الإثنين 10 ديسمبر 2018 م - ٢ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / دردشة صيفية من قرية عمانية 5/5

دردشة صيفية من قرية عمانية 5/5

سعود بن علي الحارثي

”.. ما زلت أذكر عندما كنا نتحلق على مائدة الغداء أو العشاء أو الفطور او تناول القهوة العمانية التي تسبقها أصناف غذائية تقتصر أحيانا على التمر أو الحلوى وقد تصحبها أصناف من الفواكه والحلويات كالخبيصة واللقيمات والسيويا وغيرها من الأصناف المعروفة عند العمانيين، كان بعض الموجودين من كبار السن يقدمون ملاحظات ونصائح مهمة حول طبيعة كل صنف غذائي وأثره وفوائده ومضاره والتي تربط كذلك بطبيعة الشخص الذي يتناولها وجيناته الوراثية …”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الكثير من الأسئلة التي نطرحها على أنفسنا، والمواقف والصور والقصص والأنماط السائدة التي نتداولها من الماضي، وما يتناوله الآباء في أحاديثهم عن فوائد بعض الأغذية وتوجيهاتهم لتناول أصناف منها لمعالجة أمراض ما أو الوقاية منها أو الحفاظ على الصحة والشباب والقوة والجنس … الخ مما يتطلب دراسات وأبحاثا علمية متخصصة وتجارب عملية لإثباتها أو التأكد من صحة بعضها أو نفي ما أوردوه بشأنها، هذا إلى جانب الوصفات الشعبية التي يتم التداوي بها في معالجة أمراض متعددة، ف(الأسئلة محركات الفكر … فلا مجال لوجود تفكير، ولا دراسة هادفة للماضي، ولا أي تخطيط جاد للمستقبل من دون طرح تساؤلات)، وما زلت أذكر عندما كنا نتحلق على مائدة الغداء أو العشاء أو الفطور او تناول القهوة العمانية التي تسبقها أصناف غذائية تقتصر أحيانا على التمر أو الحلوى وقد تصحبها أصناف من الفواكه والحلويات كالخبيصة واللقيمات والسيويا وغيرها من الأصناف المعروفة عند العمانيين، كان بعض الموجودين من كبار السن يقدمون ملاحظات ونصائح مهمة حول طبيعة كل صنف غذائي وأثره وفوائده ومضاره والتي تربط كذلك بطبيعة الشخص الذي يتناولها وجيناته الوراثية … ودائما ما يأخذني التفكير إلى تلك الحوارات المتواصلة بشأن الأغذية والحار منها والبارد كما يرد على الألسنة، وما يصلح للشتاء ويضر أكله في الصيف أو العكس … وفوجئت خلال قضائي عدة أيام من الإجازة الصيفية في قريتي المضيرب قبل أسابيع قليلة بالأخ محمد بن حمود البرواني – وهو من بين القلائل من الأصدقاء والإخوان الذين تربطني بهم علاقة حميمة وخصه الله بميزة التدبر والمشاركة في الحوارات المفيدة وطرح الأسئلة الدقيقة واستخلاص الملاحظات الهامة بشأن العديد من القضايا والموضوعات الاجتماعية البارزة في محيطه، وقد يكون مرد ذلك إلى تخصصه وانخراطه في الحقل التعليمي باعتباره معلما ومربيا ندين له هو وأقرانه بتأثيرهم الإيجابي في صياغة مستقبل الوطن، بادرني قائلا : ألم تربط باعتبارك قارئا وكاتبا بين النظام الغذائي العشوائي وغير المنضبط الذي أفرزته متغيرات العصر وبين هذا الانتشار الواسع لأمراض السكري والكوليسترول والقلب والشرايين والكلى والكبد وغيرها التي ألجأت شريحة واسعة من أبناء المجتمع للاعتماد على كميات من الأدوية التي يتناولونها يوميا لضمان استقرار وضعهم الصحي مع ما يصاحب ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية تؤثر على استقرار الأسر، ومقدمة لأمراض أخرى تكون نتيجة للأولى بسبب تناول كميات الأدوية، وتكلفة مادية باهظة تتكبدها وزارة الصحة أو المواطنين أنفسهم الذين يضطرهم الحال أحيانا إلى السفر للخارج للمزيد من الفحوصات والاطمئنان أو لشراء أدوية أكثر جودة ؟ … ألا تعتقد بأن انتشار هذه الأمراض مرتبط بتغير النمط الغذائي واختلاف أصناف الطعام ومواعيده غير المنضبطة وتخلي الأبناء عن عادات وتقاليد الآباء وتوجيهاتهم وما أرسوه من أذواق وأساليب وطرق غذائية خاصة ؟ ألا ترى بأن تميز الأجيال السابقة من الآباء والأجداد بالقوة والصحة والروح المرحة والاستقرار النفسي درجة أن الكثير منهم وقد تجاوز ال ٧٠ من العمر يمارس مهنا شاقة تتطلب الجهد والوقت … سببه النظام الغذائي السليم في أوقاته المحددة وأصنافه المختارة التي تتغير بين شتاء وصيف تقديرا لمتطلبات الجسم ؟ ألسنا مقصرين في إعداد الدراسات والأبحاث والتجارب العلمية التي من شأنها أن تكشف لنا فوائد وأهمية النظام الغذائي العماني بجميع أصنافه وثقافته والحكمة من اختيار كل صنف لوقت محدد أو فصل من الفصول ؟ وواصل الأستاذ محمد طرح أسئلته وملاحظاته الوجيهة مطالبا بأهمية إعطاء هذا الموضوع أهميته من الدراسات لأسباب عدة من بينها: أولا : لكشف الحقائق والإحاطة بمنافع النظام الغذائي الذي اعتمد عليه العمانيون وتأثيراته على وضعهم الصحي بطرق علمية، وأملا في الوقوف على الأسئلة المطروحة من جانب والتوصل إلى وقاية لأمراض العصر في نظامنا الغذائي السائد وبيئتنا الاجتماعية والذي تخلينا عنه بشكل تدريجي، وعلى أساس من (اعتقاد أن معرفة الماضي يمكن أن تعود علينا بالنفع)، ولكون أن الأبحاث العلمية والتجارب العملية المتخصصة هما المعول عليهما في تحقيق هذه الغاية الملحة حقا في التحقق من (حكمة الماضي المتراكمة). ثانيا: لما يعتري ممارساتنا وأنماطنا الغذائية في العصر الراهن من أخطاء وتجاوزات وتحميلها المسئولية عن الكثير من الأمراض المنتشرة في أجسادنا بما في ذلك الوهن والكسل وما يتطلبه من مواصلة الدراسات والأبحاث المتخصصة وممارسة الوعي بين أبناء المجتمع. ثالثا: وفاء للآباء وإرثهم الثمين الذي شمل مختلف مجالات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية والعمرانية والهندسة بما في ذلك النظام الغذائي المحكم وما يستحقه من تحقيق وتوثيق وحفظ ودراسات متخصصة تبرز أدواره ومنافعه . وسرد الأخ محمد عددا من الأمثلة والنماذج كمؤشر يسند به قراءته ومطالباته بالتحقق العلمي، من بينها أن العمانيين كانوا يركزون في الصيف في وجباتهم الرئيسة على اللبن الطازج والليمون الذي يضاف إليه البصل والسمك الجاف(عوال) أو المملح (المالح) التي تسمى (المعصورة) في الشرقية او (الخنباشة) و(بشباشة) في مناطق أخرى، وعلى الخبز والعسل واللحوم في الشتاء، كما أن تناول الوجبات الرئيسة يتم في مواعيد محددة لا تتغير أبدا، وهي مواعيد تؤكد اليوم بعض الدراسات على أنها تسهم في الحفاظ على الصحة والوقاية من عدد من الأمراض، الفطور بعد صلاة الفجر بقليل، الغداء ما بين الساعة ١١ و١٢ ظهرا تعقبها قيلولة قصيرة، والعشاء بعد صلاة المغرب مباشرة، كما أن ارتشاف بضعة فناجين من القهوة العمانية المرة – تحولت إلى خفيفة في أيامنا الحالية – والتي يتم تناولها بعد أي صنف غذائي تحمل مكوناته نسبة سكر عالية كالتمور والحلوى تؤكد كذلك الدراسات على دورها – أي القهوة – في خفض نسبة السكري ولها منافع صحية كثيرة على الشرايين والكبد وأمراض السرطان وتحمي خلايا الجسم من الشيخوخة المبكرة وتكاد مضارها معدومة إلا في حالة الإفراط في شربها والعمانيون كانوا معتدلين في تناولها … تساؤلات وملاحظات ومطالبات مهمة طرحها الأستاذ محمد البرواني تستحق أن يعتنى بها من قبل الجهات المختصة.

Saud2002h@hotmail.com

إلى الأعلى