الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : في خلفية إسقاط الطائرة الروسية

شراع : في خلفية إسقاط الطائرة الروسية

خميس التوبي

في غمرة استغلال الوقت من قبل معشر المتآمرين على سوريا لترتيب الأجواء السياسية والميدانية لخلط الأوراق، وفي خضم الكشف المتوالي عن المعلومات بشأن امتلاك أو تمليك ما يسمى تنظيم “جبهة النصرة” أسلحة كيميائية بما فيها غاز السارين، وقيام التنظيم الإرهابي بتوزيعه على جميع التنظيمات الإرهابية وفي مقدمها تنظيم “داعش”، يدخل كيان الاحتلال الإسرائيلي بالأصالة على خط التأزيم والمشاغلة وخلط الأوراق، مؤكدًا أنه ماضٍ في سلوكه العبثي والتخريبي وذلك بالتسبب في إسقاط الطائرة الروسية “إيل ـ 20″ ومقتل خمسة عشر عسكريًّا روسيًّا كانوا على متنها.
إن تصعيد الأوضاع وتسخين الأجواء من قبل معسكر التآمر والإرهاب وفي مقدمته الولايات المتحدة وكيان الاحتلال الإسرائيلي داخل سوريا ليس وليد اللحظة أو قادت إليه مصادفات الأحداث، وإنما هو أمر مقصود لذاته، ولأهداف باتت غير مجهولة لدى جميع المتابعين والمراقبين لتطورات المؤامرة الإرهابية على سوريا. وكما هو ثابت، فإن حالة التصعيد والتسخين لا تبدو في أجلى صورها وأقذر سلوكياتها، وأحط أخلاقها إلا حين يحقق الجيش العربي السوري وحلفاؤه إنجازًا ميدانيًّا بتطهير مدينة أو قرية أو ريف من رجس الإرهاب، أو يستعد لتطهير أخرى. والتصعيد غير المسبوق من قبل معسكر التآمر والإرهاب ضد روسيا وسوريا ـ على خلفية استعدادهما لتطهير محافظة إدلب من الإرهاب التكفيري وإعادتها إلى الوطن السوري الأم ـ بدأ يأخذ صورًا وأشكالًا متعددة، بدءًا من تصريحات المتصهين جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي التي هدد فيها سوريا بعدوان عسكري واسع بذريعة استخدام السلاح الكيميائي الذي بدأت العصابات الإرهابية وفي مقدمتها عصابة ما يسمى “الخوذ البيضاء” العمل المسرحي والتمثيلي والتصوير والإخراج، مرورًا بتزويد التنظيمات الإرهابية بالأسلحة الكيميائية التي من بينها غاز السارين والكلور، وذلك من خلال تزويد ما يسمى تنظيم “جبهة النصرة” بهذه الأسلحة من قبل منتجيه ومشغِّليه، والذي تكفل بدوره بتزويد تلك التنظيمات بما فيها تنظيم “داعش” الإرهابي، ومرورًا كذلك بالعمل العسكري والاستخباري الكبير الذي تقوم به قوى معسكر التآمر والعدوان بالإعداد الكبير لمنع الجيش العربي السوري وحلفائه من تطهير إدلب واستعادتها، وذلك بتزويد التنظيمات الإرهابية بمختلف الأسلحة والمعلومات وأجهزة الاتصالات، وشق الأنفاق، وصولًا إلى الكذبة الكبرى التي لطالما استخدمها معشر المتآمرين وهي الخوف على حياة المدنيين الذين يسامون جميع صنوف الابتذال والإهانة، والتجويع والتشريد، ويُتخذون بصورة دائمة دروعًا بشرية، ووسيلة للتمثيليات الكيميائية، وكذلك وصولًا إلى إسقاط الطائرة الروسية “إيل ـ 20″.
في تقديري، وبالنظر إلى طريقة التعاطي الروسي والإسرائيلي مع حادث إسقاط الطائرة الروسية، هناك قطبة مخفية حول الفاعل الحقيقي، يعلمها كل من الروس والإسرائيليين، وهذا ما يمكن أن نستنتجه من التصريحات الروسية، سواء من قبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي أكد يوم الثلاثاء 18 سبتمبر:”أن حادث الطائرة الروسية “إيل ـ20″ في سوريا يشبه سلسلة حوادث مأساوية حصلت بالصدفة”. أو من قبل المتحدث باسم وزارة الدفاع الروسية إيجور كوناشينكوف، يوم الخميس 20 سبتمبر الذي قال: “كل أفكار أشباه الخبراء حول أسباب تحطم الطائرة “إيل ـ20″ بسبب عدم تشغيل نظام “الصديق ـ العدو”، ليست إلا مجرد أوهام هواة”. أما وكالة أنباء موردوفيا وهي إحدى وكالات