الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م - ٤ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / الحرب النفسية والاقتصاد “رسائل ترامب النفطية انموذجا”

الحرب النفسية والاقتصاد “رسائل ترامب النفطية انموذجا”

محمد بن سعيد الفطيسي

”.. في آخر تغريدة للرئيس الاميركي ترامب على حساب تويتر، مع الإشارة والتأكيد على ان هذه التغريدة ليست الا غَيْضٌ من فَيْض, طالب منظمة اوبك بتخفيض اسعار النفط بشكل فوري, وبلهجة يبدو عليها التهديد والاستعلاء. قائلا : “نحن نحمي دول الشرق الأوسط، وهم لن يتمتعوا بالأمان طويلًا بدوننا. هم يرفعون أسعار النفط أكثر وأكثر، تذكروا يجب أن تخفضوا أسعار النفط الآن”. ”
ــــــــــــــــ

بين الحين والاخر يطالعنا الرئيس الاميركي دونالد ترامب برسائل حيال بعض القضايا الدولية العابرة للحدود, عبر وسائل الاعلام الرسمية ومواقع التواصل الاجتماعي كتويتر. ومن ابرز رسائل ترامب تلك المتعلقة بوجهة نظره حول قضايا الاقتصاد الدولي, خصوصا المتعلق منها بالنفط, سواء من حيث التصدير او السعر او غير ذلك مما يتعلق بتداخل وتبادل مصالح وانشطة الولايات المتحدة النفطية في منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الاوسط.
والمتتبع لتلك الرسائل النفطية, يلحظ انها تحمل العديد من المعاني والملاحظات التي يجب الوقوف عندها, لأنها ترتكز حول صيغ لغوية تغلب عليها الأوامر والتوجيهات, وتهديدات امنية مباشرة ورسائل سياسية وجيو اقتصادية صريحة, تثبت استمرارية فكرة “شرطي العالم” و”الامبريالية الاميركية التدخلية” حتى ضد شركاء وحلفاء الولايات المتحدة الاميركية.
ويعد حساب الرئيس الاميركي ترامب في “تويتر” مثال حي على ما تطرقنا اليه سلفا, خصوصا ان تلك التغريدات تتزامن مع صراعات وازمات اقتصادية تخوضها الولايات المتحدة الاميركية مع اكبر القوى الاقتصادية القائمة اليوم كالصين وروسيا, وكذلك مع دول لها وزنها على الساحة الاقتصادية الدولية كإيران وتركيا على سبيل المثال لا الحصر، بحيث يمكن ان نؤكد ان الولايات المتحدة الاميركية في عهد الرئيس الاميركي دونالد ترامب قد اعادت الى الواجهة الدولية ما يطلق عليه بالحرب النفسية في عالم المال والاقتصاد عبر بوابة “النفط”, وذلك في اكثر مناطق العالم اضطراب وفوضى وتوتر, اقصد منطقة الشرق الاوسط عموما والخليج العربي على وجه الخصوص.
فعلى سبيل المثال لا الحصر وفي اخر تغريدة للرئيس الاميركي ترامب على حساب تويتر مع الاشارة والتأكيد على ان هذه التغريدة ليست الا غَيْضٌ من فَيْض, طالب منظمة اوبك بتخفيض اسعار النفط بشكل فوري, وبلهجة يبدو عليها التهديد والاستعلاء. قائلا : “نحن نحمي دول الشرق الأوسط، وهم لن يتمتعوا بالأمان طويلًا بدوننا. هم يرفعون أسعار النفط أكثر وأكثر، تذكروا يجب أن تخفضوا أسعار النفط الآن”.
على ضوء ذلك. يبدو ان الرئيس الاميركي دونالد ترامب يهدف من وراء هذه التغريدة وامثالها الى ايصال رسائل عديدة ومختلفة الى الدول النفطية عموما, وعلى رأسها دول الشرق الاوسط ومنظمة اوبك على وجه الخصوص. منها على سبيل المثال لا الحصر:
