السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : صناع التاريخ

باختصار : صناع التاريخ

زهير ماجد

كنت كلما قرأت للصحفي محمد حسنين هيكل، اشعر بأني أمام طريقة بوليسية في الكتابة، فيها التشويق وفيها الحبكة وفيها العقدة والمؤثرات ثم الحل .. فإذا بي اكتشف انه فعليا تربى على قراءة الكتب البوليسية حتى اتقن اسلوبها. وهكذا يمكن بالتالي اكتشاف قادة وكتابا من مجرد اسلوبهم، ثمة فكرة فرنسية تقول ان الأسلوب هو الرجل، اذ لا يمكن ان يكون عكس ذلك ابدا مهما حاول الاختباء تحت اي اسلوب آخر.
يعجبني اذن قراءة حياة القادة والعمالقة في شتى ميادينهم، لاشك ان من يريد ادخال مؤثرات على شخصه، عليه ان يقرأ هؤلاء، وان يزيد من التعرف عليهم، حتى لو صاروا حلمه وخياله.
اكثر ما اعجبني ما طلب نيلسون مانديلا كتابته على قبره حيث تقول الكلمات “هنا يرقد رجل ادى واجبه تجاه وطنه”.. لم يقل القائد الكبير والملهم والزعيم المحبوب وغيره من الصفات، بل اختصر الكلمات حتى التواضع الشديد .. فهو اولا واخيرا رجل من بلاده، صحيح انه دفع سبعا وعشرين سنة من عمره في السجن، الا انه كان يقول دائما ان هذه هي حقيقة حياته.
كثيرة هي المذكرات التي تقرأ بشغف، واصحابها كبار ولهم صولة وجولة في الحكم وفي معرفة الناس وفي فهم الحكمة من حياة خدمتهم. هكذا مثلا قلت للكاتب نجيب محفوظ يوم كان بلغ التسعين، وجلست اليه في القاهرة لأحاوره، فإذا به يستمع إلى اسئلتي بشغف غريب لأني اخبرته بان كتاباتك الروائية فيها افكارك كما فيها قصص الحياة، فيجب بالتالي الحديث معك كخبير في الحياة وليس مجرد كاتب روائي، فكم كان فرحا عندما حدثني عن حبه الاول، وعن نوع الموسيقى التي يعشقها، وكيف يفهم الصداقة، وما يشكل الدولار مثلا بالنسبة إليه، وما معنى الموت في فلسفته الخاصة ….
من اجمل ما قرأت عن الحوارات ما قاله الفيلسوف جان بول سارتر ان على من يتم محاورته ان يقول كلاما يصنع من خلاله اسئلة للمحاور الصحفي. الأهمية تعود في الحوارات الى المعرفة الدقيقة للشخصية التي يتم محاورتها.
كتابة المذكرات واجب وطني على كل من عمل في الحياة العامة .. التاريخ هو متتابعات من هذه الاحداث وتلك ومن دور هذا وذاك وتلك .. كان العلامة محمد حسين فضل الله يقول في بعض خطاباته، بل يوصي السياسيين وغيرهم من كتابة مذكراتهم كي لا تضيع حقبة مهمة أو حقبات، وبالتالي تخلق فجوات لا يمكن املاؤها مهما حاولنا اختراع الضرورة لها.
لكن يبدو ان بعض القادة ممنوع عليهم كتابة مذكراتهم لأسباب متعددة، لكن ماذا سيقول الرئيس بشار الاسد لو امد الله بعمره وانهى الوضع في سوريا واعادها الى لحمتها الاولى، ثم ذهب ليرتاح، فما الذي سيكتبه، وهل ستكفيه آلاف مؤلفة من الصفحات كي يضع نصوصها الموثقة، فإذا بكل جملة تاريخ متكامل من الأحداث والمعلومات التي من المؤكد انها حصلت ولا يمكن تصديق الخروج منها والطريقة التي عولجت على سبيل المثال.
كان ستالين يعتبر ان كتابة المذكرات هرطقة بورجوازية .. لا يجب ان يتحدث المرء عن حياته الخاصة، لكن من اين نكتب التاريخ وكيف نكتبه وعلى ماذا نعتمد. الحدث يصنعه قائد، والخبرة يدونها، فماذا يبقى ان لم نعتمد عليه في فهم تاريخ ما.

إلى الأعلى