الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الخرف الإلكتروني

الخرف الإلكتروني

كاظم الموسوي

” .. يعلم الجميع أن استخدام أغلب برامج أو وسائل التواصل الاجتماعي لمجانية التواصل ليس حبا بالمستخدمين وتسهيلا لتواصلهم، بل كما لم يعد سرا ذلك، لغايات وأهداف كثيرة، وبإغراءات ومحفزات مشجعة لاندفاعات وكشف خصوصيات وفضح أسرار وغيرها من الجوانب والمواصفات التي تنتهي كلها بما لا يصب في خدمة المستخدمين ولا تفيدهم او تعينهم او تحترمهم أساسا، خارج تسهيلات التواصل والاتصال المجاني.”
ـــــــ

تطورت تقنيات وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة مذهلة وباتت متيسرة لكل من يستطيع شراء، أو يشترى له، الأدوات الذكية، (الهاتف الجوال المحمول، آي باد، لاب توب، التابليت، و..) التي يتمكن عبرها الدخول إلى تحميل وتثبيت وتسجيل حسابات او المشاركة في برامج واستخدامات وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه النعمة كغيرها من النعم الحديثة تتحول في كثير من الأحيان الى نقمة خلال استخداماتها او الادمان عليها، بأشكال متعددة ومختلفة، صحيح انها متاحة للجميع، بنعمتها ونقمتها، كما هو الحال الان، لاسيما في بلداننا العربية خصوصا. لكنها تصبح، اذا لم تكن واعيا وكفوءا بها، عملا متعبا واشغالا ضائعا ومضيّعا للوقت والجهد وقدرة الاعصاب وابعاد النظر وغير ذلك، ليس لمستخدمها وحده وانما لاخرين يتعامل او يراسلهم المستخدم الاول، لاسيما اذا اشتبكت المجموعة او الافراد بدائرة مشتركة كاصدقاء او معارف. وحينها تنتفي الفائدة العملية من صناعتها وتجارتها وتتحول فعليا الى هدر مفتوح لا حدود له، في حالات السلب منها، بما يخالف الايجاب النافع منها ومن التطورات المستمرة في ميادينها.ويعلم الجميع ان استخدام اغلب برامج او وسائل التواصل الاجتماعي لمجانية التواصل ليس حبا بالمستخدمين وتسهيلا لتواصلهم، بل كما لم يعد سرا ذلك، لغايات وأهداف كثيرة، وبإغراءات ومحفزات مشجعة لاندفاعات وكشف خصوصيات وفضح اسرار وغيرها من الجوانب والمواصفات التي تنتهي كلها بما لا يصب في خدمة المستخدمين ولا تفيدهم أو تعينهم أو تحترمهم اساسا، خارج تسهيلات التواصل والاتصال المجاني. وليست اخر الفضائح مع الفيسبوك وشركة الابحاث البريطانية كامبرج اناليتيكا، مثلا، واستغلالها لمعلومات المشتركين في صفحات الفيسبوك، وكان جوليان اسانغ ومنجزه ويكيليكس قد فضح بالوثائق جوانب كثيرة من استغلال وتوريط او تورط المستخدمين لوسائل التواصل الاجتماعي، كما تبعه في الاتجاه ذاته ما كشفه المتعاون المخابراتي الامريكي ادوارد سنودن من فضائح استفادة اجهزة المخابرات من تفاصيل المعلومات الشخصية لكل المستخدمين وقيامها برقابة الاتصالات والانترنت. وهي قضية واضحة ومكشوفة الان وتجري علنا واحيانا تستبدل صيغها للتمويه بما لا يذهب بعيدا عن اهدافها الرئيسية الاولى وتطوراتها. ومن بينها حفظ الصور الشخصية للمستخدم وتصويره اثناء الاستخدام دون طلب السماح منه أو سؤاله، ولأسباب قضائية ذكر أن بعض الوسائل والفيسبوك توقفت عن ذلك.
“حتى إن شركات مثل «أبل» و«ألفابيت» و«فيسبوك» و«مايكروسوفت» وغيرها من الشركات العملاقة أصبحت بمنزلة كيانات لا يمكن تصور سقوطها وتتمتع بأوضاع احتكارية بامتياز. ف«غوغل» مثلا، تحظى بقرابة %80 من السوق العالمية، و«أمازون» تهيمن ب%40، و«مايكروسوفت» تستحوذ على أكثر من ثلثي سوق أنظمة تشغيل الأجهزة المنزلية، و«أبل» و«أندرويد» البديلان الرئيسان المتاحان في مجال أنظمة تشغيل الجوالات، فضلا عن انتشار ظاهرة «الشركات العملاقة» التي تهيمن على الأسواق في مجالات منها النقل الجوي والبنوك والخدمات النفطية، على سبيل المثال، لا الحصر..” حسب صحيفة نيويورك تايمز الامريكية، ونقلتها صحيفة القبس الكويتية.
