الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 م - ١٧ محرم ١٤٤١ هـ
الرئيسية / آراء / اقتلاع القرى البدوية في منطقة النقب

اقتلاع القرى البدوية في منطقة النقب

علي بدوان

”لقد بدأت عملية التهجير القسري الممنهج للبدو الفلسطينيين في منطقة النقب، والتي ترافقت مع قيام الكيان الصهيوني على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني، ومع أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، كان أكثر من تسعين ألف بدوي فلسطيني من أبناء منطقة النقب وعشائرها، قد أجبروا على الرحيل، وتحول معظمهم إلى لاجئين…”

تُمثّل حالة التهجير الجارية لمواطني قرية (الخان الأحمر) البدوية في جبال قرب القدس واقعا مُشابها لما جرى ويجري في القرى البدوية في منطقة النقب ومنها قرية العراقيب. فقصة صمود قرية (العراقيب) الواقعة في منطقة النقب داخل حدود العام 1948 في فلسطين المحتلة، تستحق التبجيل والاحترام والتقدير. كما تستحق رفع الكوفية لها، حيث صمدت هذه القرية الفلسطينية البدوية لأكثر من مائة وعشر مرات في وجه محاولات تدميرها واجتثاثها ومحوها عن الخريطة، وتشريد مواطنيها وسكانها الأصليين وبعثرتهم تحت دعاوى مختلفة، وذلك في سياق الحملات الاستيطانية الكولونيالية ومشاريع تهويد النقب والجليل، وهي حملات ليست بالجديدة بل ابتدأت عمليًّا منذ العام 1976، وفي حينها انفجر الموقف الشعبي الفلسطيني في يوم الأرض الخالد دفاعًا عن الأرض داخل حدود العام 1948 في الجليل والمثلث والنقب والساحل. وبرزت في الوقت نفسه خصوصية المجتمع الفلسطيني داخل حدود العام 1948، حيث واجه الفلسطينيون في الداخل سياسات التضييق عليهم، ومصادرة الأرض، وطمس هويتهم الوطنية من خلال ما يسمى بمحاولات “الأسرلة” في شتى المجــالات، والتي حاولت، أن تهضم هذا المجموع العــربي، وتجعله جماعة اثنية هامشية، في إطار دولة تعتبر نفسها دولة اليهود وحدهم، وتسود فيها الصهيونية كأيديولوجيا، وكثقافـــــة ومؤسسات.
لقد بدأت عملية التهجير القسري الممنهج للبدو الفلسطينيين في منطقة النقب، والتي ترافقت مع قيام الكيان الصهيوني على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني، ومع أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، كان أكثر من تسعين ألف بدوي فلسطيني من أبناء منطقة النقب وعشائرها، قد أجبروا على الرحيل، وتحول معظمهم إلى لاجئين في المناطق المجاورة في قطاع غزة، ومناطق الضفة الغربية خصوصًا منطقة الخليل وضواحي القدس، وشبه جزيرة سيناء والأردن. فقد لجأت غالبية بدو النقب إلى قطاع غزة وبنسبة أقل إلى الأردن وقد عرفوا بـ(السبعاوية)، فيما حطت أعداد منهم في التجمعات البدوية على امتداد الصحاري الشرقية للضفة الغربية حيث ما زالت العشائر البدوية المهجرة من بئر السبع وعراد جنوب فلسطين تعيش في بيوت بدائية من الشعر والصفيح والبلاستيك، كتلك التي عاش فيها ضحايا النكبة جميعهم. كما شكل في أبناء العشائر من بدو فلسطين نسبة لا بأس بها من اللاجئين الفلسطينيين الذين وصلوا إلى سوريا ولبنان والأردن من بدو الجليل والجليل الشرقي وغور طبريا وسهل الحولة في الشمال.
