الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / أشرعة / من وحي السفر.. الجزر العذراء ( 2 )

من وحي السفر.. الجزر العذراء ( 2 )

في سائر رحلاتي كنت أفتح مخيلتي عبر بوابة التاريخ جاعلا أمزجه تلك اللحظات التي أعايشها في الأسفار والتي لا يغمض لي جفن نحوها الإ عندما أقوم بالتجوال في سائر أرجاء المعمورة بعد ما تخللتها سحر المشاهد وغموض بعضها مستطلعا باتجاه ما وصلت إليه هذه الأمم من بواعث الحياة والتي دائما ما أقوم برصدها في أفق رفوف سجلاتي والتي صارت لي نبراسا كلما إهتديت لها عند القيام برحلة ما ، كل ذلك بعد ما تكبدت مشاق هذه السفرات والرحلات نحو مدن وحواضر آسرة وهي التي حفلت بالمشاهدالجميلة والنفيسة والمناخات والأحوال ، وذلك من خلال قطعي آلاف مؤولفة من الكيلومترات وهي من وجهة نظري أراها جديرة أن أقوم بتدوينها ونشرها في نهاية المطاف بين الآنام .
ومن خلال تواجدي في ( اسطنبول) دائما ما أطلق عناني في المشي عند عصر كل يوم ، وذلك بمحاذاة رصيف الواجهه البحريه حيث يمكن رؤية الكثير من المراكب وأكشاك المكاتب من على هذا الرصيف ، كان أول ما يلفت السائح انتشار شبابيك التذاكر المنتشرة على الأرصفة حيث لفت انتباهي إحداها بعد ما علق لوحة كتب عليها رحلة إلى ( الجزر العذراء)،كان ذلك الشباك لمكتب على رصيف مرفأ السفن والذي بات ينظم رحلات بحريه إلى هذه الجزر حيث سرعان ما ابتعت تذكرة رحلة الغد إلى الجزر الآنفة .
أما في صبيحة اليوم التالي دلفت إلى مرقد السفن،ومنها غادرت ( اسطنبول ) بعد ما ركبت إحدى البواخر والتي اكتظت بجموع من أطياف البشر منهم عرب وهم يتهامسون في ما بينهم من أي قطر قد أكون أنتمي،أما رحلتي هذه فهي باتجاه ( الجزر العذراء ) ومنهم من يطلق عليها ( جزر الأميرات ) ويقال إنها كانت مصيفا للأميرات البيزنطينيات ، كان جو هذا الصباح دافئا بعض الشيّ ومشمسا ، كما إن تلك الجموع من ذكور وإناث فمنهم العرسان شاعرا بحميمية كلماتهم ولمسات أياديهم حد الملاصقه والبعض يبدو لي أصدقاء ومنهم العائلات رافعين صغارهم على أكتافهم ، ناهيك عن الأمهات وهن يقمن بتهدئة روع صغارهن في العربات ومنهم من جاء لعدة مسببات ، كما إن في هذه الباخرة رأيتهم يلبسون القمصان ذات أنصاف الأكمام ( تي شيرت ) و( الشورت ) القلة منهم من لبس البنطال وأنا منهم ،كان أكثرهم يرتدي الشورت وحده ويترك جذعه عاريا ،وكان مهمة الباخرة إيصالنا إلى مبتغانا وهي محملة بمحملها حيث لم أركب من قبل مع هذا العدد من البشر من عدة بلدان وألوان مختلفة بعد ما أكتنزتهم هذه الباخرة ، وعند العودة يخال لي إنها ستكون مليئة بهم أيضا ، عندها ارتأيت أن أجلس لوحدي على حافة الباخرة ريثما أتعرف على أحدهم فيما تركت رجليّ تتدلى خارج سياج الباخرة وهي تلامس مياه هذاالبحر الشاسع ، لكن قبل انطلاقها كنت أجول وأمرح في أرجائها ما بين طبقتها الأولى والثانية متأملا إلى تلك المناظر البعيدة والتي سنمرق عليها أثناء رحلة الباخرة .