حصلت هذه الشركات العملاقة اليوم على مواقعها في الثروة والعولمة من عقلية الاستهلاك الدائم عند المستخدمين لها في انحاء المعمورة، ومن خلال الإعلان للشركات والصفقات التحارية. حيث ان بعض المستهلكين لم يكتف بجهاز واحد او استخدام وسيلة واحدة مما فسح المجال واسعا لتنمر الشركات على الاقتصاديات العالمية بما قدمت وما جنت من وراء ذلك. وهو الامر الذي يستدعي قراءة اخرى للارقام والاحصائيات ووضع حد لها واستخدامها بما يحقق الاستفادة الكاملة منها دون اسراف او تبذير او تفاخر فارغ، ووضعها في موقعها الطبيعي في التطورات والتحولات القائمة في العالم.
ما لفت الانتباه بعد كل ذلك هو ما يجري عمليا في استخدام تلك الوسائل في أمور كثيرة لا تقدم خدمة انسانية او تقدما علميا او تطورا موضوعيا او جهدا اجتماعيا انسانيا، بل تدور حول نفسها وتضيّع ما تصبو إليه منها. لا سيما في التوجهات او الوجهات التي استثمرت فيها قوى معادية لها اساسا او كارهة لتفوقها ومنافعها العامة. ويمكن وضع ما يحصل من تشكيل مجموعات وحلقات بين معارف واصدقاء وتدوير ما يتصور المشاركون فيها فائدة ما منها. وهي ظاهرة قائمة حاليا ويتحدث عنها كثيرون بروح الشكوى والتذمر وصولا الى الغضب والاحتجاج، ولكنها للاسف تفتقد امكانية التخلص منها او تقليلها لاسباب كثيرة وعوامل متعددة، منها ما اسميه الان بالخرف الالكتروني، وهذا المرض ليس من اليسير معالجته او الحيلولة دونه، فهو مرض اصبح مزمنا ومعبرا عن فقدان الثقافة الموضوعية من الاستفادة الواسعة من تلك الوسائل بما يخدم ويطور ويوفر معرفة لا ازعاجا مقصودا او عفويا، بسبب جهل او عجز او تقصير وحتى غباء وتخلف، بلا حرج. وهو أمر معلن، ولكن يتستر عليه لعلاقات وأوهام معرفة وخشية توترات اجتماعية أو شخصية. إذ تتحول الفائدة منها إلى جهد بلا معنى ولا مردود نافع له. ويتطلب منع وعدم السماح للتفاهة والاستغباء أن تعشعش وتدير الوسائل وتفقدها الاجمل والاكثر منفعة منها.
وواضح أن هذه البرمجيات تتطور بلا حدود، وهي بالتأكيد الان أو لسنوات قادمة ستصبح بديلا كاملا عن استخدامات وتطبيقات حالية. فمثلا شركة تاكسي غطت الحاجة إلى مكاتب حجز وتوفير سيارات وسائقيها الآن دون أن تشتري او تجهز سيارة واحدة لها، وكذلك مكتب حجز فندقي يؤدي المطلوب منه دون أن يملك عقارا واحدا. بل إن التطورات تداخلت وشملت الكثير من المجالات، فوفق بعض الأبحاث تتحدث عن مزاج الإنسان، بمعنى “ان هناك اليوم تطبيق يخبرك عن مزاجك الحالي من خلال معالم وجهك، وسينتج مستقبلا تطبيقا على الهواتف الذكية لكشف الكذب من خلال معالم الوجه. تخيل أثر هذا التغيير على المناظرات السياسية، وأنت قادر على معرفة الصادق من الكاذب. وكذلك عمر الإنسان، حاليا، يزيد عمر الإنسان التقديري بمقدار ثلاثة شهور كل عام. وفي عام 2036، ستصبح هذه الزيادة عاما كاملا كل عام، أي أنه من المقدر مستقبلا أن يعيش معظم البشر لفترات تزيد كثيرا عن 100 عام”.
أعود الى العنوان واذكر بانه من ضمن الأمراض التي تصيب المستخدمين دون إدراك بما يمكن الاستفادة منه أو تعميم المعرفة وتوفير الخدمة القادرة على التطوير والتجديد. فهل يعي المصابون بالخرف الالكتروني ذلك ويعالجون ذواتهم قبل الزهايمر، المرحلة القادمة بعده؟!.

إلى الأعلى