الخميس 18 أكتوبر 2018 م - ٩ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / لا تلعب مع الروس

لا تلعب مع الروس

د. فايز رشيد

” للأسف, فإن بعض الصحف العربية ذات الاتجاه المتصهين, كما بعض الفضائيات, تحمّل النظام السوري المسؤولية في حادثة إسقاط الطائرة ! كما أن البعض العربي, تماما كما أميركا وإسرائيل, ما زالوا يراهنون على حدوث معجزة, بعودة عقارب الساعة إلى الوراء, والاستمرار في مخطط تقسيم هذه الدولة العربية, وإفشال المساعي الروسية لإحلال السلام في سوريا, وسيطرة الحكومة السورية على كل أراضي بلدها,”
ـــــــــــــــــــ

العنوان مثلٌ معروف, بأن الروس لا يُلتعب معهم. نقول ذلك, بسبب إسقاك طائرة “إيل 20″ الروسية في سوريا, وعلى متنها 15 ضابطا وجندياٍ. صحيح أنها سقطت بنيران المضادات السورية, ولكن الأصح, أن السبب الحقيقي لإسقاطها, هو العدوان الصهيوني الأخير على البلد العربي, وعربدته في أجوائها. لذلك حمّل الناطق الرسمي الروسي إسرائيل المسؤولية الكاملة, بالطبع أذيع البيان الروسي بعد اطلاع الرئيس بوتين على كلّ كلمة فيه, وكأني بالرئيس الرئيس الروسي أراد القول لإسرائيل: “كفى, لقد انتهت اللعبة”. اعتادت إسرائيل إبلاغ روسيا قبل شنّ هجماتها على سوريا, بفترة كافية, هذه المرّة جرى الإبلاغ قبل دقيقة واحدة, وهو المأخذ الأول الذي أخذته روسيا على تل أبيب. المأخذ الثاني, هو أن الطائرات الإسرائيلية دفعت الطائرة الروسية دفعا, نحو نيران المضادات السورية. بالطبع عندما يقول الناطق الرسمي الرسمي “بأن موسكو تحتفظ بحق الرّد” , يعني أن موسكو سترّد فعليا. كلنا نذكر حادثة إسقاط تركيا لطائرة السوخوي الروسية عام 2015, حينها أصرّ بوتين على اعتذار تركيا رسميا, وهو ما نفّذه أردوغان, بعد أن كابر في البداية برفض الاعتذار!.
من جانب ثان, فإن من يطالع الصحف الإسرائيلية, بعد إسقاط الطائرة الروسية, يدرك حجم القلق الإسرائيلي من رد الفعل الروسي, فمثلا كتب أليكس فيشمان في صحيفة “يديعوت أحرونوت ” مقالة طويلة تحت عنوان ” لهذا الخلل سيكون الثمن باهظا”. أما مقالة أسرة التحرير في صحيفة “هآرتس” فكتبت مقالة تحت عنوان “سورية ليست ميدان تدريب”. من زاوية أخرى, قالت مصادر إسرائيلية, إن حكومتها وقيادة جيشها تنتظر بقلق رد فعل روسيا على اسقاط طائرتها,على الرغم من “البيان الهادئ” الذي أصدره الرئيس الروسي فلاديمير بوتين, حسب الوصف الإسرائيلي. والأمر الأساسي الذي يدخل في التوقعات الإسرائيلية, هو أن تتخذ روسيا إجراءات جديدة في سوريا, من شأنها تقييد الهجمات العدوانية الإسرائيلية في الأجواء السورية. وقالت أيضا صحيفة “هآرتس”, في اليوم التالي مباشرة للحادثة, إن إسرائيل ترى نفسها, أنها حاليا “واقعة في ورطة مع الروس, التي من شأنها التأثير بصورة سيئة على حرية العمل الاستراتيجي التي يتمتع بها الجيش الإسرائيلي في سورية”. وأضافت, إن “إسرائيل ما تزال تنتظر رؤية