في هذه اللحظة هم القبطان بإدارة محرك الباخرة وسمعت مساعدة الذي كان يقف قريباً مني يتلفظ بكلمة “بسم الله وعلى بركة الله “وهو مسلم تركي ،عند انطلاق الباخرة كانت وجوه البعض من الركاب تخفي ملامح علامات القلق بعد ما أعتراها وشابها الخوف من ركوب البواخر ، كان من ضمن الركاب مسلمين وغيرهم سمعتهم يرددون التسابيح والأدعية وبعض المعوذات فيما كانت تتردد كلمات أخرى وبلغات أخرى لرهابة ركوب البحر ،عندها همت الباخرة بالتحرك مبتهلاً وداعياً ومرددا في قلبي ذلك أيضا ،وذكر لي أحدهم قائلا بعد ما كانت تعتريه هو الآخر هواجس الخوف والوساوس قائلا لي : أصحيح إن من يمخرون عباب البحر ويبحرون في مياه هذه البحار الشاسعة من هذه المعمورة لا علم لهم أن كانت لهم فرصة نحو رؤية ذويهم وبلدانهم ، بمعنى إننا نبيع أنفسنا ونغامر في هذه البحار الشاسعة ، لقد سبق إن غامرت إلى كثير من الأمكنة ، وهذه المرة معهم في هذه الباخرة البطيئه قلباً وقالباً ، لكن لم يغب عن بالي فكرة الأخطار البحرية التي تنتابني وتنتاب من معي في هذه الرحلة .
إن ما وددت قوله : للباخره لها سرعتها المعهودة ، لذلك باخرتنا أو سلحفاتنا وبطئها في الإبحار والتي أطلقت عليها هكذا لا يمكنها أن تتجاوز ذلك فهي تحاول رغم بطئها حتى كي لا نتم على هذا الحال ، مستنتجا في الوقت ذاته بطئها بالمحمل الذي تحمله ، وذلك لما تحمله في جوفها من محمل والذي أتوقعه قد فاق العدد المحدد لها ، واذا ما هنالك من معاناة أخرى وعدم الارتياح لها وهو عند المغادرة لما لطنين صوتها المزعج والذي ليس لي مفر نحو الابتعاد عنه الإ أذا عزمت الدخول إلى قمرة القيادة في الأعلى أو إلى أحد العنابر ، لكن مع هذا الاكتظاظ من الأنفار في هذه الباخرة والتي أفرزت عنه روائح في بعض الممرات والذي لا مفر منه فهي التي ظلت تلاحقني وتلازمني طيلة الرحلة ، كما إن سيرها في أغوار هذا البحر الواسع ببطئها بات يبدو بعد تشبيهي لها كالسلحفاة الزاحفة .
عندها كنا نبحر حتى استدرنا من الشمال نحو الشرق داخلين بحر مرمرة ومخلفين وراءنا البر التركي بمبانيه المزروعة ناصية البحر ، فيما أرمق اليابسة في هذا الجانب بأمكنتها السياحيه المأهولة ، أما من كلا الجانبين فقد توشحت هنا وهناك إبداعات الخالق لايات ربانية من المشاهد القادمة والمتمثلة في الخضرة وآيات الجمال ، ناهيك عن المنحدرات الجبلية بعد ما بنوا عليها مساكن عدة ، كل ذلك الامتزاج من مبان وخضرة وبهاء المكان جعل منها مقصدا لكل سائح،متسآلا في الوقت نفسه أهي ملكا لأشخاص بعينهم أم لا، إن في هذا العالم الشاسع لقد رأيت خلال أسفاري بأن هنالك وقائع لا يمكن للعقل أن يتصورها كمن يمتلك الجزر والغابات بآلاف الأمتار،إن كنوز الطبيعه بروائعها وبدائعها والتي أودعها الخالق عزوجل لا يمكن أن تكون ملكا لأحد فهي للبشرية أجمع ، وفي هذا الإبحار مررنا بأشجار من الأرز بكامل جمالها وأبهتها بعد ما زرعوها بالقرب من شاطئ البحر الذي نمرق عليه الآن .
