الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق : هل سيمارس مغردو التواصل الاجتماعي دور الوصاية عن الحكومات؟

في العمق : هل سيمارس مغردو التواصل الاجتماعي دور الوصاية عن الحكومات؟

د. رجب بن علي العويسي

يأتي طرحنا للتساؤل في ظل المعطيات التي باتت تبرز المشهد العالمي المعاصر والصورة القاتمة التي يتجه إليها في ظل ما حققته منصات التواصل الاجتماعي من مكاسب أرهقت الأوطان وعطلت الإنسان عن تحقيق آماله وطموحاته في ظل الاستغلال السلبي لها المتجه إلى تضييق مساحات الرأي ومنح الفرصة لبروز أسماء وهمية على الساحة هدفها تعطيل مشروع الإنسانية الحضاري الداعم للسلام والتنمية والأمن والاستقرار، ووأد مسارات الوحدة وزيادة فجوة التباعد بين الغايات الوطنية والواقع الاجتماعي، ومع الاعتراف بأن واقع المغردين في شبكات التواصل الاجتماعي تسوده حالة من الفوضى اللا أخلاقية والسلوك الذي يفتقر لمسارات التصحيح والتقنين وحسن التوجيه بما نتج عنه من تضيع للهويات والمبادئ وانعدام لروح المسؤولية والثقة واخلاقيات الضمير، ليعيش العالم في ظلاله تناقضات فكرية وتذبذب معرفي وإفلاس أخلاقي وحالة من الترقب والخوف التي تنتزع مفهوم الخصوصية، بما يؤكد الحاجة إلى اتفاق عالمي في ضبط مسار هذه المنصات وتقنين عملها وتوجيهها لصالح الانسانية وفرض سياسات تشريعية واخلاقية تضمن قدرتها على تحقيق الوجه الآخر الذي يبحث عنه عالم اليوم، فالرصد اليومي لما تسطره تغريدات جيوش العالم الافتراضي وما باتت تحمله من أوبئة وتقذفه من سموم تطرح نقاشات مستفيضة حول المسار الذي يتجه إليه العالم في ظل دخولها في قضايا جدلية قد تفسر في إطار الوصاية على الأوطان، والموجهات التي ينبغي على المغرد الوطني ( الكاتب والمدون والمثقف الخ) أن يضعها في أولوية اهتمامه وهو يتعاطى مع هذه المنصات او يتفاعل معها وما يحمله من مساحات فكرية وأدوات منهجية ورؤى تأطيرية، بما يحمله من مبادئ مجتمع له هويته الوطنية المتفردة وأطره القائمة على ثبات المبادئ ومصداقيتها وسياسة خارجية متوازنة مبهرة تعكس شخصية الإنسان العماني في عالم مضطرب.
وعليه هل سيتجه العالم بهذه العشوائية في التفكير عبر جعل مغردي منصات التواصل الاجتماعي أوصياء عن الحكومات يتحدثون باسمها ويعبرون عن أجندتها، إلى مستنقع خطير ومرحلة لم يعد فيها مجال لأي فرصة للحوار والنقاش والالتقاء بين قياداتها السياسية والإعلامية والفكرية، وهل ستكون هذه المنصات نهاية التعامل مع طاولات المفاوضات ودبلوماسية اللقاءات، وهل بدأت صناعة أجندة السياسات تتم عبر المنصات الاجتماعية ووجهات النظر المسيسة تقررها ردود أفعال المغردين المختفين عن الأنظار فإذا بها توقد على نار حاقدة وكلمات نابية تفتقر للقيم والأخلاق والمروءات وتتقاطع مع كل الفرص الداعمة للسلام والتنمية. إذ تؤسس لمفهوم الأنانية المفرطة والذاتية الفوقية التي تتملص من مسؤولياتها المجتمعية وتتجه إلى الشهرة الوقتية عبر نشاطها الاعلامي غير المؤطر والمرتكز على اشعال فتيل التجاذبات وتوظيف فرص الاختلالات الفكرية ناهيك عما يصنعه هذا التوجه من فكر متهور لا يمكن ان تبني عليه سياسات الدول المحبة للأمن الراعية للسلام والتنمية والمحافظة على تاريخها واصالتها وفكرها التنويري المتوازن وهويتها التي تتسع للاختلاف ولا تتصادم معه وتجد فيه منطلق للوصول للحق بالحجة والبرهان، والاستفادة من محطات الماضي بما يحمله من مفردات ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية كشاهد اثبات على أصالة الشخصية العمانية وتجذرها في الخريطة العالمية ورسم ملامحها المتفردة.
وبالتالي يطرح هذا الواقع الذي وصلت إليه منصات التواصل الاجتماعي لغة جديدة بدأت في وجهها الظاهري على أنها استماته في الدفاع عن المبدأ وفرصة لإظهار الحق، ولكنها في حقيقة الأمر أفرزت نواتج أخرى ستكون إحدى ثغرات الأدب المكشوف التي ستعاني منها الأوطان في المستقبل القادم، والتي قد تؤثر على الأصالة والهوية التي تتميز بها مجتمعات على غيرها، إذ ما يترتب على هذه التغريدات من ردود ونقاشات تتاح فيها فرص التعدي على حرمات الأوطان ورموزها ومقدساتها فتصبح مساحة استراحة تمنح مثل هؤلاء فرص السخرية والتهكم والتقول بدون دليل، وها هي الأوطان اليوم تعيش حالة عدم الاحترام والتقدير لها والتلاعب بمواردها وتعطيل حقوقها في حروب أنهكت الثروات واستنزفت الطاقات وعطلت فرص تنميتها وتطويرها، إنها لغة الوصاية بما تحمله من قبح الهدف وفساد النية وتخلف الفكر وصفة التسرع وسلوك الاندفاع وسلبية التعاطي مع الحدث وحمق الرد والأثرة في المواجهة والتفلسف في اختيار الكلمات التي تتوافق مع مزاجية الذات عندما لا ترعوي لروح الانجاز وتنظر من زاوية واحدة، لتجد في قنوات التواصل الاجتماعي فرصتها لمزيد من الشهرة، حيث الردود المتقطعة التي تفتقد للأدلة فتزل عن الهدف وتنحرف عن الجادة وتغرد خارج السرب وتقرأ الواقع بطريقة مقلوبة وفكر سطحي هش.
