الجمعة 14 ديسمبر 2018 م - ٦ ربيع الثانيI ١٤٤٠ هـ
الرئيسية / آراء / في العمق: هل أصبح ملف الباحثين عن عمل رقما صعبا؟

في العمق: هل أصبح ملف الباحثين عن عمل رقما صعبا؟

د. رجب بن علي العويسي

ينطلق تناولنا للموضوع من فرضية وجود استراتيجية وطنية متكاملة تتسم بالاستدامة والعمق والإجرائية والتنوع والمهنية في تشخيص هذا الملف ورصد معطياته ودراسة كل المتغيرات المرتبطة به، بحيث تأخذ في الحسبان تقييم نواتج التوجهات التي اتخذتها السلطنة في التعامل مع الملف في فترات سابقة وأفضل الممارسات التي يمكن الإبقاء عليها في مجالات التعمين والتمكين الاقتصادي وعمل المرأة والقطاع الخاص والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وصندوق الرفد وغيرها، وما يتطلبه ذلك من عملية تطوير وتحديث جدية وشاملة للتشريعات والقوانين ذات العلاقة بالعمل والتشغيل والحوافز والصلاحيات والشركات والاستثمار، وبالتالي إيجاد آليات واضحة للمتابعة والرصد والتقييم والرقابة، بما يسهل على الشباب فرص الاندماج في قطاع العمل والتشغيل، وعلاقة ذلك بوجود الأيدي العاملة الوافدة كأحد المعطيات التي يجب أن تكون حاضرة في التعامل مع ملف الباحثين عن عمل لما تشكله من رقم صعب يجب الوقوف عليه، حيث تشير الإحصاءات الوطنية إلى أنها في ازدياد مستمر، إذ بلغ عدد الوافدين المشتغلين في القطاع الخاص (1.832.072)، بما نسبته (90%)، مقابل (10%) منهم في القطاع الحكومي،وبالتالي إعادة تنظيم وتقنين وتوجيه الممارسة الوطنية في هذا الشأن بما يضمن قدرة المواطن – الباحث عن عمل- في الحصول على استحقاقاته الوظيفية الناتجة عن جدارة وتنافسية والتزام، مع الإبقاء على سقف التوقعات المطلوبة من القطاع الخاص في مستوياتها العليا لرفد الاقتصاد الوطني والتشغيل النوعي للقوى العاملة الوطنية.
لقد شكل ملف الباحثين عن عمل اليوم رقما صعبا يجب التعامل معه كخيار استراتيجي وطني واولوية تؤسس لمرحلة قادمة من الإنجاز على صعيد التنمية المستدامة، وفي هذا الاطار تشير الاحصائيات الاخيرة للمركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى استمرار الزيادة في أعداد الباحثين عن عمل المسجلين في سجل هيئة القوى العاملة، فمن خلال مقارنة النشرة الاحصائية الشهرية-أغسطس وسبتمبر لعام 2018، للأشهر فبراير ومارس والأشهر مايو ويونيو،أظهرت معدلات الباحثين عن عمل: أن معدل الباحثين عن عمل للإناث في شهر مارس بلغ (8.5)، في حين بلغ المعدل للفئة نفسها في شهر يونيو من العام نفسه (9.4) أي بزيادة بلغت (1.1). وبلغ معدل الباحثين عن عمل في الفئة العمرية (15-24) لشهر مارس (6.2) في حين بلغ معدل الفئة نفسها في شهر يونيو (6.8) بزيادة بلغت (0.7) وبلغ معدل الباحثين عن عمل للفئة العمرية ( أقل من 30 سنة) في شهر مارس للجنسين (10.2) في حين بلغ معدل الفئتين نفسهما في شهر يونيو (11.8) بزيادة بلغت (1.6). وشكل معدل حملة الدبلوم الجامعي فأعلى للإناث في شهر مارس ( 31.8)، في حين بلغ معدل الإناث من حملة المؤهل نفسه في شهر يونيو (37.5) بزيادة في المعدل بلغت (5.7)، وشهد معدل الباحثين عن عمل حسب المحافظات ارتفاعا في جميع المحافظات عدا محافظة مسقط التي استقرت عند المعدل ( 0.8)، حيث بلغ معدل الباحثين عن عمل في محافظة مسندم في شهر يونيو (4.6) بزيادة بلغت ( 0.8) وفي محافظة جنوب الباطنة في شهر يونيو من العام نفسه (4.3) بزيادة بلغت ( 0.3 ) وفي محافظة الظاهرة في شهر يونيو من العام نفسه (4.5) بزيادة بلغت ( 0.6 ) ومحافظة ظفار بمعدل ( 0.4 ) والبريمي بمعدل( 0.4 ) والداخلية بمعدل( 0.4 ) وشمال الباطنة بمعدل ( 0.7) جنوب الشرقية بمعدل( 0.4) وشمال الشرقية بمعدل( 0.2) والوسطى بمعدل( 0.1 ).