المرور على أولى الجزر كيناليادا وبورجاأداس :
أثناء سير الباخرة في هذه المياه الزرقاء بكسلها والذي يبدو إني أعتدت عليه منذ انطلاقتها من ( اسطنبول ) ، لمحني قبطانها وأنا متكئ على حافتها
قائلا : ( شو عم بتفكر بالعيال )
، وذلك بلهجته التركية ؟
نعم كيف عرفت ؟ أجبته بهذه العبارة ، لأني ما كنت أعرف بما أجيبه حقاً ، ولكني ركبت البحر مرات عدة وهي ليست المرة الأولى بالنسبة لي، فشتان بين ذاك واليوم.
فسألني هل سمعت من قبل عن الجزر العذراء أو الأميرات ؟
قلت : لا
قال : هي تتكون من ثلاث جزر .
وماذا عن جزيرة ( كيناليادا) والتي هي في مرمى من أعيننا؟
فأجبته وكيف لي أن أعرفها وأنا لم أسمع عنها الإ عندما بلغت (إسطنبول)،لكني رسمتها في خيالي بعد ما قيل لي عنها ؟
فضحك من أعماقه ، قائلا :هون عليك يا رجل ، حيث هي أولى الجزر من بين الثلاث والتي سنمرق عليها في طريقنا مكملا : ستظهر واضحة لنا بعد قليل ، حيث يمكنك رؤيتها بوضوح. فقلت : تكرم عينك .
قال : سأقترب بالباخرة إلى مرساها حتى تراها بعينيك عن قرب .
فرحت كثيراً عندما قال لي ذلك وصرت متلهفاً نحو معانقة أولى الجزر العذراء التي رسمها خيالي وهي شاعرية مهيبة وعلى مرفأها تحيط بها القوارب السياحية واليخوت على حافتي مدخلها حيث يمكن رؤية منارها من بعيد وفي أعلاه وميض أحمر خافت اللون في النهار ، عندها سألت قبطانها عن بعدها عن جزيرة ( بور جاز أداس ) حيث أوما لي أن أسأل مساعده ،وعند توقفنا بها نزل بها اليسير من الركاب من أراد النزول والإقامة بها .
بعدها أكملنا سيرنا وأبحرنا باتجاه جزيرة ( بورجاز أداس ( ، وهي ليست ببعيدة عن الأولى حيث بلغناها في ظرف نصف ساعة ، واقترب القبطان بالباخرة من شاطئها وقال لي هذه الجزيرة الثانية وشاهدت منظرا ولا أروع نحو شاطئاً طويلاً وجميلا باتت تتمدد منه مئات من الأجساد التي انكشفت للسباحة والتشمس بعد ما ملأت ذلك الشاطئ الجميل ، كنت أشعر وأنا أنظر إليها بشيء من الخيبة بعد ما خانتني وأنسلت من ذاكرتي تلك الصورة التي رسمتها في خيالي .
كنا نعبر الجزر تلو الآخرى فيما واصلنا الإبحار هذه المرة باتجاه ( بويوكادا )،وهي أكبر الجزر العذراء حيث ظهرت سواري السفن الراسية بها بعد ما اصطفت على مرفأها ناهيك عن طيور النورس والتي يمكن سماع أصواتها وجموع من البشر التي تدفقت إليها بعد ما قذفتهم بعض البواخرالسياحيه قبل أن نصلها ، كان منهم من له أيام عده في الجزيرة ، ومنذ انطلاقتنا من
( إسطنبول ) كان قد تشكلت من جوانب الباخرة موجة من البحر مكونة منها غيمه من الزبد الأبيض الساحر حتى تشكلت منها هذه ( الجزر العذراء ) لتخرج لنا في نهاية المطاف آية في الجمال .
