الخميس 18 أكتوبر 2018 م - ٩ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / أصداف : فيلم “الرئيس” في “دولة ما”

أصداف : فيلم “الرئيس” في “دولة ما”

وليد الزبيدي

قليلة الأفلام التي تبعث رسائل عديدة في آن واحد، ولا تستطيع أن تجد حشوا في ثناياها، وينطبق هذا بجدارة على فيلم “الرئيس” للمخرج الإيراني المبدع محسن مخملباف، نصحني بمشاهدة الفيلم الشاعر والناقد السينمائي البارز الاستاذ هادي ياسين الذي يعيش في كندا منذ سنوات، كما أنه يرفدني باستمرار بأفلام تستحق المشاهدة والمتابعة.
للتعريف بالفيلم والكتابة عن الرسائل التي ينطوي عليها يحتاج المرء لكتابة عدة مقالات، كما أن الذي يشاهده لا يمكن أن يغفل عن المشاهدة دقيقة واحدة، أنه فيلم متماسك ويصح القول، إنه تحفة فنية راقية.
اللحظات الأولى في هذا الفيلم تَظهر المدينة وقد غمرها الضياء لدرجة أن المشاهد سرعان ما يسافر مع لوحة جميلة لمدينة اسماها المخرج ” مدينة ما”، وتعطي اللقطات الأولى المفاتيح الرئيسية التي ستدور أحداث الفيلم حولها وتناقشها في عدة محاور، ففي تلك اللحظات تمجد الإذاعة المحلية بالحاكم الذي يظهر بزيه العسكري، لكن بعد ساعات ستنقلب وسيلة الإعلام تلك ضده، وبينما يعطي الحاكم وعدا لحفيده الصغير بأنه سيتسلم الحكم من بعده، فإنه يوقع على قرار اعدام سبعة “إرهابيين” وعندما يخبره مدير مكتبه بأن بين هؤلاء شابا لا يتجاوز السادسة عشرة وأن منظمات حقوق الإنسان ستثير زوبعة، يسارع لنهره محذرا من ضرورة التخلص من هؤلاء وإلا فإنهم سيقودون “ثورة” في البلاد.
يرغب بإخبار حفيده عن سيطرته على كل شيء في البلاد، فيقول للحفيد المنبهر بتلك الاضاءة التي تغمر المدينة، أنه يستطيع اطفاء كل ذلك باتصال هاتفي واحد، ويفعل ذلك ثم يعيد الضوء الباهر، ينبهر الحفيد ويطلب أن يطفئ الاضواء، لكن اوامره لم تفلح بإعادة الاضواء، ويصدر الحاكم الأمر لكن ليس هناك استجابة.
لتبدأ ثورة ضده، وتتسارع الأحداث بطريقة دراماتيكية، تضطر عائلته الخروج من البلاد بطائرة، لكن حفيده يصر على البقاء معه، لتبدأ قصة جديدة، تختلف فصولها تماما عن تلك التي كان يعيشها وعائلته واحفاده.
ذات الإذاعة التي كانت تمجده بدأت تبث بيانات تطالب الناس بالقاء القبض عليه، ويهرب الذين كانوا يوفرون له الحماية من الحراس والمرافقين، وخلال فترة وجيزة تنقلب حياة الحاكم الآمر الناهي الذي يعيش ببذخ هائل، وتبدأ رحلة التخفي بعد تغيير ملابسه وحفيده ليتظاهرا بأنهما يعزفان ويتسولان، حتى يتم اعتقالهما من قبل الناس في مشهد مؤثر جدا.
في هذه التحفة الفنية الزاخرة بالحكمة والدروس، التي يتجاهل زواياها وثناياها الكثير من الماسكين بالسلطة والمتسلطين، ينجح المخرج محسن مخملباف في استثمار التفاصيل الدقيقة ليوظف جميع المشاهد واللقطات في فيلمه، الذي اراد من خلاله توجيه الكثير من الحكام، وينصح الذين ربما يمسكون بسلطة في المستقبل، ليدق جرس انذار، لا ينتبه إليه الكثيرون.

إلى الأعلى