عليه تستدعي معدلات الزيادة وإن تفاوتت في مقدارها عملا مقننا وخارطة طريق واضحة تبني على نقاط الاتفاق مشتركات عمل ومحطات مراجعة تؤسس لحوار وطني وتوفير بدائل استراتيجية وحلول قطاعية متكاملة تضمن قدرة هذا المسار على توحيد الجهود وإضفاء عامل الكفاءة والواقعية والاستدامة فيه، وليس عبئا إضافيا أو ممارسة مرتجلة تلقي بثقلها على قطاعات دون أخرى، بما يتطلبه من تبني أدوات تشخّص الحالة الوطنية وتستقرئ الواقع الناتج عن تزايد أفواج المخرجات من مؤسسات التعليم العالي والجامعي ومخرجات الدبلوم العام، وانعكاسات ذلك على أعداد الباحثين عن عمل المسجلين والنشطين في قوائم سجل القوى العاملة، وقدرة سوق العمل الوطني على استيعاب هذه المخرجات، متخذ من قراءة ملامح التغيير في طبيعة السوق وأولوياته ونوعية المنتج والتسارع فيه والعوامل الداعمة لذلك أو الأسباب المؤثرة سلبامنطلقا لفهم واقع القوى الوطنية واتجاهات سوق العمل، مستفيدة من المؤشرات الإحصائية وقراءة التوجهات العالمية في هذا الشأن في رسم سيناريوهات بديلة تضمن تحقق الاستيعاب المتكافئ للقوى الوطنية في مختلف القطاعات .
فإن التشعبات الحاصلة في هذا الملف تصنع اليوم رقما صعبا على القطاعات والمؤسسات الاستعداد له عبر التمكن من امتلاك آليات عمل أكثرجديةتعكس وضوح منهجية عملها وقوة الالتزام بما يترتب عليه من قرارات وتوجهات تأخذ منحى الالزام وتعطي القوة في التنفيذ وترسم مسار أداء واقعيةتجنب هذا الملف الاجتهادات الشخصية أو الأفكار الوقتية أو الالتزامات اللحظية، وتعتقد بأن الانطلاقة من التعليم وإعادة تنظيمه ورسم ملامحه بما ينعكس على طبيعة الخيارات التي يؤسسها في الواقع منطلق لعلاج المشكلة والطريق السليم في قبول التحدي وإبراز التوجه بشكل أكثر نضجا واحترافيه في سبيل ضبط مسار القوى العاملة الوطنية وتحقيق أفضل مؤشرات الاستيعاب للكادر الوطني، وهو ما يضعنا أمام قراءة ملامح التحول التي يمكن أن يصنعها التعليم المدرسي والعالي في الواقع، كما أن مسألة المواءمة التعليمية لسوق العمل يجب ان تدرس اليوم بشكل اكثر مرونة وواقعية تتجاوز التنظير الفلسفي ومسوغات الأعذار، فإن التحجج بان المواءمة مرهونة بمدى التوسع في هذه المرتكزات الأربع للتعليم يضعنا أمام عائق عدم قبول أي توجهات تلغي هذه الفرضية، وهو ما يصنع واقعا أقرب إلى التباطؤ في حسم المسألة، ويؤخر في الوقت نفسه من جدية سعي الحكومة في تبني نماذج تطبيقية وممارسات ناجحة تحسم هذا الملف، إذ ليس ثمة إشكالية ان اجتمعت في شخصية الباحث عن عمل هذه السمات، وأصلّت مؤسسات التعليم المدرسي والعالي هذه القواعد في اعداد المتعلم وإنتاج المتعلمين، كما أن قناعتنا الشخصية بأن التعليم لا يمكن أن يخرّج عاملين مهنيين في سوق العمل يمتلكون كل المهارات التي يحتاجها في ظل سرعة تغير الميكنة وطبيعة المنتج ونوعه، لا تعني أن نلتمس له عذر القصور في بناء المواطن العماني القادر على امتلاك أدوات البحث عن عمل وتنفيذ وإدارة مشروعه الخاص أو تتولد لديه القناعة الإيجابية بالتطوير المستمر لذاته ومهاراته وهنا نؤكد على أهمية تعزيز المسارات التعليمية( أكاديمي، مهني، تقني، فني، تجاري، الخ) كأحد الخيارات الاستراتيجية حيث شكل معدل الباحثين عن عمل في الفئة (15-24) في شهر مايو (6.3) وفي شهر يونيو(6.8) بزيادة قدرها (0.5).