عندها وصلنا بعد ما أرسيت حبال الباخرة وهممت مع الجمع بالنزول والخروج من جوف هذه السلحفاه حيث قمت بالتجوال في أرجاء الجزيرة وللصعود إلى أعلاها إرتأيت ركوب الحنطور والذي تجره خيلان من أقوى الخيول حيث أخذ يلف بي أعلى الجزيرة بين القصور والأشجار السامق صعودا ونزولا ، وذلك لطبيعة الجزيرة الجبلية حيث إن الحناطير لها اهتمام هنا وقد استعاضوها عن وسائل النقل الأخرى ولا توجد سواها ، كما إن توقف الحنطور في أعلى الجزيرة بمثابة كي أنعم بمشهد ولا أروع يطل على كافة أرجاء الشطر الأوروبي كاشفا البحر الذي يحيط بها من كل الإتجاهات ، ناهيك أثناء تجوالي بالحنطور إن توقف بي عند مقها مرتويا في الوقت نفسه استكانه من الشاي التركي ، وإذا ما أرجعني من حيث ركبت توغلت إلى أزقة المحلات المنتشرة في أنحاء الجزيرة ، وذلك على دراجه هوائية بعد ما استأجرتها من أحد المحال ، وإذا ما هناك من قول وددت قوله : إن في الجزيرة لم أسمع كلاما عربيا من أي من السائحين لولا رطانة صوت لغة سكانها .

مغادرة الجزيرة :
غادرنا الجزيرة عند المساء بمحمل الركاب وربما فاق العدد بقليل عند العودة فيما كنا نمخر عباب البحر باتجاه ( إسطنبول ) ويمكن القول إن سرعة الباخرة إذا ما قدرتها تفوق الخمسة أميال ، كما إنه عند المغادرة كان ما يلفت إن طيور النورس والتي ملأت شواطئ الجزيرة كانت ترافقنا بطيرانها المحاذي للباخرة ، كان العديد من الركاب يمدون أياديهم نحوها فاقتربت مادا يدي مع الأخرين كي أرمي لها فتات من الخبز كي تلتقطها قبل أن تسقط في عرض البحر ، ظللت هكذا حتى تركت المكان ذاهبا الى أعلى الباخرة حيث كنت قريبا من غرفة القبطان كي أعرف منه عن كل شيء بدءا من الأضواء والمدن التي أرمقها من بعيد بعد ما بدأ الظلام يخيم علينا بتروي فيما القبطان أحيانا يفيدني بما يعرفه وذلك نابع من واقع خدمته الطويلة بعد ما حفظ كل الأمكنة .
في هذا الظلام الدامس كنا نبحرمخلفين ( بويوكادا ) وراءنا ، كنت حينها أقف على حافتها بعد ما كنت عند غرفة القبطان متأملا إلى هذا البحر الداكن في هذا الليل المكلل بالسواد ، كان البحر ينعم بالهدوء والوداعية عند العودة وأرتأيت مخاطبته شاعرا في الوقت نفسه إن هناك شيئا ما يفصل بين مشاعري الجياشة وبين مشاعر من هم في الباخرة من الركاب متذكرا أحدهم عندما شبه ذلك بالغيمة بعد ما قدم إلى هذه البلاد وهو يمتدح ويصف بحرها قائلا : “إن أجمل البحار بحر ” مرمرة ” والذي بلا شك سنمرق عليه بزرقة مياهه وجماله الفتان ، والذي لم أر مثله من قبل في أي من بحار المعمورة .
كان الظلام ما زال يطبق علينا بعد ما بتنا في منتصف طريق البحر ، هذا البحر ظل صامتا أبكم لا يجيبني بشيء بالرغم من إننا صرنا في بوتقة واحدة ومياهه تحيط بنا من كل حدب وصوب ، وبما إن الليل قد أسدل ستارته وازذانت مصابيح الباخرة بعد ما أضاؤوها ، كان عائقها الوحيد لا يزال سيرها البطيء كالسلحفاه حيث أخذنا وقتا طويلا على سطح مياه هذا البحر الشاسع ، كان هذا الليل يرخي بظلامه الدامس وما سوى ذلك فقط لمعان نجومه وسكون تموجات البحر والذي بات كالأخرس والذي لا يوحي لك بشيء ، ظللنا هكذا حتى بلغت أخيرا ( إسطنبول ) ضارعا إلى المولى عزوجل بسلامة الوصول.

خالد بن سعيد العنقودي
Kld_qudi@hotmail.com

إلى الأعلى