واستتبعت سلطات الاحتلال عمليات التطهير العرقي آنذاك، بالقيام بتجريد ما تبقى من البدو الفلسطينيين من ملكية الأرض، واتباع التهجير المنهجي الواسع وصولًا إلى قرار “دولة إسرائيل” بعدم اعترافها بالحقوق العشائرية العرفية لملكية الأرض، حيث تتعامل “إسرائيل” مع أراضي البدو من العرب أصحاب الأرض الأصليين باعتبارها “أراضي دولة”، حيث سَنّت عددا من القوانين الجائرة، ومنها قانون الأراضي حيث يشير إلى أنَّ الأرض “لا تباع إلى الأبد”، وهي القاعدة التي وجّهت المؤسسات الصهيونية المعنية بقضايا التهويد والمسماة بـ”الكيرين كيميت ليسرائيل” لتطبيق سياسة ما أطلقت عليه”إنقاذ الأراضي”. ووفقا لهذا القول تمت صياغة البند الأول في قانون ما يسمى “أساس أراضي إسرائيل” الذي يمنع نقل الملكية لغير “الدولة والقومية اليهودية”، الذي يُشير إلى أن “الملكية لا تنقل إن كان من خلال البيع أو بأي طريقة”، حيث الدولة هي “دولة القومية اليهودية” وكذلك هو شأن الأراضي. وبالتالي فإن العربي صاحب الأرض الأصلي هنا خارج تعريف الانتماء القانوني والتاريخي للسيادة على الأرض، حيث لا حق له على الحيز المنطقي والتخطيطي، وليس له دولة لأنه ليس يهوديا ولا مواطنة حقيقية لأن المواطنة يهودية.
ومن المعروف، أن سلطات الاحتلال كانت قد فرضت على كل من تبقى داخل فلسطين المحتلة عام 1948 نظام (الحكم العسكري) حتى العام 1966 وترتب على ذلك عدم استطاعتهم العودة إلى أراضيهم لزراعتها، وحاجتهم إلى تصاريح خاصة للخروج من المناطق المخصّصة لهم من أجل البحث عن العمل والتعلم، إلخ. ومع مع قيام دولة “إسرائيل” تم سن قوانين مختلفة لمصادرة الأراضي مثل سن قانون “الحاضر الغائب” عام 1951 وقانون أراضي “إسرائيل” عام 1953 لتمنع رد الملكية إلى أصحابها الحقيقيين فحوّلت “إسرائيل” بموجب هذه القوانين حوالي (13) مليون دونم إلى ملكيتها في منطقة النقب.
وعليه، إنَّ أحداث قرية العراقيب الفلسطينية في منطقة النقب والمتتالية من حينٍ لآخر، تكشف وعلى الملأ، المساعي الإسرائيلية الصهيونية المتواصلة لتهويد ما تبقى من الأرض الفلسطينية المحتلة داخل حدود العام 1948، وتحديدا في منطقتي الجليل في الشمال، والنقب في الجنوب. وذلك في سياق خلخلة الوجود السكاني العربي وحشره في نقاط جغرافية وعلى مساحات محدودة، وترك المساحات الواسعة من الأرض لعمليات التهويد والاستيطان، ومصادرة جيش الاحتلال لما تبقى من الأراضي العربية في سياق خطة مايسمى “تطوير النقب والجليل”، لتوطين 300 ألف يهودي في منطقتي النقب والجليل.
قرية (العراقيب) تقع على بعد حوالي (110) كيلومترات جنوب مدينة القدس، وتُعَد واحدة من (51) قرية بدوية عربية فلسطينية في منطقة النقب لا تعترف “إسرائيل” بها, ويقطنها نحو (100) ألف عربي من بدو النقب، يعيش في أصغرها (500) نسمة، وفي أكبرها أكثر من (4500) نسمة، وتستهدفها بشكل مستمر سياسات الاحتلال بالهدم وتشريد أهلها منذ سنوات طويلة في سياق مشروع تهويد النقب والجليل وخلخلة الوجود السكاني العربي فيه، بينما تُشَرّع بشكل مستمر بناء التجمعات والكتل الاستيطانية لصالح اليهود في منطقة النقب والجليل، كما في مشاريع إقامة البنى التحتية العائدة للجيش “الإسرائيلي” كالمطارات والقواعد العسكرية وغيرها.
قرية العراقيب، ترسم على الأرض قصة البقاء على أرض الوطن، كخيار وحيد أمام فلسطينيي الداخل الذين واجهوا عمليات “الأسرلة” طوال العقود التالية من نكبة فلسطين، وأثبتوا في نهاية المطاف أنهم جزء لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني، وجزء أصيل من حركته الوطنية وإن اختلفت خصوصيات الوضع الذي يحيط بهم داخل حدود العام 1948.

إلى الأعلى