ما هي الخطوات التي ستتخذها روسيا. هي تستطيع مثلا أن تطلب من إسرائيل ابلاغها بإنذار مبكر أكثر قبل الهجمات, أو تحديد منطقة محظور طيران الطائرات الإسرائيلية فيها, قرب قواعدها في شمال سورية, أو تزود روسيا الجيش السوري بأنظمة دفاع جوية جديدة؟. كما أصدر المتحدث باسم جيش الاحتلال تعقيبا, اعترفت فيه إسرائيل بأن الحادثة بدأت بهجوم لها, “وعبرت عن أسفها على موت الجنود الروس”, لكنها القت المسؤولية الكاملة عن ذلك على سورية وإيران وحزب الله. وحسب المتحدث, فإن القصف وجه من أجل احباط, ما يسميه الاحتلال الإسرائيلي “تهريب إلى لبنان” أسلحة دقيقة لحزب الله, وبضمنها, حسب الادعاء,آلات تنتج وسائل اعتراض دقيقة, خصصت من اجل تركيبها على اسطول الصواريخ الموجود لدى حزب الله. وحسب ما نشر قبل ثلاثة أيام, فإن إسرائيل ابلغت مسبقا القوات الروسية بالهجوم قبل وقت قصير من القيام به. وكان نتنياهو وبوتين قد تحادثا هاتفيا يوم الثلاثاء. واقترح نتنياهو على بوتين أن يقوم قائد سلاح الجو الجنرال عميكام نوركن بالسفر إلى موسكو, وأن يعرض هناك تفاصيل التحقيق الإسرائيلي. وقد وافق بوتين على ذلك.
للأسف, فإن بعض الصحف العربية ذات الاتجاه المتصهين, كما بعض الفضائيات, تحمّل النظام السوري المسؤولية في حادثة إسقاط الطائرة ! كما أن البعض العربي, تماما كما أميركا وإسرائيل, ما زالوا يراهنون على حدوث معجزة, بعودة عقارب الساعة إلى الوراء, والاستمرار في مخطط تقسيم هذه الدولة العربية, وإفشال المساعي الروسية لإحلال السلام في سوريا, وسيطرة الحكومة السورية على كل أراضي بلدها, كما محاولة توريط روسيا في مستنقع شبيه بالمستنقع الأفغاني الذي تورط فيه الاتحاد السوفييتي السابق. كذلك لم تكن موسكو عندما جاءت الى سوريا, معنِية بتصعيد خلافاتها العاصفة مع ادارة ترمب وحزب الحرب في واشنطن, بعد الاتهامات المركّزة لهؤلاء حول التدخل في عام 2014 ومسارعة واشنطن الى فرض عقوبات قاسية على روسيا, ما يعنى – ضمن امور اخرى – ان موسكو حريصة على عدم جعل سوريا ساحة مواجَهة عسكرية منفلتة مع واشنطن, المنخرطة بحماسة في الحرب في سوريا وعليها,عبر دعمها للمجاميع الإرهابية وافتضاح ادعاءاتها بأنها تحارب الارهاب. للأسف, هؤلاء لا يدركون حقيقة الموقف الروسي, الذي جاء بطلب من الحكومة الشرعية السورية, وأن موسكو لم تأت لمحاربة إسرائيل, ولا للاصطفاف في محور المقاومة, التي لا تخفي اقترابها من مواقفه تحديدا في الشأن السوري, وهي أيضا تعي عمق حجم الصراعات والتنافس المحموم بين القوى الاقليمية, وبين بعض العرب أنفسهم, ودولهم التي تفتقِد اي بُعد تأثيري على أحداث المنطقة, والتي تتحكم في خلافاتها عقلية ثأرية قائمة على تصفية الحسابات!.
جملة القول: أن إسقاط الكيان الصهيوني للطائرة الروسية, سيجبر موسكو على وضع قواعد جديدة للاشتباك مع إسرائيل, حيث سيصعب على الأخيرة بعد الآن استباحة الأجواء السورية.

إلى الأعلى