اولا: استمرار التأثير والضغط السياسي الاميركي على اسواق النفط العالمية بوجه عام والشرق الاوسطية خصوصا, عبر اثارة البلبلة والذعر ولغة التهديد, خصوصا حول اسعاره واساليب تصديره, ولمن يصدر؟, وربطها بالأمن القومي الاميركي لتكون الرسالة اكثر قوة وجدية . وبمعنى اخر – الابقاء على بعض ازرار الريموت كنترول بيد الولايات المتحدة الاميركية , و(هذه المقاربة المرتكزة على الاقتصاد للأمن القومي اصبحت سياسة اميركية رسمية – فعلى سبيل المثال – , عندما تولت ادارة كلينتون السلطة في اوائل عام 1993م , وفي اول ظهور له امام لجنة العلاقات الخارجية التابعة لمجلس الشيوخ, صرح وزير الخارجية وارن كريستوفر انه ومعاونوه “لن يخجل من ربط دبلوماسيتنا الرفيعة بأهدافنا الاقتصادية )
ثانيا: يهدف ترامب الى تقسيم وتجزئة واثارة الفوضى في منظمة اوبك بين دول رافضة لتخفيض الاسعار واخرى تصر على المحافظة على الوضع الراهن كما هو على اقل تقدير. خصوصا بين شركاء الولايات المتحدة الاميركية في الشرق الاوسط والدول التي يمكن ان توضع في خانة الممانعة كإيران على سبيل المثال لا الحصر. الامر الذي يزيد من الخلافات بين تلك الدول, وهو الامر الذي يمكن ان يسهل كثيرا من قدرة الولايات المتحدة الاميركية على السيطرة على هذه المنظمة واضعاف قدرتها واستقلاليتها.
ثالثا: ترتبط صناعة النفط في العالم بصناعات اخرى, خصوصا تلك المتعلقة بتجارة الاسلحة, ويعتقد البعض ان انخفاض اسعار النفط قد يؤثر على تجارة الاسلحة في العالم, وهذا الامر غير صحيح الى حد بعيد, فلم يثبت عبر التاريخ ان المتوسط السنوي لشراء الاسلحة العالمي قد انخفض بتراجع اقتصاديات الدول وقدرتها على التمويل, بل على العكس من ذلك. وما يزيد تفاقم الامر, وهو ما نقصده هنا. ان انخفاض اسعار النفط قد استنفد موازنات الدول نتيجة انخفاض اسعار النفط وزيادة واردات الدول من الاسلحة, خصوصا دول الشرق الاوسط. وهو ما يرغب في تحقيقه ترامب تحديدا عبر سياسة خفض الاسعار ولو بشكل مؤقت بين الحين والاخر ,ورفع مناطق الصراع والتوتر, الامر الذي يحقق له ضرب ” عصفورين بحجر واحد ” وهما انهاك موازنات دول الشرق الاوسط من جهة , وبيع الاسلحة الاميركية من جهة اخرى.
رابعا: التأكيد على استمرار سيطرة الولايات المتحدة الاميركية على موارد القوة والنفوذ في الشرق الاوسط , خصوصا على الدول والمنظمات الاقتصادية التي تتداخل ومصالح الولايات المتحدة الاميركية السياسية والاقتصادية العالمية, وهي رسالة واضحة لبعض القوى الدولية التي تناضل بدورها للبقاء او لكسب مناطق خاصة بها في هذه المنطقة من العالم كروسيا والصين على سبيل المثال لا الحصر, وذلك عبر الموقع الفريد الذي اتخذته السيطرة الاميركية على النظام العالمي, ووجود حلفاء لها في الشرق الاوسط, والتأكيد على القوة العسكرية والاستخباراتية الاميركية في هذه البقعة الجغرافية المهمة للغاية من العالم.
فيكفي نجاح الرئيس ترامب في تخفيض اسعار النفط او التأثير عليها ولو بشكل مؤقت عقب كل تغريدة, وهو دليل واضح على القدرة والتأثير السياسي والنفسي لتلك التغريدات على الاقتصاد العالمي, خصوصا اسواق النفط, وهو بحد ذاته اشبه ما يكون بنجاح لهذا النوع من اساليب الصراع وادارة الازمات الدولية عبر ما يطلق عليه بالحرب النفسية .

إلى الأعلى