الأنباء الروسية فقد قالت إن “إسرائيل” تحاول التهرب من المسؤولية عن كارثة طائرة “إيل ـ20″. وأوضحت الوكالة بأنه بعد سقوط طائرة الاستطلاع الروسية في مياه البحر المتوسط قبالة شواطئ سوريا انطلقت في”إسرائيل” الإشاعات التي تستهدف رفع مسؤولية الحادث عن الطيران الحربي الإسرائيلي. وشددت الوكالة على أن غارة الطيران الحربي الإسرائيلي هي سبب ما حدث للطائرة العسكرية الروسية. وذكرت الوكالة أن خبراء عسكريين رأوا أن الهجمة الجوية الغاشمة الإسرائيلية التي صدتها وسائط الدفاع الجوي السوري كانت استطلاعية لجس نبض الدفاع الجوي السوري توطئة لضربة صاروخية مكثفة من الممكن أن تشنها قوات حلف شمال الأطلسي الذي تقوده الولايات المتحدة، في الأسابيع القليلة المقبلة. إضافة إلى ذلك، أن العديد من وسائل الإعلام الروسية تشكك في الرواية الإسرائيلية، وأنه لا عذر للقوات الإسرائيلية، محملةً إياها المسؤولية.
الواضح من تحميل وزارة الدفاع الروسية كيان الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن إسقاط الطائرة، أن لدى الروس معلومات أو استنتاجات قوية وواضحة بأن هناك مخططًا إسرائيليًّا معدًّا بالتعاون مع القوة العسكرية الموجودة في عرض البحر الأبيض المتوسط قبالة سوريا ونعني بها “الأميركية والبريطانية والفرنسية”، حيث تشير الأنباء إلى أن فرقاطة فرنسية كانت تطلق صواريخها على مواقع سورية في اللحظة التي كانت تقوم بها الطائرات الحربية الإسرائيلية بالعدوان على سوريا في ريف اللاذقية. لذلك، يبدو أن الروس غير مستعجلين في تحميل المسؤولية بصورة رسمية وعلنية لكيان الاحتلال الإسرائيلي، بدليل أنهم طلبوا إعادة التحقيق في الحادثة وصياغة تقرير آخر غير الذي قدموه للقيادة الروسية والذي يحمِّل كلًّا من موسكو ودمشق المسؤولية المشتركة في الحادثة.
وفي ضوء تلك الاستفزازات التي يقوم بها معسكر التآمر والإرهاب على سوريا، يترقب الجميع وفي مقدمتهم كيان الاحتلال الإسرائيلي الخطوة الروسية اللاحقة ردًّا على إسقاط الطائرة، الذي يعد إهانة لدولة عظمى في حجم روسيا الاتحادية، وإهانة وصفعة موجعة للجيش الروسي وعقيدته العسكرية.
صحيح أن موسكو تعلم يقينًا أن الانفعال المباشر والقرار المتعجل بالرد لن يكون حكيمًا، بالنظر إلى أن أكثر من ثمانين دولة تعمل على خدمة كيان الاحتلال الإسرائيلي، وبقاء أمنه، والعمل معًا على تدمير سوريا وكل دول المنطقة التي يراها العدو الإسرائيلي تهديدًا لكيانه، وهو ما سيستفز أكثر هذه الدول إذا ما اتخذت موسكو خطوات عقابية رادعة في المجال الجوي السوري قبل ظهور نتائج التحقيق، ومعرفة الموقف الإسرائيلي النهائي؛ أي أننا سنرى تمثيليات كيميائية متعددة تُتخذ ذريعة لتكرار العدوان على سوريا من البحر الأبيض المتوسط انتقامًا لكيان الاحتلال الإسرائيلي، وتعويضًا لحالة شبه الشلل للطيران الحربي الإسرائيلي إذا ما فرضت موسكو إغلاقًا تامًّا للمجال الجوي السوري. لذلك تحريك الولايات المتحدة حاملة طائرات إضافية وقطعًا عسكرية بحرية أخرى إلى البحر الأبيض المتوسط ليس بريئًا، ولا يدخل فقط في إطار إحداث نوع من التوازن مع الوجود العسكري الروسي. لكن هذا لا يعني أن روسيا الاتحادية عاجزة عن رد الاعتبار جراء الإهانة الإسرائيلية التي تعرضت لها، بل هي قادرة، وتمتلك العديد من الأوراق التي يمكن بها أن تلحق الوجع والقلق لكيان الاحتلال الإسرائيلي. لهذا، فهي ـ في تصوري ـ ربما تريد ثمنًا من كيان الاحتلال الإسرائلي وحلفائه، سواء فيما يتعلق بملف تطهير إدلب، أو الحل السياسي، أو التوقف عن انتهاك السيادة السورية.. وهذا أو غيره ما سيكشفه قادم الأيام.

khamisaltobi@yahoo.com

إلى الأعلى