الإثنين 23 سبتمبر 2019 م - ٢٣ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن : بازار الجمعية العامة والتحذير من الفوضوية

رأي الوطن : بازار الجمعية العامة والتحذير من الفوضوية

كما في كل مرة لم تخرج اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة عن صورتها المعتادة والتي تشبه بازارًا يعرض فيه كل تاجر سلعه أمام الناس، باذلًا أقصى مهاراته في رص الكلمات وتدبيجها بما يتواءم مع ما عرضه من سلع بهدف جلب التأييد المطلق أو أغلبه، وجذب أكبر عدد من المعجبين. فاللباقة في الخطاب واللياقة العالية فيه جانب مهم في ذلك، إلا أنه كان لافتًا الخروج عن اللياقة التي يفترض أن تكون حاضرة، بل واجبة إظهارًا لما يجب أن تحظى به منظمة الأمم المتحدة وجمعيتها العامة من مكانة واحترام، فجاءت لغة بعض الخطابات ـ وللأسف الشديد ـ إما وفق المتوقع منها استنادًا إلى الاجتماعات السابقة للجمعية العامة بأنها لن تكون استثناء، وإما خلاف ذلك بالنظر إلى النزوع الواضح لدى بعض سياسات الدول الكبرى نحو المواجهة المتعددة الأوجه، والحط من قيم المنظمة الدولية، مظهِرةً حجم الانحطاط السياسي والأخلاقي والانحدار الدبلوماسي تجاه دول بعينها وحكوماتها وقياداتها، وتقديم العالم من منبر الجمعية العامة على أنه لا يعدو عن كونه مجرد غابة يحاول الأقوى أن يفرض سيطرته عليها.
لقد كانت لغة الابتزاز والتعالي العنوان الشاذ لاجتماعات الجمعية العامة في بداية انطلاقها أمس الأول، وتصوير دول العالم على أنها جمهوريات موز، أو مزارع خاصة أمرًا لا يستقيم مع ما تنشده العديد من دول العالم ذات النهج العقلاني، والنظرة المتبصرة، والساعية إلى بناء علاقات سلمية متعاونة ومتحابة بين جميع دول العالم، ووضع الخلافات جانبًا، وإنصاف الشعوب المكلومة والمهضومة حقوقها، كما هو حال الشعب الفلسطيني.
في كلمة افتتاح اجتماعات الجمعية العامة لأنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة، حذر جوتيريش من “فوضوية العالم” وأن النظام العالمي بات في خطر، والثقة في المؤسسات الوطنية والعالمية وبين الدول وبعضها أصبحت على “حافة الانهيار”. وهذا التوصيف للأمين العام وضع النقاط على حروف الحقيقة والمواجع، حيث المشهد العام ينحو إلى مزيد من الانفلات والتفكك جراء النزعة التسلطية واللغة الفوقية، وممارسة سياسة الابتزاز واللصوصية، والإصرار على عدم الاعتراف بحقوق الآخرين في القيام بأدوارهم، وخدمة دولهم وشعوبهم، منعًا من قيام التعددية ونشوء التوازن الدولي اللذين أصبح العالم بحاجة ماسة إليهما عما سبق.
العرج الذي أصاب السياسة الدولية، وكذلك منظمة الأمم المتحدة تعكسه مظلومية الشعوب المغتصبة حقوقها، وتحديدًا الشعب الفلسطيني، فقد كان الأمين العام للأمم المتحدة صادقًا فيما ذهب إليه من حالة العجز الذي شل قدرة المنظمة الدولية والقوى الكبرى الأعضاء عن القيام بمسؤولياتها الأخلاقية، وإنصاف الشعوب المظلومة، وإرساء قواعد جديدة تقوم عليها علاقات الدول جوهرها الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وإرجاع الحقوق المغتصبة لأصحابها.
لم يخفِ جوتيريش في الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة الثالثة والسبعين للجمعية العامة أن حقوق الشعب الفلسطيني يتواصل نهبها والسطو عليها وذلك حين قال “أصبح خيار حل الدولتين أكثر بعدًا”، وهو ما يضع ـ في تقديرنا ـ مصداقية الأمم المتحدة ودور أمينها العام على المحك، ويطرح علامات استفهام كثيرة. رغم أن قضية فلسطين تمثل أساس ما يشهده العالم اليوم من إرهاب وفوضى وحروب مباشرة وبالوكالة وتدمير، وخصوصًا في منطقتنا جراء الاحتلال الإسرائيلي وما يثيره من فتن ونزاعات ومؤامرات وحروب، بالتعاون مع حلفائه الاستراتيجيين الذين لا يزالون يواصلون سياسة الابتزاز واللصوصية واصطناع الأعداء، وشيطنة دول، من أجل الدفاع عن كيان الاحتلال الإسرائيلي وتأمين بقائه، ومن أجل تأمين مصالحهم الاستعمارية في المنطقة؛ لذلك ـ والحال هذا ـ لا بد أن يطغى خطاب الاستقطاب والشعبوية، وأن يصبح التعاون بين الدول أكثر صعوبة والانقسامات في مجلس الأمن صارخة.
لكن ومع ذلك، يبقى في هذا المعترك صوت الحكمة والعقلانية قائمًا، متحليًا بالتفاؤل في إمكانية التغيير الذي تنشده شعوب العالم قاطبة، وشعوب المنطقة خاصة، شريطة أن تتعاون الدول فيما بينها، وأن تتخلى بعض القوى الكبرى عن عنجهيتها ونزعتها التسلطية ولغتها الفوقية، وتؤمن بالتعددية وبحقوق الدول وشعوبها في إقامة عالم حر تسوده المودة والمحبة واحترام الحقوق.

إلى الأعلى