السبت 20 أكتوبر 2018 م - ١١ صفر ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / منظومة الدفاع السورية S300 بين.. القرار الروسي، والصخب الصهيوني

منظومة الدفاع السورية S300 بين.. القرار الروسي، والصخب الصهيوني

علي عقلة عرسان

” في سورية المنكوبة بالحرب، لم نخرج من “الباطوسَة”، ولا يبدو أننا سنخرج منها قريباً، ولا أظن أن المنظومة الدفاعية إس ٣٠٠ سوف تقرّب الحل السياسي، ولن تكون العصا السحرية للحل السلمي بين كيان الإرهاب الصهيوني القاتل المُحتل، وسورية الدولة المُستهدَفة من أطراف وقوى كثيرة وكبيرة، وذات الأهداف الوطنية والقومية.. فأطماع “إسرائيل”أكبر من ذبح الشعب الفلسطيني، وابتلاع فلسطين كلها، والجولان السوري، ومزارع شبعا وإقليم الخروب اللبناني،”

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في عام ٢٠١٠ وقعت سورية عقد شراء منظومة S300 مع روسيا الاتحادية، ودفعت ملايين الدولارات، دفعة أولى بموجب التعاقد الذي بموجبه تلقى عسكريون سوريون التدريب على تشغيل تلك المنظومة .. لكن في عام ٢٠١٣ ألغي التعاقد، وأعيدت الدفعة المالية لسورية. وقد قال وزير الدفاع الروسي شويغو يوم الاثنين في ٢٤/ ٩/٢٠١٨:”بودي التشديد على أننا في عام 2013، بطلب من الجانب الإسرائيلي، جمّدنا خطة تسليم منظومات “إس-300″إلى سورية التي كانت جاهزة للتصدير..”
لقد تغير الوضع الآن، بعد إسقاط الأليوشن ٢٠، ومقتل الضباط والجنود الروس الذين كانوا على متنها، وهو الحادث الذي وقع يوم ١٧ أيلول/سبتمبر الجاري، وحملت موسكو مسؤوليته لإسرائيل .. وقد جاء هذا الموقف، بناء على المعطيات التي حددتها وأكدتها وزارة الدفاع الروسية، وبينت فيها جوانب الخداع الإسرائيلي، والمراوغة والخبث المُتَعمَّد، حيث قالت الوزارة في تصريح رسمي:”.. إن الجيش الإسرائيلي لم يبلِّغ الطرفَ الروسي، عبر الخط الساخن، بنيته شن الغارات إلا قبل دقيقة واحدة من بدء الهجوم، وإن تل أبيب سلمت إلى موسكو معلومات خاطئة حول المنطقة المستهدفة – سنضرب في شمال سورية وضربوا في الغرب – ما منع الجيش الروسي من إبعاد طائرته من منطقة الخطر .. وإن الطائرات الإسرائيلية المشاركة في الهجوم، احتمت عمداً بالطائرة الروسية، ما أدى إلى إصابة الأخيرة.”.. وهذا ما جعل الرئيس بوتين الذي كان قد وصف الحادث بأنه”جاء نتيجة “سلسلة من الظروف العَرَضيّة المأساوية”،”يقول بتأكيد، في مكالمة طلبها نتنياهو يوم ٢٤ أيلول/سبتمبر:”.. إن “الجانب الروسي ينطلق من أن تصرفات الطيران الإسرائيلي بالذات أصبحت السبب الرئيسي للمأساة”.. وهذا إلى جانب موقف الكثيرين من الضباط الروس المعنيين، أدى فعلاً إلى تغيير نسبي في الوضع، لكن:”.. ليس بذنبنا”، كما قال الوزير شويغو الذي أعلن في يوم الاثنين ٢٤/٩/٢٠١٨ عن أن أن روسيا الاتحادية، بأمر من الرئيس بوتين، قد اتخذت القرارات الآتية:
1ـ تسليم منظومات “إس-300″الروسية للدفاع الجوي إلى الجيش السوري خلال أسبوعين.