وتؤدي القطاع الخاص نفسه خاصة مع تحكم الايدي العاملة الوافدة في سوق العمل دورا في زيادة حجم المشكلة وتعقدها، إذ ما زال سوق العمل الوطني يعاني من شح في اليد العاملة الوطنية فمثلا بلغت نسبة التعمين في القطاع الحكومي (83.5%) عام 2016 مقارنة بنحو (11.6%) فقط من العمانيين في القطاع الخاص، هذا بالإضافة إلى أن (32.7%) من العمانيين المشتغلين في القطاع الخاص يعملون في المهن الكتابية، بينما (46.1%) من الوافدين المشتغلين في القطاع الخاص يعملون في المهن الهندسية الأساسية والمساعدة، وتبقى ضبابية المسار التعليمي نفسه أحد التحديات التي تواجه هذا القطاع، فقد أدى تزايد أفواج الخريجين في أغلب التخصصات إلى زيادة تراكمية في أعداد الباحثين عن عمل، إذ لم تؤد عمليات التقنين والتصحيح وإعادة هندسة التخصصات ومراقبة السوق إلى تغيير واقع التخصصات المطروحة، بل ظلت تكرر نفسها في الجامعات والكليات، بما يؤكد أهمية تقنين هذه التخصصات وتقليل حالة التقاطعات والتكرارات الحاصلة فيها بين مؤسسات التعليم، وإيقاف بعض التخصصات في الجامعات أو تشغيل بعض الأقسام او توجيهها لتخصصات أخرى، مع الاستمرار في الاستفادة من المسوحات التي تجريها وزارة التعليم العالي والمركز الوطني للإحصاء والمعلومات حول أعداد الباحثين عن عمل في هذه التخصصات. فإن حالة التشبع الحاصلة في بعض التخصصات التربوية أو تخصصات الهندسة المدنية وتقنية المعلومات وإدارة الأعمال والقانون والتخصصات الاجتماعية والانسانية الاخرى يستدعي وجود آلية وطنية تبنى عليها عملية اضافة بعض التخصصات في الجامعات والكليات بحيث تؤسّس على استقراء مؤشرات سوق العمل واعداد الداخلين والخارجين من هذه التخصصات.
عليه فإن الملف بحاجة إلى إدارة متوازنة في معطياته وخلق بدائل نوعية تلقي بظلالها على الاقتصاد الوطني الذي عليه أن يقوم بدور أكبر في الاستيعاب والتمكين والمنافسة والمحاسبية عبر زيادة كفاءة الشركات الكبرى الداعمة لاستقطاب هذه المخرجات، وخلق وظائف داعمة للتنويع الاقتصادي قادرة على استيعاب هذه التخصصات وتُحقق عوائدها الكبيرة على الموازنة العامة للدولة، بمعنى أن لا يكون طرح هذا الوظائف لمجرد سد الفراغ أو تقريب الفجوة، بالاضافة إلى تعزيزفرص الاندماج بين الشركات والقطاعات الإنتاجية في سبيل خلق قوة استيعابية أكبر لها مع ضمان توفير التسهيلات اللازمة للشركات الكبرى ذات التخصصات والمهام المتنوعة ” أسياد نموذجا” ، على أن إيجاد آلية وطنية ضامنة للاستفادة من المشروعات المنفذة في قطاعات الموانئ والمطارات والمنطقة الاقتصادية في الدقم والمشروعات السياحية المنتظرة بشكل يتيح لها فرص استيعاب المخرجات واستقطاب الكفاءة العمانية في ظل ترقية فرص الامتيازات والحوافز والصلاحيات بما يضمن تحقق تنافسية عالية يتصدر خلالها القطاع الخاص أولويات الباحثين عن عمل … فهل ستثمر الجهود والتوجهات الوطنية الداعمة لمسار التنويع الاقتصادي عن وضع ملف الباحثين عن عمل في قائمة الأولويات باعتباره رقما صعبا يقدم ميزات تنافسية عالية واستثمارات تعود بالفائدة على الوطن والمواطن أم سنتعامل معه كعبء إضافي وقائمة استهلاكية جديدة تنتظر بنود الصرف فنساوم عليه ونتعامل معه على استحياء ليتقاطع من المشكلة ويغرد بآلياته المتواضعة خارج السرب؟

إلى الأعلى