أعتقد يقينا بأنه ليس علينا أن ننقاد لمثل هذه التوجهات، ولا أن نترك لأنفسنا مساحة الدخول في هذه المهاترات التي تضر بوطننا وإنسانه، فإن كثرة الحساسية المفرطة أحيانا من بعض ما تبثه هذه المواقع كالتويتر واليوتيوب وغيرها من فيديوهات أو تعقيبات أو تغريدات أو منشورات أخرى من اشخاص غير ذي حضور، إنما هو انغماس في مسار المعلبات الفكرية الجاهزة التي ينبغي للمواطن الواعي أن لا يسمح لنفسه بنشرها وتكرارها في منصات التواصل الاجتماعي والواتس أب، بما تستهدفه من إقصاء الشباب عن قضاياهم الكبرى واولوياتهم واهدافهم المصيرية، ليبحثوا عن رصيدهم في الكلمات النابية أو الأفكار الضيقة أو الطموحات الوقتية، وأشغال الشباب بالتفاهات والردود والمجادلات الوقتية التي تضيّق عليهم نوافذ الأمل، وتقلّل فيهم دوافع العطاء وليكن دوره ايقافها كونها ممارسات غير مسؤولة تتعالى عزة الوطن وشموخه وهيبة الشخصية العمانية أن ترد على هذه الشطحات الصبيانية والمشوهات الفكرية بحجة الدفاع عن الوطن، لنترك مؤسسات الدولة الامنية والعسكرية والشرطية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتربوية التعامل معها بمهنية والتعاطي معها في ظل طبيعة التعامل الذي ترتئيه والأدوات التي تستخدمها.
من هنا لن تحتاج الأوطان إلى أوصياء الكلمة ومنمقي المعلومة ومبهري الحشد بالشجاعة والإقدام على الرد على هذه الاسماء الوهمية المجندة والمدسوسة، الساعية إلى نشر قذارة الفتنة وإشغال الناس بقضايا وهمية غير ذات أولوية في حياتهم، بل هي بحاجة إلى الأوفياء المخلصون والعاملون المجتهدون، المدافعون عنه بحس الإنجاز وقوة الأداء ورقي السلوك وقوة المنافسة من أجل خدمتها، إذ مفاخر الوطن في إنجازات أبنائه وبناته وقدرتهم على التعاطي مع واقعه بوعي، وإدراك مسؤولياتهم نحوه بحكمه، وقدرتهم على إزالة كل المشوهات السلبية التي باتت تقرأ الوطن في ممارسات شخصية، وهو ما يعني أن علينا أن نبحث عن معززات نجاح الوطن في كل مواقع العمل والمسؤولية فالأب في بيته والأم مع أبنائها والموظف في وظيفته والمسؤول في إدارته والسائق في قيادته والمواطن في التزامه، ليكن الوطن التزاما نمشي به على الأرض في إدارة المواقف اليومية والتعامل مع المفارقات الحياتية، وتقوية روح التضامن والمحبة والتعاون بين أبناء الوطن، وزيادة مساحات الشعور الواعي بقيمة المنجز الوطني والمحافظة عليه.
ومعنى ذلك أن قوة الأوطان ونجاحاتها تبنى على مسارات الإيجابية والهدوء واغتنام الفرص والثبات على المبادئ والتضامن في مواجهة التحديات والكشف عن كل المحاولات التي باتت تسيء للوطن، فحالات الغش في التعاملات الاستهلاكية والغذائية أو الممارسات غير المقبولة التي تظهر تواطؤ المواطن ومعرفته بالكثير من الحالات التي أضرت بمصالح الوطن وحياة مواطنيه في البيع والشراء والمنتجات الغذائية والمواد الاستهلاكية وغيرها،أو في رفقه بأبناء الوطن عندما يؤدي مسؤوليته الوظيفية بكل إخلاص وعبر التيسير والتخفيف عليهم ومراعاة احتياجاتهم واختصار الإجراءات والتقليل من البيروقراطية ومعالجة التكرار في العمليات الإدارية الروتينية وغيرها، وبالتالي تقوية عناصر الالتزام بهذه التوجهات الوطنية كمنطلق للوفاء للوطن والمحافظة عليه، فإن القوة الداخلية للأوطان وقدرتها على تقوية البحث العلمي وجودة التعليم والاستثمار الواعي للموارد وبناء الإنسان والاعتماد على النفس وتقوية الأمن الغذائي والصناعي وتعزيز السياحة الداخلية وصناعة التحول في سلوك المواطن، موجهات القوة ومعايير المنافسة التي تعكس قوة الوفاء للوطن، وعندما يقوى اتصال المواطن بوطنه وتتجذر مبادئه وهويته في قناعاته وسلوكه فيدافع عنها كونه ملتزما بها عاملا عليها محافظا على تواجدها في واقعه مطبقا لها في نفسه ومع الاخرين، عندها لن تكون الوطن بحاجة إلى من يدافع عنه بلسانه وقلمه، إذ أفعاله وممارساته تحكي في تجلياتها شموخ وطن حافظين لحدوده عارفين بحقوقه منتصرين لمبادئه.

Rajab.2020@hotmail.com

إلى الأعلى