الإثنين 25 سبتمبر 2017 م - ٤ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / أشرعة / في ذكرى سيد الخلق

في ذكرى سيد الخلق

مناجياً رب العالمين

لـ : الإمام الشافعي

قلبي برحمتك اللهم ذو أنس
في السر والجهر والإصباح والغلس
ما تقلبت من نومي وفي سنتي
إلا وذكرك بين النفس والنفس
لقد مننت على قلبي بمعرفة
بأنك الله ذو الآلاء والقدس
وقد أتيت ذنوبا أنت تعلمها
ولم تكن فاضحي فيها بفعل مسي
فامنن علي بذكر الصالحين ولا
تجعل علي إذا في الدين من لبس
وكن معي طول دنياي وآخرتي
ويوم حشري بما أنزلت في عبس

في حياة النبي محمد

كان من أوائل من نظم شعر المديح النبوي في حياته ما قاله عمّه العباس بن عبد المطلب، لما قال: يا رسول الله؟ أريد أن أمتدحك. فقال رسول الله: قل لا يفضض الله فاك. فأنشأ يقول :

من قبلها طبت في الظلال وفي
مستودع حيث يخصف الورق

ثم هبطت البلاد لا بشـر
أنت ولا مضغة ولا علق

بل نطفة تركب السفين وقد
ألجم نسرا وأهله الغرق

تنقل من صالب إلى رحم
إذا مضى عالم بدا طبق

حتى احتوى بيتك المهيمن من
خندف علياء تحتها النطق

وأنت لما ولدت أشرقت الـ
أرض وضاءت بنورك الأفق

فنحن في ذلك الضياء وفي
النور وسبل الرشاد نخترق

وكذا عمّه أبو طالب، إذ مدحه قائلاً :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
ثمال اليتامى عصمة للأرامل

ومدحه الصحبي كعب بن زهير في قصيدة مشهورة عرفت بـ “البردة”، لأن النبي محمد بن عبدالله كساه بردته عندما أنشدها، ولما أنشد كعب قصيدته هذه وبلغ قوله:

إن الرسول لنور يستضاء به
مهند من سيوف الله مسلول

أشار صلى الله عليه وآله بكمه إلى الخلق ليسمعوا منه .

وتقول عائشة بنت أبي بكر: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يخصف نعله وكنت جالسة أغزل فنظرت إليه فجعل جبينه يعرق وعرقه يتولد نوراً، فبهت، فنظر إلي فقال: مالك بهت؟ فقلت: يا رسول الله، نظرت إليك فجعل جبينك يعرق وعرقك يتولد نوراً، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره، قال: وما يقول أبو كبير؟ قلت: يقول:

ومبرئ من كل غبر حيضة
وفساد مرضعة وداء معضل

وإذا نظرت إلى أسرة وجهه
برقت كبرق العارض المتهلل

قالت: فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله ما كان بيده وقام وقبل ما بين عيني وقال: جزاك الله خيرا يا عائشة، ما سررت مني كسروري منك.

ومن أهم شعراء المديح النبوي في العصر الأموي بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله هو الفرزدق ولا سيما في قصيدته الميمية، التي أولها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيـت يعرفه والحل والحـرم

وللشاعر العباسي مهيار الديلمي عشرات من القصائد الشعرية في مدح أهل البيت والإشادة بخلال الرسول وصفاته الحميدة. ولكن يبقى البوصيري بحسب كثير من المؤرخين الذي عاش في القرن السابع الهجري من أهم شعراء المديح النبوي كما في قصيدته الميمية المسمى بـ “البردة” أو “الكواكب الدريَّة في مدح خير البرية”، والتي مطلعها:

أمن تذكر جيران بذي سلم
مزجت دمعا جرى من مقلة بدم

أم هبت الريح من تلقاء كاظمة
وأومض البرق في الظلماء من إضم

وقد عورضت هذه القصيدة من قبل الكثير من الشعراء القدامى والمحدثين والمعاصرين، ومن أهم هؤلاء الشعراء ابن جابر الأندلس في ميميته التي استعمل فيها المحسنات البديعية بكثرة في معارضته الشعرية التي مطلعها:

بطيبة انزل ويمم سيـد الأمم
وانشر له المدح وانثر أطيب الكلم

ومن شعراء المديح النبوي المتأخرين الذين عارضوا ميمية البوصيري عبد الله الحموي الذي عاش في القرن التاسع وكان مشهورا بميميته:

شدت بكم العشاق لما ترنموا
فغنوا وقد طاب المقام وزمزم

كرم النبي

إن كرمه – صلى الله عليه وسلم- كان مضرب الأمثال، وقد كان – صلى الله عليه وسلم- لا يرد سائلاً وهو واجد ما يعطيه، فقد سأله رجل حلةً كان يلبسها، فدخل بيته فخلعها ثم خرج بها في يده وأعطاه إياها.
وفي صحيح البخاري ومسلم عن جابر بن عبد الله-رضي الله عنهما-قال: ما سُئل رسول الله – صلى الله عليه وسلم- شيئاً على الإسلام إلا أعطاه، سأله رجل فأعطاه غنماً بين جبلين فأتى الرجل قومه، فقال لهم: (يا قوم أسلموا فإن محمداً يُعطي عطاء من لا يخشى الفاقة ) مسلم كتاب الفضائل باب ما سئل رسول الله شيئا قط فقال لا وكثرة عطائه ، وكان الرجل ليجيء إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم- ما يريد إلا الدنيا فما يمسي حتى يكون دينه أحب إليه وأعز من الدنيا وما فيها، أخرج البخاري عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، وقد سئل عن جود الرسول وكرمه، فقال: (كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- أجود الناس، وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن، فرسول الله أجود بالخير من الريح المرسلة)‏. البخاري – الفتح- كتاب المناقب, باب صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- ، بمعنى أن إعطائه دائماً لا ينقطع بيسر وسهولة، وها هي ذي أمثلة لجوده وكرمه – صلى الله عليه وسلم-.