2ـ تجهيز المراكز القيادية لقوات الدفاع الجوي السورية، بنظام آلي للتحكم، موجود حصريا لدى الجيش الروسي، مما سيضمن الإدارة المركزية لجميع الدفاعات الجوية السورية، وتحديد جميع الطائرات الروسية في الأجواء من قبلها.
3ـ إطلاق التشويش الكهرو- مغناطيسي في مناطق البحر المتوسط المحاذية لسواحل سوريا، بهدف منع عمل رادارات واتصالات الأقمار الصناعية والطائرات، أثناء أي هجوم مستقبلي على سورية”.. وقال شويغو في هذا الصدد:”هذه الخطوات قد تبرّد الرؤوس الحامية، وتدفعها إلى الامتناع عن خطوات متهورة، تُعرّض عسكريينا للخطر، وإلا فإننا سنضطر للرد انطلاقا من مقتضيات الوضع الراهن”/المصدر:RT. ومنظومة الدفاع الجوي “إس-300″ ، قادرة على اعتراض الأهداف الجوية على مسافة تتجاوز 250كم، وعلى إصابة عدة أهداف في الوقت ذاته.
وهذا القرار/الموقف، أبلغه الرئيس بوتين، للرئيس للرئيس بشار الأسد في طلبه مكالمة معه، يوم ٢٤ أيلول/سبتمبر الجاري، حيث:”حَمّل الرئيس بوتين إسرائيل مسؤولية إسقاط الطائرة، وأبلغه بأن روسيا ستطور منظومات الدفاع الجوي السورية، وستسلمها منظومة “إس-300″الحديثة.”./المصدر: RT/٢٤/٩/٢٠١٨
وهذا قرار إيجابي وفي صالح سورية التي عانت طويلاً من الاستباحة “الإسرائيلية لجغرافيتها وسيادتها، وخطوة تستحق التقدير، وينبغي التمسك بها، والعمل على أن تتحقق بسرعة ونجاح، قبل أن تزعزعها رياح التدخل .. ومن الأهمية بمكان ألا ننام في العسل ونمضغ الوهم.. لذا لا بدَّ من أن نشير إلى أن الأمور لا تذهب باتجاه التغيير الجذري لاتفاق التنسيق “الروسي – الإسرائيلي”الخطِر علينا، ولا إلى إعادة النظر به، بل إلى تحسين الأداء في مجالاته، وتشديد ضوابطه، والحرص على عدم التصادم الذي أقيم من أجله، مع بقاء التعاون قائماً. نعم هناك غضب عسكري روسي، وهناك عتب سياسي روسي أيضاً، ولكن ليس هناك ما يشي بأي نقض للبناء الاستراتيجي بين الطرفين، فلا يذهبن بنا الوهم مذاهب شتى.. وفي سياق العتب، لفت أكثر من مسؤول روسي إلى أن إسرائيل كانت أول دولة بدأ العسكريون الروس التنسيق معها في عملياتهم القتالية في سورية، حسب الاتفاق المبرم بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهذا التنسيق سبق أن آتى ثماره.. لقد حاول الإرهابي نتنياهو، في مكالمته مع الرئيس بوتين، وقف القرار الروسي بتسليم منظومة إس ٣٠٠ لسورية، وقال بوقاحته وادعاءاته الكاذبة المعهودة:”.. إن تحويل أسلحة متطورة إلى أياد غير مسؤولة، سيزيد من حدة المخاطر الإقليمية، وإن إسرائيل ستواصل صون أمنها ومصالحها”.. لكن ذلك لم يغير موقف موسكو المبني أصلاً من حماية عسكرييها ومصالحها،
