الأحد 21 أكتوبر 2018 م - ١٢ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : إشادة تستند إلى واقع

رأي الوطن : إشادة تستند إلى واقع

تعكس المشاهد المليئة بمظاهر القتل والدم والتدمير والتكفير والتهجير الحاجة الماسة إلى عمل دولي كبير تتضافر فيه الجهود لوضع حد للأسباب التي أدت إليه، وفي مقدمتها التطرف والغلو، ونزعات الهيمنة والتدخل في الشؤون الداخلية للدول، والأفكار المنغلقة والمتطرفة والمتوارثة من جيل نشأ تنشئة غير سوية، سادت فيها الأفكار الشاذة والمنحرفة، والمخالفة للفهم الصحيح للدين، إلى أجيال سارت على النهج وحادت عن نهج التجديد والتطوير في الفكر، متجاهلة الحقيقة التاريخية الثابتة وهي أن الأمم لا تتقدم ولا تتطور إلا بتجديد فكرها وتحديثه.
والصور المبعثرة للضحايا التي يشاهدها العالم في أكثر من بقعة من بقاع الأرض، وخصوصًا في منطقة الشرق الأوسط تقف وراءها آفة ألا وهي آفة الإرهاب، إلا أنه من المؤسف أن هذا المشهد بات يوميًّا وكأنه حالة خاصة بهذه المنطقة، والمؤسف أكثر أنه تداخلت فيه الكثير من الأسباب منها الاختراق الاستخباري للتنظيمات الإرهابية والمتشددة، وتوجيهها نحو تحقيق ما يريد المخترِق من أهداف، على النحو الذي تبدو فيه الجماعات المتطرفة والإرهابية في الدول غير المستقرة، بالإضافة إلى الانغلاق الفكري والتقليد الأعمى لآراء وأفكار تتنافى مع حكمة الخلق وروح التعايش الإنساني والتواصل الاجتماعي، ولا تتناسب حتى مع روح العصر الذي انتقلت فيه الأمم من التقليد إلى التجديد والتحديث والتطوير، وتقدمت في مجالات الحياة، وأوجدت بفضل حملات التنوير الفكري التي قادها مفكرون وقادة وعلماء أجلاء، أسباب التقدم والتعايش ووجدت معها بيئة الإبداع والابتكار والاختراع، فسما فيها كل من الروح والفكر والعلم.
ومع أن الإرهاب ليس له وطن ولا دين ولا عرق محدد، فكما يطغى على المشهد الدموي الإرهاب التكفيري يطغى أيضًا الإرهاب الإسرائيلي، غير أن الإرادة الجادة لم تتوافر بعد للبحث في الأسباب الحقيقية التي أدت إلى انتشار هذه الآفة. والأشد مرارة اليوم هو أن هناك طائفة من مدعي الثقافة والرأي والتحليل السياسي اصطفت إلى جانب التنظيمات المتطرفة، فعملت على الترويج لتطرفها وغلوها وإرهابها بطرق مختلفة مخدوعة في ذلك بشعارات براقة ورنانة.
ووسط هذا المشهد الظلامي، لا بد أن تكون هناك أنوار لها تفردها، وتعكس صواب معتقدها وفكرها، ومبادئها وقيمها، وسلامة سلوكها وحكمة نهجها، ويأتي نور السلطنة بمواقفها الجلية واحدًا من بين تلك الأنوار التي تضيء سماء العالم بعلو فكرها وسمو نهجها ومتانة إرثها وعمق تاريخها وحضارتها، مبرزة المثال الإنساني الحي في الرقي الأخلاقي والتعايش، والتواصل مع الآخر، محافظة على التمسك بحبل التعاون في كل ما من شأنه أن يخدم البشرية والتنمية والأمن والسلم الدوليين.
لذلك، لم تكن إشادة وزارة الخارجية الأميركية بالدور الذي تقوم به السلطنة في مكافحة الإرهاب بمنطقة الشرق الأوسط إشادة مجاملة دعت إليها طبيعة العلاقات، أو دفعت إليها المصالح، وإنما هي جاءت وفقًا لحقيقة راسخة، وواقع معاش لا تخطئه العين، والشواهد عليه كثيرة ومتعددة.
فالعطاء العماني مسيرة متواصلة لم تتوقف عند زمن أو مكان ما، ولم تتأثر بالضجيج الذي يحاول البعض إثارته للتغطية أو للتشويه، وتحققت رغم ذلك الإنجازات وتراكمت عبر عقود من العمل والمتابعة والمثابرة والقدرة على التعامل مع الملفات الدولية الشائكة، وأكدت من خلال ممارساتها العملية الناجحة باعها الطويل، ومكانتها، وأعطت للتوازن معناه، وأقامت للحوار أسسه وأركانه، ونثرت على العالم ياسمين التسامح الذي يعد إحدى علامات إرثها التاريخي، ما عكس الصورة الحقيقية للمجتمع العماني، وطبيعة الشخصية العمانية المتحابة المسالمة المتسامحة المتعالية عن الصغائر. فكان دالة ودلالة تاريخية، تأكيد تقرير الخارجية الأميركية على شراكة السلطنة الإقليمية، واعترافًا بدورها في إرساء الأمن والسلم الدوليين، وتعاون المسؤولين العمانيين في هذا الجانب. فثقافة التسامح، والوعي المجتمعي والسياسي والديني أمام التلاطم الفكري والديني والسياسي اليوم، عوامل راسخة أعطت للسلم الاجتماعي دلالته الوضاءة، وأضفت حصانة منيعة للمجتمع العماني.

إلى الأعلى