- وحملت إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها فما رد سائلاً حتى فرغ منها.

- أعطى العباس – رضي الله عنه- من الذهب ما لم يطق حمله.

حلمه صلى الله عليه وسلم

الحلم: هو ضبط النفس حتى لا يظهر منها ما يكره قولاً كان أو فعلاً عند الغضب، وما يثيره هيجانه من قول سيء أو فعل غير محمود. هذا الحلم كان فيه الرسول – صلى الله عليه وسلم- مضرب المثل، والأحداث التي وقعت له – صلى الله عليه وسلم- شاهدة على ذلك.
- في غزوة أحد شُجت وجنتاه, وكُسرت رباعيته, ودخلت حلقات من المغفر في وجهه – صلى الله عليه وسلم- فقال: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) وهذا منتهى الحلم والصفح والصبر منه – صلى الله عليه وسلم-.

- والرسول-صلى الله عليه وسلم-يقسم الغنائم فقال له: ذو الخويصرة اعدل يا محمد فإن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله!! فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم-: (ويلك فمن يعدل إن لم أعدل) وحلم عليه ولم ينتقم منه.

- عن أنس أن النبي – صلى الله عليه وسلم- أدركه أعرابي فأخذ بردائه فجبذه جبذة شديدة حتى نظر إلى صفحة عنق رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وقد أثرت فيه حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك فالتفت إليه رسول الله – صلى الله عليه وسلم- فضحك وأمر له بعطاء.

عفوه – صلى الله عليه وسلم

العفو: هو ترك المؤاخذة عند القدرة على الأخذ من المسيء المبطل، وهو من خلال الكمال، وصفات الجمال الخلقي.
قالت عائشة-رضي الله عنها-: ما خُيِّر رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإن كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لنفسه إلا أن تُنتهك حرمة الله تعالى فينتقم لله بها.
وعن جابر بن عبد الله قال: قاتل رسول الله محارب بن خصفة، قال: فرأوا من المسلمين غرّه فجاء رجل حتى قام على رسول الله – صلى الله عليه وسلم- بالسيف فقال: من يمنعك مني، قال: (الله)، فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله – صلى الله عليه وسلم- السيف فقال: (من يمنعك مني؟) قال: (كن خير آخذ قدر)، قال: (أتشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله)، قال: (لا، غير أني لا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك). فخلى سبيله.
فجاء أصحابه فقال: (جئتكم من عند خير الناس).

شجاعته

إن الشجاعة خلق فاضل، ووصف كريم، وخلة شريفة، لا سيما إذا كانت في العقل كما هي في القلوب، وكان النبي – صلى الله عليه وسلم- أشجع الناس على الإطلاق، فمن الأدلة على شجاعته ما يلي:
- شهادة الشجعان الأبطال له بذلك، فقد قال علي بن أبي طالب – رضي الله عنه-، وكان من أبطال الرجال وشجعانهم، قال: “كنا إذا حمي البأس واحمرت الحدق نتقي برسول الله – صلى الله عليه وسلم-، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه”.

وعن البراء قال: “كنا والله إذا احمر البأس نتقي به – يعني النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن الشجاع منا الذي يحاذى به”.

- وعن أنس بن مالك قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- من أجمل الناس وأجود الناس وأشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة مرة فركب فرساً لأبي طلحة عرياناً, ثم رجع وهو يقول: (لن تراعوا لن تراعوا) ثم قال: (إنا وجدناه بحراً)

- مواقفه البطولية الخارقة للعادة في المعارك، ومنها ما كان في حنين حيث انهزم أصحابه وفر رجاله لصعوبة مواجهة العدو من جراء الكمائن التي نصبها وأوقعهم فيها وهم لا يدرون، فبقى وحده – صلى الله عليه وسلم- في الميدان يجول ويصول وهو على بغلته يقول:

أنا النبي لا كذب
…. أنا ابن عبد المطلب

عن البراء: قال لما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب)، فما رُؤي في الناس يومئذ أحد كان أشد من النبي – صلى الله عليه وسلم-.
وما زال في المعركة وهو يقول: (إلي عباد الله!!) حتى فاء أصحابه إليه وعاودوا الكرة على العدو فهزموه في الساعة.

كانت تلك الشواهد على شجاعته -صلى الله عليه وسلم- وما هي إلا غيض من فيض، ومواقفه – صلى الله عليه وسلم- كلها تدل على ما كان عليه من الشجاعة, ولقد قال أنس بن مالك: “كان النبي – صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس”.

إلى الأعلى