و”تم الاتفاق على مواصلة الحوار بين الطاقمين المهنيين، والتنسيق بين الجيشين عبر القنوات العسكرية” فالتفاق باقٍ.. وشدد الرئيس بوتين على أن “القرارات التي اتخذتها موسكو لتعزيز القدرات القتالية للدفاع الجوي السوري تتماشى مع الوضع الراهن، وتهدف قبل كل شيء إلى حماية العسكريين الروس الذين يؤدون مهام محاربة الإرهاب الدولي، من أي خطر محتمل”.. وفي هذا السياق جاء قول مسؤول روسي لصحيفة “كومرسانت”، نقلته وكالة “أنترفاكس”يوم ٢٤/٩/٢٠١٨، جاء الآتي:”.. من أجل القضاء على إمكانية حدوث حالات طارئة، وأخطاء بنيران صديقة، سيتوجب نشر ضباط روس في كل موقع سوري لهذه الصواريخ.”.. وتأكيداً لبقاء اتفاق التنسيق، وتحسين ظروف التعاون، وتطمين “إسرائيل”، ولوضع الأمور في نصابها، أكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، بعد مكالة نتنياهو مع الرئيس بوتين يوم الاثنين الماضي:”أن قرار تسليم منظومات الدفاع الجوي الصاروخية “إس-300″لسورية ليس موجهاً ضد دول ثالثة، وأن الهدف منه هو حماية العسكريين الروس في سورية .. هنا يجب أن يكون واضحاً للجميع، ضرورة الإجراءات الروسية لتعزيز الأمن لعسكرييها.. لذا فإن روسيا في هذه الحالة تنطلق فقط من هذه المصالح. “/المصدر وكالة:سبوتنيك، في ٢٤/٩/٢٠١٨. وقال مساعد وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، يوم الاثنين أيضاً، وفي مؤتمر صحفي:”إن تزويد روسيا الجيش السوري بمنظومة “إس-300″لن يفسد العلاقات بين روسيا وإسرائيل .. علاقاتنا أشمل وأوسع.”.. وتزويد سوريا بمنظومة الدفاع الجوي “إس-300″هو أمر مهم، و”هذا من حقنا ومن حق سورية السيادي”.
وعلى الرغم من هذه المواقف الروسية المطمْئنة جداً “لإسرائيل”، المتضمنة استمرار الاتفاق الذي يسمح بتدخلها العملياتي ضد أهداف سورية وفي الأراضي السورية، وعلى الرغم من أن الوزير شويغو أعلن عن حماية الشاطئ السوري في شرق البحر الأبيض المتوسط، أي المَداخل الغربية لسورية، بالرادارات والسلاح الروسي والسوري، حيث القواعد الجوية والبحرية الروسية.. وتركه ما عدا ذلك من مداخل إلى سورية خارج الحماية الروسية، وكأنه يقول للإسرائيليين “تعالوا من الجنوب والجنوب الغربي ولن نعترضكم.”.. وعلى الرغم من جعل كل موقع لتمركز وتشغيل بطاريات منظومة الدفاع الجوي الروسية الصنع إس ٣٠٠ تحت رقابة ضابط روسي، ومَرْكَزَة التحكُّم ووضعه بإشراف مركزي روسي، وهو موضوع الفقرة ٢ من القرار الذي أعلنته وزارة الدفاع الروسية على لسان الوزير، ونصُّه”تجهيز المراكز القيادية لقوات الدفاع الجوي السورية، بنظام آلي للتحكّم، موجود حصرياً لدى الجيش الروسي، مما سيضمن الإدارة المركزية لجميع الدفاعات الجوية السورية، وتحديد جميع الطائرات الروسية في الأجواء من قبلها.”..وعلى الرغم من سياقات القرار الروسي وأهدافه وأبعاده وما رافقه وتلاه من توضيح وتصريح على أعلى المستويات الروسية..على الرغم من كل ذلك، بدأ تحرك صهيوني شبه صاخب لمنع تزويد سورية بالمنظومة الدفاعية الروسية إس ٣٠٠، لتبقى أراضيها وسيادتها مشاعاً لإسرائيل وسواها؟!