى لم تلق تلك الاستراتيجية النجاح المطلوب، مما حدا بإدارة الرئيس بوش في ولايتها الثانية لأن تعلن في 16 مارس عام 2006، ما سمى “باستراتيجية الأمن القومى”، والتى رافقها سياسات لحكومة بوش بدت وكأنها تمثل تغييرًا في مبادئ استراتيجية عام 2002، ثم تأكد فيما بعد أن كل ما يظهر هو تغيير تكتيكى لا يعنى أى تحول عن الأفكار الجوهرية للمحافظين الجدد، ثم إن وثيقة 2006، ليست استراتيجية بأى حال، لكنها مواءمة مع الظروف التي واجهها تطبيق استراتيجية عام 2002 ميدانيًّا في العراق.
وظلت الأفكار الجوهرية لاستراتيجية عام 2002، كبديل للاحتواء، هى أصل السياسة الخارجية لحكومة بوش، حتى آخر يوم له في الحكم في يناير عام 2009، وكان كل ما ظهر عليها من مؤشرات يوحى وكأن هناك تغييرًا، هى مجرد تغييرات تكتيكية، والتفاف حول المشاكل والعراقيل التي تواجه وضعها موضع التطبيق .
وكما هو الحال في استراتيجية ترامب الحالية كست استراتيجية الأمن القومى آنذاك أولوية التزام الرئيس الأمريكى ” بحماية أمن الشعب الأمريكى “. إذ تضمنت كيفية العمل لحماية الشعب الأمريكى، ودفع المصالح الوطنية الأمريكية.
وفي هذا الصدد نلحظ أن استراتيجية ترامب تجاه منطقة الشرق الأوسط، لم تختلف في مضمونها عن الاستراتيجيات الأمريكية السابقة، خاصة تلك التى تبنتها إدارة الرئيس جورج دبليوبوش بدعم من المحافظين الجدد، وأن ما تغير إنما يتمثل في أدوات التنفيذ التى تتبعها الإدارة الحالية والتى تركز علي الحروب التجارية والضغط علي الشركاء من أجل الحفاظ علي المصالح الأمريكية، إلا أن تلك الاستراتيجية وكما هو واضح من حالة السخط الدولي علي إدارة ترامب قد لا يكتب لها النجاح، حيث يتوقع أن تلاقي نفس مصير استراتيجية سلفه جورج دبليوبوش، بل وقد تؤدي تلك الاستراتيجية إلي كوارث أكبر مما فعله بوش، وبشكل قد يؤثر علي قوة ومكانة الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط والعالم.

باحث في العلاقات الدولية

ــــــــــــــــــــــــ

المراجع
• https://www.alhurra.com/a/us-national-security-strategy/408859.html
• http://www.irna.ir/ar/News/82932317
• https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/view/the-trump-national-security-strategy-return-to-the-nineteenth-century
• https://www.tahrirnews.com/posts/859536
• National Security Strategy, 2002, p.p1- 5. Available online at:
• http://www. whitehouse. gov/nsc/nss. html

• روبرت فيسك: إلى أين يقود ترامب الشرق الأوسط؟، ترجمة بلال ياسين، عربي 21، 18 يناير2018
• إيكونوميست: كيف تبدو سياسة ترامب تجاه الشرق الأوسط؟، ترجمة بلال ياسين، عربي21، 1ديسمبر2017
• إسماعيل صبري مقلد، أمن الخليج وتحديات الصراع الدولي، (الكويت: شركة الربيعان، 1984 م)، ص ص 37 – 38.
• مارتن انديك، “الإستراتيجية الأمريكية لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني”، ضمن كتاب الهلال: الإستراتيجية الأمريكية – الأوربية حيال الشرق الأوسط الكبير، تحرير: أيفود الدر وآخريين، ترجمة حسان البستاني، (معهد بروكنجز، 2006)، ص59-60.
• ﻴﻭﺴﻑ العاصي الطويل، “الصليبيون الجدد لـ: الحملة الثانية – البعد الديني لحملة بوش الصليبية ﻋﻠﻰ العالم الإسلامي وعلاقته ﺒﻤﺨﻁﻁ ﺇﺴﺭﺍﺌﻴل الكبرى”. لمزيد من التفاصيل انظر الرابط التالي، http://alarabnews. com/alshaab/GIF/28war 8. htm.
• ﻤحمد كمال، ﺘﺄﺜﻴﺭ ﺃﺤﺩﺍﺙ ١١ ﺴﺒﺘﻤﺒﺭ ﻋﻠﻰ السياسة الخارجية ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ، ﺩﺭﺍﺴﺔ حالة للسياسة ﺍﻷﻤﺭﻴﻜﻴﺔ ﺘﺠﺎﻩ الشرق ﺍﻷﻭﺴﻁ، ﺒﺤﺙ ﻤﻘﺩﻡ إلى ﻨﺩﻭﺓ ﺃﺤﺩﺍﺙ ١١ ﺴﺒﺘﻤﺒﺭ ﻭﺘﺄﺜﻴﺭﻫﺎ ﻋﻠﻰ المجتمع السياسي ﻓﻰ الولايات المتحدة والقاهرة، (ﻤﺭﻜﺯ الدراسات السياسية ﺒﻜﻠﻴﺔ ﺍﻻﻗﺘﺼﺎﺩ والعلوم السياسية ﺠﺎﻤﻌﺔ القاهرة، ١٣-١٤/٥/٢٠٠٢)، ﺹ ٢.
• سعيد اللاوندي، اﻟﺸﺮق اﻷوﺳﻂ اﻟﻜﺒﻴﺮ: مؤامرة أمريكية ﺿﺪ اﻟﻌﺮب، (القاهرة: نهضة ﻣﺼﺮ ﻟﻠﻄﺒﺎﻋﺔ واﻟﻨﺸﺮ والتوزيع، 2005)، ص ص 58 -64.
• ﻋﺒﺪ اﻟﻘﺎدر ﻣﺤﻤﺪ ﻓﻬﻤﻲ، الفكر السياسي والاستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية،(عمان: دار الشروق للنشر والتوزيع، 2009)، ص 205.
• ﻁﻪ المجدوب، “ﻋﻭﺍﺌﻕ ﻭﺍﻨﻌﻜﺎﺴﺎﺕ ﺴﻠﺒﻴﺔ ﺃﻤﺎﻡ ﺍﻻﺴﺘﺭﺍﺘﻴﺠﻴﺔ الأمريكية الجديدة”، ﺍﻷﻫﺭﺍﻡ، ١٥/٩/٢٠٠٢.

إلى الأعلى