وقد بدأ ذلك الصخب الصهيوني بتصريح المتطرف جون بولتون الذي أعلن يوم ٢٤/٩/٢٠١٨ أن:”تسليم روسيا نظام إس-300 لسورية خطأ جسيم”، وتبعه أعلان إدارة ترامب أن وجودها في سورية سوف يستمر بعد القضاء على داعش والنصرة والإرهاب، وذلك لكي تدرب العناصر الموالية لها والمتحالفة معها.؟! وبدأت سلسلة الإشادات بالقدرات، واستعراض العضلات التقنية والعسكرية، الجوية والبحرية، لا سيما من جانب الإسرائيليين والأميركيين من جهة، والروس من جهة أخرى. ويبدو أن الرؤوس الحامية سوف تزداد عدداً، لكن اطمئنوا فلوقت قصير جداً، حيث المصالح المشترَكة أكبر بكثير من “النرفزات والعنتريات، ومن “الزَّقزقة على تويتر”، وحيث الأهداف المُشتركة للكبار تستدعي التعاون وهدوء الصِّغار.. ومن المصالح الحاكمة التي يُشار إليها من طرف خفي، همساً ولمزاً: المصالح الاقتصادية والتحكم في الطاقة “النفط والغاز”والسيطرة على تلك الثروة في شرق المتوسط، في شواطئ كل من:”سورية، ولبنان، وفلسطين المُحتَلَّة”، ولا نتكلم حتى الآن احتكار استخراجهما وتسويقهما، ولا عن شراكة في هذا المجال ولكن عن مصالح وأهداف لا تتوقف عند حدود البحر بل تشمل البر، وتطال البشر.. وهذه نقطة مركزية في العلاقات المصلحية الحميمية التي تقوم بين الأقوياء على حساب الآخرين.
في سورية المنكوبة بالحرب، لم نخرج من “الباطوسَة”، ولا يبدو أننا سنخرج منها قريباً، ولا أظن أن المنظومة الدفاعية إس ٣٠٠ سوف تقرّب الحل السياسي، ولن تكون العصا السحرية للحل السلمي بين كيان الإرهاب الصهيوني القاتل المُحتل، وسورية الدولة المُستهدَفة من أطراف وقوى كثيرة وكبيرة، وذات الأهداف الوطنية والقومية.. فأطماع “إسرائيل”أكبر من ذبح الشعب الفلسطيني، وابتلاع فلسطين كلها، والجولان السوري، ومزارع شبعا وإقليم الخروب اللبناني، ووسائلها أبعد من إشعال النار في كل موقع عربي لا يستكين لها ولحليفها العضوي، الولايات المتحدة الأميركية، وشركائها الآخرين، وفق درجات الشد والجذب.. وثوابت سورية أن تستعيد وجودها وقوتها واستقلالها وحريتها وشعبها، وأرضها المحتلة “الجولان”حتى آخر شبر من تلك الأرض، بما في ذلك الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبريا، “الأرض والمَاء”.. وأن تستعيد سيادتها، بكل أبعاد تلك السيادة ومفاهيمها، ودورها في قضية العرب المركزية “قضية فلسطين”، ودورها القومي في العمل العربي تحقيقاً لأهدافها ومبادئها وثوابتها التي ضحت بالكثير من أجلها.. وهذا على الأقل، دونه خرط القتاد، وهو أمر لم يعد ملك السوريين وحدهم، وقرارهم الوطني المستقل، حتى لو صار بينهم وفاق واتفاق.. لأنه أصبح قضية دولية، تستوجب اتفاقات سياسية دولية بين القوى الكبرى ذات القرار، وهي دول ذات استراتيجيات ومصالح وسياسات متفاوتة، أو متضادة، أو متناقضة أحياناً، ولها شركاء، وتطلعات تشمل معظم بقاع العالم وثرواته.. وعلى رأس تلك القوى الدول “الولايات المتحدة الأميركية وتحالفاتها، وروسيا الاتحادية وحلفائها.. ولكل من هاتين الدولتين وتحالفاتهما، وجود وقوى وأهداف وأتباع، ليس في سورية وحدها بل في وطن العرب المنكوب ببعض بنيه، وفي بلدان عدة في عالم يعيش بؤس القوة، وبؤس التبعية، وبؤس الصراعات التي تخوضها تلك القوى العظمى وتحالفاتها بالوكالة، أو على صُعد أخرى تنعكس شقاء على البشر، وتهديداً للسلم والأمن الدوليين، ولحقوق الإنسان في كل مكان من أرض البشر.

إلى الأعلى